ثقافة

الخطاب الشعري في زمن الجوائح كيف عبّر وكيف أثّر؟

مؤكدا على دور الكتابة وأهميتها

 
لقرون عدة كانت الكتابة جزءًا لا يتجزأ في نقل الأخبار والأحداث، والشعر مصدرا يسبر أغوار الأحاسيس.. يستكشف تأثير ما مر على الكون من أوبئة وكوارث عبر التاريخ 'من الموت الأسود إلى جائحة كورونا'.. عبر فيها الشاعر عن تلك الأوقات الصعبة مستكشفا نماذج الاستجابة في الأزمات.. فكيف استطاعت الكتابة عبر 'الشعر' المساعدة على نشر الوعي بالكوارث والأحداث المختلفة حول العالم لإلهام البشر وإحداث تغيير إيجابي في الأوقات الملحة من جهة والتأكيد على الدور الأساسي للكلمة من جهة أخرى.. من مهرجان الشارقة للشعر العربي كوكبة من الشعراء والنقّاد في ندوة فكرية نستطلع آراءاهم لكشف تعبير وتأثير الخطاب الشعري في زمن الجوائح ومدى إسهامه في خدمة الإنسان والمجتمع..

بداية يقول الاستاذ الدكتور محمد أحمد الديباجي من المملكة المغربية: من المعلوم أن البشرية عرفت خلال مراحل تاريخها الطويل أزمات ونكبات أودت بحياة الآلاف المؤلفة من البشر، مما لا يتسع المجال هنا لبسط القول فيه، وكان موقف الشعراء دائماً في كل زمان ومكان مواكباً لهذه الأزمات، يخفف عن الناس مصابهم، ويقوي عزائمهم ويشد من أزرهم ويقوي إيمانهم بالله، ويبعث في نفوسهم التفاؤل بأن الوباء سيختفي كما جاء وأن الغد سيكون أفضل من اليوم، وقد سجل تاريخ الشعر والأدب الدور العظيم الذي قام به الأدباء والشعراء في مجتمعاتهم وهو دور متعدد الجوانب، فهو قد يفوق دور الطبيب المعالج لأن دور الطبيب ينتهي بتقديم الدواء والعلاج. كما أنه يفوق دور المؤرخ لأن المؤرخ يكتفي بوصف الحالة الوبائية وصفاً موضوعياً يخلو أو يكاد يخلو من المؤازرة النفسية. أما الشاعر فهو يعايش الوباء، ويتقمص شخصية المريض ثم هو بعد ذلك يخلد وصف المرض ومحنة المصابين تخليداً يدوم على الدهر، ويبقى حديثاً للأجيال التي تتأسى بذكره.

ويضيف 'الديباجي': تتجلى لنا مواكبة الشعر والشعراء للإنسانية أثناء الفترات الحرجة التي تعرفها، فهو تعبير عن آلام الشعوب وآمالها وليس دائماً مدحاً ولا غزلاً ولا هجاءً، بل هو رسالة سامية لها قدرة على تخليد حالات الإنسان ومواقف عجزه وضعفه أمام البلاء. وقد نال الأديب الفرنسي ألبير كامو جائزة نوبل للآداب في منتصف القرن العشرين لأنه استطاع أن يصور تصويراً رائعاً حالة الطاعون الذي فتك فتكاً ذريعاً بالآلاف من الجزائريين ولا سيما سكان مدينة وهران.

تأملية مجردة

من جهته يقول الدكتور سالم عايد الدهام من المملكة الأردنية: إن اشتباك الشعر مع الحياة وقضايا المجتمعات وما يعتريها من نوازل وما يصيبها من محن أمر ليس بجديد؛ فالشعر قد يتجه أحياناً نحو آفاق ذات طبيعة خيالية تأملية مجردة لا تتصل بالواقع بشكل مباشر ؛ لكنه لا يلبث أن يعود ليلامس الأرض من جديد؛ فهو كالغيم يتصاعد من ماء الأرض ويتكثف في الشاسع، ثم لا يلبث أن يعود ليخالط ترب الأرض من جديد ويمدها بأسباب الحياة. الفضاء الأعالي، ويسبح في والشعراء العرب عبر تاريخ الشعر العربي الطويل تفاعلوا مع الأنواء التي تعرضوا لها أو التي اجتاحت المجتمعات من حولهم ففي كل العصور صور الشعراء الجوائح من الأمراض والأوبئة والكوارث بشكل عام.

