نهاية الطريق للمعارضة السورية
السبت / 12 / رجب / 1444 هـ - 18:18 - السبت 4 فبراير 2023 18:18
ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني -
كانت جهود تركيا لتحسين علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية سببًا في صنع حالة من القلق بين جماعات المعارضة المسلحة في سوريا، مما دفع بعض معارضي نظام الرئيس بشار الأسد إلى الخوف من نهاية قضيتهم التي استمرت لسنوات طويلة.
ومن بين أكثر الجماعات المعارضة قلقا 'هيئة تحرير الشام'، وهي المنظمة السياسية المسلحة السنية الأكبر نوعا ما، والتي تسيطر على معظم شمال غرب سوريا، وفي حين لا يوجد دليل على أن تركيا تدعمها بشكل مباشر، إلا أن 'أنقرة' كانت في المرحلة السابقة داعما رئيسيا لجماعات المعارضة الأخرى خلال الصراع السوري الممتد لحوالي 12 عاما.
خلال الفترة الماضية كانت لدى تركيا مصالح مشتركة مع 'هيئة تحرير الشام'، والمعارضة بشكل عام، وقد نسقت بشأن عدد من القضايا المحددة، إلا أن تركيا والحكومة السورية الآن يعملان على استعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وإذا وجدتا أرضية مشتركة، فذلك يعني قلب كل الجهود الرامية إلى الإطاحة بنظام بشار الأسد، وفي الواقع يمثل ذلك نهاية هيئة تحرير الشام.
وكان بشار الأسد قد اشترط مرارا على تركيا الانسحاب الكامل لقواتها من شمال سوريا، وذلك في سبيل التوصل للمصالحة والتقارب معها، إضافة إلى توقف أنقرة وإنهاء دعم الجماعات المعارضة المسلحة.
وإذا ما فعلت أنقرة ذلك، فهذا لا يعني التسليم بنهاية المعارضة، فبعض الجماعات المسلحة قد تكون قادرة على الاستمرار، رغم توسع سيطرة الحكومة، إلا أنه من غير المرجح أن تكون 'هيئة تحرير الشام' من بينها، ذلك لأن الجماعة مصنفة كـ 'منظمة إرهابية' من قبل كل من دمشق، وأنقرة بسبب ارتباطها السابق بتنظيم القاعدة، وهذا ما يبرر عدم دعم أنقرة للجماعة بشكل مباشر، وفي الواقع، تشكل جهود تركيا للتصالح مع الأسد تهديدا وجوديا لهيئة تحرير الشام.
في عام 2017 تمكنت القوات التركية من الانتشار في إدلب، التي كانت تسيطر عليها 'هيئة تحرير الشام'، وكانت تركيا تهدف إلى منع الحكومة السورية من الاستيلاء على آخر معقل للمعارضين، وهذا الأمر ساعد على توفير بيئة آمنة للقوات التركية في الأراضي السورية.
واليوم تخشى جماعة 'هيئة تحرير الشام' من أن هذا التاريخ لن يعود، وترى بأن الدخول في محادثات بين نظام الأسد وتركيا أمر يهددها ويؤجج غضب المعارضة السورية بشكل عام.
لذلك سارع زعيم هيئة تحرير الشام 'أبو محمد الجولاني' إلى التنديد بالتقارب السوري التركي واستنكاره، في تسجيل مصور له، وقال 'لن نتصالح مع الأسد'، ووعد بمواصلة القتال حتى يتم 'تحرير' دمشق، وتعهد الجولاني بعدم التنازل عن الأراضي لنظام الأسد.
ينظر إلى هيئة تحرير الشام على نطاق واسع على أنها الجماعة المسلحة الأقوى والأكثر تماسكا في شمال غرب سوريا، لذلك من المهم للجماعات المتمردة تأمين مشاركتها في القتال ضد الحكومة للدفاع عن أراضيها بشكل أفضل.
