أفكار وآراء

الاقتصاد العالمي في 2023.. المشهد ليس قاتماً

يبدو أن الاقتصاد العالمي يمر حالياً بفصل آخر من فصول القصة التي بدأت في نهاية ديسمبر من عام 2019 حينما اجتاح العالم ذلك الكائن الدقيق، ليباغته على حين غرة ويُحدث من الأفاعيل ما لم يخطر على بال أحد. وما إن بدت تتكشف الرؤية الضبابية بعد أكثر من عامين، وبدأ العالم يتنفس الصعداء مما حاق به من جرّاء فيروس «كورونا» وتبدأ عجلات الأسواق والإنتاج بالدوران من جديد، حتى أفقنا على ارتدادات التيسير الكمي الذي حُقِن به الاقتصاد بشكل مُبالغ فيه كما يجادل بذلك كثيرون، ليجد التضخم هو الآخر طريقه ومجراه الطبيعي في الحركة الاقتصادية طالما قد تهيأت له الظروف الملائمة، فينتقل العالم من محاصرة كائن حسي إلى آخر غير منظور لا تُفيد معه المعقمات والإجراءات الاحترازية. وبلا شك فإن حركة التجارة العالمية ذات حساسية عالية لأية تدخلات مفاجئة خاصة وأن العالم عبارة عن شبكة تجارية متصلة اتصالاً وثيقاً، والحقيقة أن التجارة العالمية في الوقت الحالي لا تعاني من عامل مؤثر واحد، بل من ظروف متشابكة ومعقدة، فتعطل سلاسل الإمداد واستمرار الداخل الصيني حتى وقت قريب في إجراءات التقييد على انتشار فيروس كورونا، وإلى الأوضاع الجيوسياسية للحرب الروسية الأوكرانية وما تلاها من أزمة في الطاقة، ثم إجراءات الفيدرالي الأمريكي المتمثلة في مكافحة التضخم، كل تلك العوامل اجتمعت وكأنها على موعد مسبقٍ مع هذا السيناريو غير المسبوق، غير أننا لا يجب أن نكون بقدر كبير من التشاؤم فالأمر ليس بهذه القتامة، فهناك دائماً مخرج لكل مشكلة، والأنظمة الاقتصادية في رأيي قادرة على تجاوز هذه الظروف، فهي تستند إلى مخزون كافٍ من التجارب السابقة تمكنها من التعامل بفعالية مع مثل هذه الأحداث، لتكون هذه الأحداث بمثابة تجارب مفيدة في سجل الأزمات التي ألمّت بالاقتصاد العالمي سيستفاد منها في المستقبل.

يسيطر على الوسط الاقتصادي- الخبراء المشتغلون في مجال الاقتصاد والمال- الرأي القائل بأن الاقتصاد العالمي سيمر بركود هذا العام مع تفاوت درجة تقييمهم لمدى عمق هذا الركود ومدته، بالإضافة إلى أن المنظمات الدولية تتبنى هذا الرأي بصورة أكثر قتامة كما صندوق النقد الدولي ومؤسسات التصنيف الائتماني مثل مؤسسة فيتش، ولربما نعذرها في ذلك كونها تضطلع بمسؤولية ضمان تعافي الاقتصاد والخروج بأقل الخسائر، وذلك يستدعي فعلياًّ وجود هاجس يهدد خطط المستثمرين، ويجعل صناع السياسات النقدية والمالية في المحك بين استباق التدابير وانتظار وضوح الرؤية، وليس بالصعب معرفة منشأ تلك الآراء ومقوماتها، فالجميع تقريباً يستند إلى المؤشرات نفسها التي تشير إلى تراجع النشاط الاقتصادي العالمي في العام الجاري، إذ ما تزال تداعيات جائحة كورونا عاملاً مؤثراً في تقييم مدى الانفراجة في أزمة سلاسة الإمداد وعودة الكثير من الشركات والمصانع إلى إنتاجها الطبيعي لمستوى ما قبل الجائحة، علاوة على التضخم الذي بلغ مستويات عالية نتيجة سياسات التحفيز الاقتصادي الذي اعتمد على ضخ السيولة في الأسواق مما خلق طلباً أعلى من المعروض، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا مدعومةً بالأوضاع الجيوسياسية وما رافقها من خفضٍ سريع وحاد للإمدادات القادمة من روسيا، فكانت جميعها عوامل امتزجت مع بعضها البعض وبعثت برسالة واحدة أن النشاط الاقتصاد سيحتاج إلى بعض الوقت لاستعادة زخمه.

