أفكار وآراء

فرسان الثقافة

ترجمة عن الروسية: يوسف نبيل -

ألاحظ كيف تختفي سريعًا الكثير من قواعد التفاهم في المجتمع. كما لو أن طيف الموجات الذي يتفاهم الناس عبره، الممثل في الروابط والاقتباسات والأمثلة والمراجع الصغيرة البديهية، ومن ضمنها الشخصيات الخطابية والاستشهاد بمصادر معرفية تبدو واضحة في التاريخ والثقافة والفن والعلم والفلسفة والسياسة، يتقلص بشكل مستمر وبطريقة لا يمكن الرجعة فيها. لا تزال بعض البقع متشكلة بدرجة ضعيفة وسط مجتمعات قليلة بعينها، مثل سكان روبليوفكا أو بين الأوليغارشيين والموظفين، أو في وزارة بعينها أو حتى في قسم معين، وبين موظفي المكاتب، كما أنها موجودة أيضًا بين الصحفيين والخبراء والمتطوعين والمراسلين العسكريين والوطنيين وغرف الدردشة المدرسية. تبدو هذه البقع الدلالية كالأرخبيل الذي يتغير ببطء وسط الضباب، ويستحيل تمامًا التنبؤ به. لم يعد بالإمكان بشكل عام أن ندرك إلى أين سيصل خطابنا، أو كيف سيُفسَّر.

سيُقتطع جزء من المغزى أو سيُمحى ببساطة، وستكتسب البقية أبعادًا مشوهة. علاوة على ما سبق يؤدي الغموض وانعدام اليقين في جميع الخلفيات الثقافية إلى استحالة التواصل. في الواقع لم يعد لدينا اليوم الحد الأدنى من الكتب والمؤلفين والتعاليم والأعمال الفنية والأحداث التاريخية التي يجب أن يعرفها الجميع. صار كل شيء اعتباطيًا، مما يعني أنه بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يمكنك معرفة أي شيء على الإطلاق. وهكذا يمضي الأمر.

أحيانًا يتكون لدى المرء انطباع بأن بعض القوى تفكك عن عمد هياكل الوعي الجماعي وتفتته إلى شظايا مقطوعة من الكل ثم توجه كل تيار إلى قنوات أضيق (يمكن التحكم فيها). تُحوِّل الشبكات؛ بما في ذلك الشبكات العصبية، فضلاً عن الوسائط الخاضعة للرقابة الشديدة بشكل متزايد ووسائل الاتصال الأخرى، كل مجتمع من المجتمعات إلى شيء ميكانيكي ومندمج مع مجموعة معينة وشريحة بعينها. لا يمكن التحدث في هذا القفص عن أي شخصية أو حرية أو رأي خاص. من هنا تأتي أهمية الروبوتات. ستحل الروبوتات محل البشر، وسيصير البشر أنفسهم روبوتات.

هكذا يسرقون هوية الشعب ويفتتون المجتمع إلى وحدات متشظية ومضطربة، وفي نهاية الأمر يهدمون الدولة.

هنا يطرح سؤال نفسه علينا: هل عمليات التدهور العقلي هذه طبيعية أم أنها استراتيجية حرب شبكية؟ في كل الأحوال يزداد الوضع سوءًا. لا يصعب أن نمدّد هذا التوجه قليلا إلى المستقبل لنرى أننا نقترب من نقطة سنتوقف بعدها ببساطة عن فهم بعضنا بعض تمامًا. يُمثِّل ذلك أزمة عميقة للغة وانهيارًا للحضارة.

إحدى الاستراتيجيات التي تظهر في وضع كهذا هو أن تصنع اختيارًا يصب في صالح 'فرسان الثقافة'. علينا أن نواصل السعي صوب صنع خطاب فلسفي وسياسي وتاريخي وثقافي وفني وعلمي ملائم، مهما كلفنا الأمر. علاوة على ذلك ليس علينا أن نسعى صوبه بهدف تأسيس كتلة أخرى، بل من أجل إنقاذ الوحدة، من أجل إنقاذ الشعب، لأنه لا يوجد شعب إلا ولديه جوهر مشترك، وهذه هي الهوية، وهي تتسق مع الثقافة. لا يتطلب انضمامك إلى فرسان الثقافة شغل أي منصب. كل ما عليك فعله ببساطة هو أن تظل (أو تصير!) شخصًا روسيًا كامل الأهلية؛ أبًا أو أمًا أو زوجًا أو أختًا أو أخًا أو غير ذلك، تصير كادحًا أو مراقبًا فاعلا أو خبيرًا. يمثِّل الإنسان كامل الأهلية كمالا ويُقدِّر وحدة الناس ويدعمها. الشعب قارة كاملة، وليس مجرد أرخبيل، وهذه القارة هي روسيا التي يجب أن نحافظ عليها وننقذها. يعني ذلك أننا يجب أن نفهم بعضنا بعضًا، بالمعنى الواسع للعبارة؛ أي أن نستمع ونجيب ونعترض ونتفحص ونتتبع وندحض. الآن يضع 'فرسان الثقافة' محاور جديدة للحد الأدنى للأهلية الثقافية للشعب الروسي؛ سواء في الأسرة أو في العمل أو في الحرب أو في وسائل الإعلام، أو على شبكات الإنترنت. بهذه الطريقة وحدها يمكن للدولة نفسها أن تتغير. طالما السلطة جزيرة أو مجموعة متشظية من الشعب، أو حتى من المجموعات المتنازعة، ستظل دولتنا في خطر داهم، ومن ثم فإن فرسان الثقافة مدعوين لإنقاذها.

• ألكسندر دوجين مُحلل سياسي واستراتيجي وفيلسوف روسي.