ولتأكيد هذا الأمر، زادت 'هيئة تحرير الشام' من هجماتها ضد الحكومة السورية في الأسابيع الأخيرة الماضية، وذلك بشكل يناقض الهدوء النسبي لها خلال العام الماضي، وأفادت التقارير أن هيئة تحرير الشام نفذت 11 عملية ضد القوات الحكومية في الشهر الماضي فقط، واستهدفت خلايا موالية للحكومة تعمل في إدلب.
ولا تعمل هيئة تحرير الشام بشكل منفرد بل لها علاقات وخطط استراتيجية دقيقة، وهي مدركة أن بقاءها يعتمد على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع جارتها الشمالية.
وعلى سبيل المثال، بدلا من الدخول في مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية، ركزت 'هيئة تحرير الشام' عملياتها على المواقع العسكرية الدفاعية، ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن هيئة تحرير الشام تريد تجنب إشعال التوترات مع تركيا، التي تحافظ على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع روسيا في مارس 2020.
علاوة على ذلك، امتنعت هيئة تحرير الشام عن انتقاد السياسة الخارجية التركية بشكل مباشر، واتخذت لهجة أكثر تصالحية. وفي بيان صدر في ديسمبر، ألقت الهيئة باللوم على 'نظام' الأسد لعدم رغبته في معالجة مخاوف تركيا وحثت أنقرة على 'الحفاظ على قيمها ومكاسبها الأخلاقية في دعم المضطهدين'.
كما أعربت عن تفهمها 'للضغوط التي تواجهها تركيا على المستويين المحلي والدولي'. ويشمل ذلك حاجة تركيا إلى إحراز تقدم في تسهيل عودة اللاجئين السوريين ومواجهة 'التهديد الكردي' قبل الانتخابات التركية في مايو المقبل.
وبشكل خاص، كانت هيئة تحرير الشام أكثر مباشرة. وقد نقلت لي مصادر محلية أن 'هيئة تحرير الشام' عقدت اجتماعا في ديسمبر مع مسؤولين أتراك أعرب خلاله قادة الجماعة عن قلقهم بشأن المصالحة مع سوريا وأكدوا التزامهم باحترام الاتفاقات مع تركيا.
ويبدو أن موقف هيئة تحرير الشام من الحكومة التركية مدفوع بتقييم مفاده أنه من غير المرجح أن تسفر المفاوضات بين أنقرة ودمشق عن نتائج. ويشاطر الرأي العديد من المحللين السوريين وجهة نظرهم الذين يتوقعون أن المحادثات ستتوقف لأن تركيا وسوريا لا تزالان متباعدتين حول العديد من القضايا، خاصة وأن نظام الأسد غير مستعد لتقديم أي تنازلات.
وهذا ما يفسر موقف جماعة هيئة تحرير الشام، الرامي إلى طمأنة جماعته بالاستمرار بالقتال من أجل القضية، وفي نفس الوقت اتباع الأسلوب الدبلوماسي مع تركيا بدلا من محاولة استفزاز تركيا بالتصريحات الحادة وإقناعها بالعدول عن محادثاتها مع نظام بشار الأسد.
وبطبيعة الحال، ستتوقف جميع الرهانات إذا أسفرت المحادثات بين أنقرة ودمشق عن انفراجة غير متوقعة. وفي مثل هذا السيناريو، من المرجح أن تستخدم هيئة تحرير الشام أولا قنواتها الدبلوماسية مع أنقرة للتوصل إلى حل وسط يسمح لها بالحفاظ على مصالحها إلى أقصى حد ممكن.
ويمكن أن يشمل ذلك، على سبيل المثال، الانسحاب من مناطق محددة في إدلب بالمقابل التوسع في شمال حلب. وفي حال فشل التوصل إلى حل وسط مقبول من الطرفين مع تركيا، ستتحول الجماعة بلا شك إلى وسائل أكثر عدوانية للبقاء على قيد الحياة والاستمرار في المناضلة.
بغض النظر أشكال التقارب التركي السوري، فهذه أوقات غير مريحة للمعارضة السورية في إدلب، المعارضة التي لا زالت تقاتل، وتتوق ببساطة إلى إنهاء سنوات من المعاناة بالانتصار.
• حايد حايد كاتب عمود سوري وزميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.
