أعمدة

كأس الخليج وما فعله بالعراق

 
كان مشهد البكاء مؤثرا للغاية، مسن عراقي يحتضن شابا عمانيا ويذرف الدموع قائلا 'اشتقنا لكم'..

نعم إنهم يذرفون دموع الفرح وهم يشاهدون أهلهم من شعوب المنطقة قادمين من أجل تشجيع منتخباتهم في كأس الخليج 25 المقامة في البصرة هذه المدينة الجريحة كحال جميع مدن العراق منذ التسعينيات نتيجة الحرب والعقوبات والمجاعة والإرهاب الذي لم يترك للفرح هناك أي متسع.

كلما حاول العراق أن يفرح أصابه الحزن من قبل أعداء الحياة والسلام، عانى شعبه كثيرا وفقد بعضهم الأمل لحياة أفضل، ولكنها مشيئة الله في هذا الاختبار العظيم من تاريخهم.

أخطاء فردية كلفت شعبًا الكثير من الأسى في سنين عجاف جعلتنا جميعا نبتعد عن زيارة العراق!

لا يوجد قوة تجمع الشعوب على الحب مثلما تفعل كرة القدم، هذه الساحرة التي حولت أحلامهم إلى حقيقة، الحقيقة في استضافة العراق لبطولة كأس الخليج بعد 40 عاما من الفقد!

أجيال عديدة لم تعايش بتاتا هذه البطولة التي بدأت بتبني الاتحاد البحريني عام 1969م لفكرة الأمير السعودي خالد الفيصل، ليذهب البحرين إلى رئيس الفيفا آنذاك يطلب منه مباركة الفيفا لهذه البطولة التي سيجتمع فيها أبناء الخليج العربي..

وما هي إلا سنة واحدة حتى بدأت فعليا على أرض البحرين الحبيبة لتصبح واقعا جميلا ورائعا يحتضن مواهب أهل الخليج كرويا مصطحبا معه شعوب المنطقة وأعلامه الرياضية في لحمة واحدة مليئة بالتنافس الشريف لتصبح كؤوس الخليج حلم كل وطن ولاعب وجمهور.

لن أسرد هنا تاريخ البطولة كلها، ولكنني أود أن أذكر الجميع كيف أن كأس الخليج أفرح الشعب العماني كثيرا حينما استطعنا من خلال تنظيم تاريخي أن نحرز لأول مرة البطولة على أرض مسقط في خليجي 19 عام 2009م بشعار عُمان نبض واحد.

ما يحدث في العراق اليوم هو أمر استثنائي للغاية بالنسبة لأغلبهم، فالمنتخب العراقي كان يلعب مباريات دولية عديدة في مختلف البطولات ولكنها جميعا كانت خارج بلادهم نتيجة العقوبات والحالة الأمنية غير الإيجابية آنذاك، ولكم أن تتخيلوا أن أغلب نجوم العراق الذين نعرفهم بالمنتخب قد لعبوا واعتزلوا دون أن يقدموا مباراة واحدة على أرضهم!

لذا فالفرح اليوم في العراق أكبر من تصور خيالنا جميعا، وما تنقله عدسات المصورين ليس إلا جزء بسيط من أمواج السعادة المتلاطمة على شط دجلة والفرات.

عادت الحياة هناك، وبدأ أهل الخليج بالتوافد إلى البصرة، ليتفاجأ الزائر بكل الحفاوة والحب والكرم والطيبة التي أصبحت السمة الأبرز للعراقيين اتجاه جميع ضيوفهم، اشتعلت التجارة ونشطت المشاريع والمواصلات والفنادق وكل شيء كان راكدًا، فكرة القدم ومسابقاتها تفعل ما لا تفعله السياسة ودهاليزها، بل تتجاوز التوقعات في حجم الاستفادة التي تطال أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم، هي من تزرع الفرح والأمل والتواد بين الأشقاء وهم يلامسون طيبة شعب تألم كثيرا، هي القوة الناعمة التي تعمل عليها جميع الدول المتقدمة من أجل الحياة والاقتصاد وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى إنشاء البنى التحتية الرياضية من ستبقى مفيدة للجميع.

وبالمناسبة فالملاعب بالعراق التي شاهدها العالم كانت مذهلة للغاية، تجاوزت بعض دول المنطقة من حيث جودتها وبديع تصميمها، ليضرب العراق هنا مثلا عظيما بأن إرادة الإنسان أكبر من أي ألم، فمن يريد أن يصنع الفرح يستطيع، ومن يريد أن يبقى في الحزن كذلك يستطيع، وهم اختاروا أن يصنعوا لهم منشآت رياضية جيدة للغاية، وأن يشتغلوا كثيرا من أجل أمن بلادهم وأهله وضيوفهم لينجحوا في استضافة البطولة التي انتظروها طويلا وبكل جدارة.

نعم نجحوا نجاحا مبهرا بداية من رسائل حفل الافتتاح الذي كان يزخر بتاريخ العراق العظيم منذ آلاف السنين، شاهدت من خلاله حامورابي ونبوخذ نصر ومجد بابل وأسطورة عشتار وبزوغ أول يوم من تاريخ بغداد، بالإضافة إلى رسائلهم المليئة بالفن والحب والترحاب بالجميع.

وها نحن على مشارف نهاية البطولة التي وصل فيها منتخبنا الوطني العماني إلى الدور ما قبل النهائي الذي يذهب بنا إلى مباراة التتويج إن تجاوزنا البحرين، وكذلك العراق إن تجاوز قطر أو العكس.

كل ذلك الذي يحدث هناك في عالم كرة القدم جعل من الحياة في العراق أفضل سعادة من أي يوم مضى، ويكفي أن نرى دموع الفرح المختلطة بتلك الابتسامات النقية حاضرة في مسيراتهم كحضورها حينما كان أهل عُمان في التاريخ الإسلامي يذهبون إلى البصرة من أجل طلب العلم والرفعة ليبزغ مجدهم كجابر بن زيد والخليل بن أحمد الفراهيدي وابن دريد والقائد الملهم المهلب بن أبي صفرة.

هذه البطولة يجب ألا تتوقف أبدا مهما كانت الظروف، فكأس الخليج ليست كرة قدم فقط بل هي أكبر من ذلك بكثير، والدليل شعب العراق وقبلهم كان شعب اليمن.

نعم هي أيام محدودة للبطولة هناك، ولكن تأثيرها سيظل في قلوبهم كنور الشمس الساطع على نافذة الأمل.