الاقتصاد الأمريكي والصيني والاتحاد الأوروبي

هناك لاعبون كبار في المشهد الاقتصادي لا يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه المشهد الاقتصادي مالم يكونوا في الحسبان، إذ يمثل الاقتصاد الأمريكي وحده نحو 24% من إجمالي اقتصاد العالم، ويمثل اقتصاد الصين نحو 18.5%، ويأتي الاتحاد الأوروبي في الترتيب الثالثة ليشكل نحو 17.7%، وبالتالي فإن هذه الاقتصادات الثلاثة مجتمعة تمثل 60% من الاقتصاد العالمي، وهي تمثل قوة لا تضاهى على المستويين الإنتاجي والاستهلاكي، كما أن مصدر قوة هذه الاقتصادات أيضاً في كونها تمتلك شبكة واسعة ونفوذ تجاري قوي حول العالم، لذلك فإن أية تراجع لأحدهما فهو ذو تأثير معتبر على الباقيين، فهذه الأطراف الثلاثة مسؤولة عن النسبة الأكبر من نشاط الاقتصاد العالمي ونموّه، وتباطؤ اقتصاداتها يعني وقوع باقي العالم في نفس المصير.

توضح بيانات التضخم في الولايات المتحدة إلى بوادر نجاح سياسة الفيدرالي الأمريكي في مكافحة التضخم، حيث أظهرت أحدث الأرقام الأمريكية أن أسعار المستهلكين (التضخم) انخفضت إلى 6.5% في ديسمبر العام المنصرم مقارنة بشهر أكتوبر والتي كانت في حدود 7.7%، وأعطت هذه المؤشرات ارتياحاً كبيراً في الوسط الاقتصادي الأمريكي كما عكسته بشكل مباشر التعاملات في أسواق المال والأسهم، ومثل ذلك في دول منطقة اليورو، حيث انخفض معدل التضخم، مما أعطى معنويات جيدة بعد عام سيئ مرت به المنطقة. وفي الجانب الصيني فقد رفعت الحكومة معظم إجراءات مكافحة كوفيد 19 في ديسمبر من العام الفائت، إضافة إلى إلغائها الحجر الصحي الإجباري للقادمين من خارج البلاد اعتباراً من الثامن من يناير 2023م بعد حوالي ثلاث سنوات من تقييد الحركة والسفر في الصين، ومن المتوقع أن تنعكس هذه الإجراءات على تحسن في معدل الاستهلاك العام لاسيما في حركة النقل والسفر، وتعافي سلاسل الإمداد مما سيعزز الأداء الاقتصادي العالمي.

تظل التوقعات الاقتصادية بركود اقتصادي عالمي هذا العام مرهونةً باستمرار العوامل الممكنة لحدوث ذلك، غير أن المستجدات الاقتصادية والعالمية تشير إلى أن حالة الركود المتوقعة لن تكون قاتمة، وأنها وإن حدثت فستكون معتدلة ولفترة قصيرة، إضافة إلى ذلك فإن الدول التي استطاعت تحقيق فوائض مالية جيدة خلال العام المنصرم ومنها سلطنة عُمان فإن تأثرها بحالة الركود العالمي المزمع محلياً سيكون تأثيراً محدوداً، لكن يبقى الاستمرار في السياسات والتدابير أمر مهم حتى انجلاء تلك المخاوف.

ماجد الخروصي باحث اقتصادي