• ترجمة خاصة لجريدة عمان نقلا عن 'آسيا تايمز'
كانت جهود تركيا لتحسين علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية سببًا في صنع حالة من القلق بين جماعات المعارضة المسلحة في سوريا، مما دفع بعض معارضي نظام الرئيس بشار الأسد إلى الخوف من نهاية قضيتهم التي استمرت لسنوات طويلة.
ومن بين أكثر الجماعات المعارضة قلقا 'هيئة تحرير الشام'، وهي المنظمة السياسية المسلحة السنية الأكبر نوعا ما، والتي تسيطر على معظم شمال غرب سوريا، وفي حين لا يوجد دليل على أن تركيا تدعمها بشكل مباشر، إلا أن 'أنقرة' كانت في المرحلة السابقة داعما رئيسيا لجماعات المعارضة الأخرى خلال الصراع السوري الممتد لحوالي 12 عاما.
خلال الفترة الماضية كانت لدى تركيا مصالح مشتركة مع 'هيئة تحرير الشام'، والمعارضة بشكل عام، وقد نسقت بشأن عدد من القضايا المحددة، إلا أن تركيا والحكومة السورية الآن يعملان على استعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وإذا وجدتا أرضية مشتركة، فذلك يعني قلب كل الجهود الرامية إلى الإطاحة بنظام بشار الأسد، وفي الواقع يمثل ذلك نهاية هيئة تحرير الشام.
وكان بشار الأسد قد اشترط مرارا على تركيا الانسحاب الكامل لقواتها من شمال سوريا، وذلك في سبيل التوصل للمصالحة والتقارب معها، إضافة إلى توقف أنقرة وإنهاء دعم الجماعات المعارضة المسلحة.
وإذا ما فعلت أنقرة ذلك، فهذا لا يعني التسليم بنهاية المعارضة، فبعض الجماعات المسلحة قد تكون قادرة على الاستمرار، رغم توسع سيطرة الحكومة، إلا أنه من غير المرجح أن تكون 'هيئة تحرير الشام' من بينها، ذلك لأن الجماعة مصنفة كـ 'منظمة إرهابية' من قبل كل من دمشق، وأنقرة بسبب ارتباطها السابق بتنظيم القاعدة، وهذا ما يبرر عدم دعم أنقرة للجماعة بشكل مباشر، وفي الواقع، تشكل جهود تركيا للتصالح مع الأسد تهديدا وجوديا لهيئة تحرير الشام.
في عام 2017 تمكنت القوات التركية من الانتشار في إدلب، التي كانت تسيطر عليها 'هيئة تحرير الشام'، وكانت تركيا تهدف إلى منع الحكومة السورية من الاستيلاء على آخر معقل للمعارضين، وهذا الأمر ساعد على توفير بيئة آمنة للقوات التركية في الأراضي السورية.
واليوم تخشى جماعة 'هيئة تحرير الشام' من أن هذا التاريخ لن يعود، وترى بأن الدخول في محادثات بين نظام الأسد وتركيا أمر يهددها ويؤجج غضب المعارضة السورية بشكل عام.
لذلك سارع زعيم هيئة تحرير الشام 'أبو محمد الجولاني' إلى التنديد بالتقارب السوري التركي واستنكاره، في تسجيل مصور له، وقال 'لن نتصالح مع الأسد'، ووعد بمواصلة القتال حتى يتم 'تحرير' دمشق، وتعهد الجولاني بعدم التنازل عن الأراضي لنظام الأسد.
ينظر إلى هيئة تحرير الشام على نطاق واسع على أنها الجماعة المسلحة الأقوى والأكثر تماسكا في شمال غرب سوريا، لذلك من المهم للجماعات المتمردة تأمين مشاركتها في القتال ضد الحكومة للدفاع عن أراضيها بشكل أفضل.
ولتأكيد هذا الأمر، زادت 'هيئة تحرير الشام' من هجماتها ضد الحكومة السورية في الأسابيع الأخيرة الماضية، وذلك بشكل يناقض الهدوء النسبي لها خلال العام الماضي، وأفادت التقارير أن هيئة تحرير الشام نفذت 11 عملية ضد القوات الحكومية في الشهر الماضي فقط، واستهدفت خلايا موالية للحكومة تعمل في إدلب.
ولا تعمل هيئة تحرير الشام بشكل منفرد بل لها علاقات وخطط استراتيجية دقيقة، وهي مدركة أن بقاءها يعتمد على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع جارتها الشمالية.
وعلى سبيل المثال، بدلا من الدخول في مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية، ركزت 'هيئة تحرير الشام' عملياتها على المواقع العسكرية الدفاعية، ويرجع ذلك على الأرجح إلى أن هيئة تحرير الشام تريد تجنب إشعال التوترات مع تركيا، التي تحافظ على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع روسيا في مارس 2020.
علاوة على ذلك، امتنعت هيئة تحرير الشام عن انتقاد السياسة الخارجية التركية بشكل مباشر، واتخذت لهجة أكثر تصالحية. وفي بيان صدر في ديسمبر، ألقت الهيئة باللوم على 'نظام' الأسد لعدم رغبته في معالجة مخاوف تركيا وحثت أنقرة على 'الحفاظ على قيمها ومكاسبها الأخلاقية في دعم المضطهدين'.
كما أعربت عن تفهمها 'للضغوط التي تواجهها تركيا على المستويين المحلي والدولي'. ويشمل ذلك حاجة تركيا إلى إحراز تقدم في تسهيل عودة اللاجئين السوريين ومواجهة 'التهديد الكردي' قبل الانتخابات التركية في مايو المقبل.
وبشكل خاص، كانت هيئة تحرير الشام أكثر مباشرة. وقد نقلت لي مصادر محلية أن 'هيئة تحرير الشام' عقدت اجتماعا في ديسمبر مع مسؤولين أتراك أعرب خلاله قادة الجماعة عن قلقهم بشأن المصالحة مع سوريا وأكدوا التزامهم باحترام الاتفاقات مع تركيا.
ويبدو أن موقف هيئة تحرير الشام من الحكومة التركية مدفوع بتقييم مفاده أنه من غير المرجح أن تسفر المفاوضات بين أنقرة ودمشق عن نتائج. ويشاطر الرأي العديد من المحللين السوريين وجهة نظرهم الذين يتوقعون أن المحادثات ستتوقف لأن تركيا وسوريا لا تزالان متباعدتين حول العديد من القضايا، خاصة وأن نظام الأسد غير مستعد لتقديم أي تنازلات.
وهذا ما يفسر موقف جماعة هيئة تحرير الشام، الرامي إلى طمأنة جماعته بالاستمرار بالقتال من أجل القضية، وفي نفس الوقت اتباع الأسلوب الدبلوماسي مع تركيا بدلا من محاولة استفزاز تركيا بالتصريحات الحادة وإقناعها بالعدول عن محادثاتها مع نظام بشار الأسد.
وبطبيعة الحال، ستتوقف جميع الرهانات إذا أسفرت المحادثات بين أنقرة ودمشق عن انفراجة غير متوقعة. وفي مثل هذا السيناريو، من المرجح أن تستخدم هيئة تحرير الشام أولا قنواتها الدبلوماسية مع أنقرة للتوصل إلى حل وسط يسمح لها بالحفاظ على مصالحها إلى أقصى حد ممكن.
ويمكن أن يشمل ذلك، على سبيل المثال، الانسحاب من مناطق محددة في إدلب بالمقابل التوسع في شمال حلب. وفي حال فشل التوصل إلى حل وسط مقبول من الطرفين مع تركيا، ستتحول الجماعة بلا شك إلى وسائل أكثر عدوانية للبقاء على قيد الحياة والاستمرار في المناضلة.
بغض النظر أشكال التقارب التركي السوري، فهذه أوقات غير مريحة للمعارضة السورية في إدلب، المعارضة التي لا زالت تقاتل، وتتوق ببساطة إلى إنهاء سنوات من المعاناة بالانتصار.
• حايد حايد كاتب عمود سوري وزميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.
• ترجمة خاصة لجريدة عمان نقلا عن 'آسيا تايمز'