خلاص الكتابة

في حين تقول الناقدة المغربية الدكتورة صباح الدبّي: عصفت جائحة كورونا باطمئنان العالم، وأصبح الفراغ في المدن والطرقات والمحطات والمطارات قيامة مُفاجئة يشهدها الناس من شرفات المنازل وعبر شاشات التلفزيون فيتسارع نبض التوجس والترقب في نفوسهم مع تصاعد عداد الموت في كل دول العالم. هنا يقف المرء مذهولاً أمام هذا الموت المنتشر، وأمام أكوام الجثث التي تتكدس في كل لحظة تحت الأرض، لكأن الموت كان محجوباً وانكشف، وما بين هذا الحجب والكشف أهوال داخلية يحياها الناس وهم يترقبون مصائرهـ كما لو كانوا على أعتاب صراط الانتظار، وكما لو أنهم أيقنوا أن هذا المجهول اللامرئي يخبط خبط عشواء، ويسوق إليهم مناياهم، تلك التي لا تُخطئ أحداً ليُعمّر ويهرم. حين يصبح الموت جماعياً، لا يُفكّر الناس في زمنيته بقدر ما تتملكهم طاقته فيموتون قبل الموت، وتستبد بهم تلك الأهوال الكبرى التي كان عصفها جماعياً، فلم تُبقِ ولم تذر؛ أية قوة تلبست بها الجائحة وهي تكشف هشاشة الكائن البشري أمام الموت..؟ میں ضاع الما شكالك عمر أمام هذا الوضع المرعب اللامتوقع، وأمام هذه العلاقة الجديدة بالداخل الأمن وبالخارج المخيف تتنامى أسئلة كبرى تضع الذات الإنسانية في مواجهة مصائرها الجديدة، ومخاوفها الدفينة، وأحوال

وتضيف 'الدبّي': أي خلاص تمنحه الكتابة الشعرية في ظل واقع موبوء ينتشر فيه الموت بكل عشوائيته وكثرته، وما مهمة الشعر في ظل هذا الرعب المحيط بالإنسان في كل لحظة، وحين وهل ثمة علاقة بين الداخل بوصفه فضاء مغلقاً فرَّ إليه الإنسان كرهاً وليس اختياراً خوفاً من الخطر المحدق، وبين فضاء الداخل الروحي بوصفه محراباً للكتابة الشعرية، وهل وجد الشعر ـ وهو ابن العزلة ـ في هذه العزلة القسرية ما يوقد طاقته ويحدد مفهومه وجدواه، أم أن العزلة التي فرضتها جائحة كورونا بشكل قسري أطفأت جذوته وأدخلته في حيز من الصمت الكئيب بسبب الرعب الذي تسرب للغة ذاتها لتصبح عاجزة عن القول، ثم أي توصيف لآليات تداول الشعر وتلقيه أمام هذا الإغلاق الكلي الذي طرح إشكالية مفهوم جمهور الشعر وآليات التفاعل واللقاء؟ تلك أسئلة تعن لنا ونحن نقارب هذه الوضعية

وتشير 'الدبّي': إن تتبعنا للنصوص التي كتبت إبان الجائحة جعلنا نقف عند درجة التوتر القصوى التي طبعت علاقة الشاعر بالكتابة، لاسيما أمام هول الصدمة المفاجئ الذي لم يسمح بترتيب شتات الذات وأدخلها بدل ذلك في أحوال من التشظي والترقب المقترن بالخوف الدفين من المجهول، ومن الموت المهرول دونما هوادة..، حيث تعيد الجوائح الكائن البشري إلى فكرة الوجود في ذاته، وإلى وحشته الأولى وهو يبحث عن تجليات لأناه على الأرض، ويخشى غيابها الكامل بسبب سطوة النهايات، تماماً كما تُعيد فكرة التبشيرات القيامية التي ارتبطت منذ القصص القديمة في الأزمان الغابرة بالعذاب الجماعي بسبب طغيان البشر، وعدم تقديرهم لما أُوتوه من نعم، وتجعل ذلك مشهوداً أمام أعينهم في قمة التطور البشري، ومن ثمة فالترقب والخوف من خطر مجهول قادم هو سيّد الزمن النفسي.

وتؤكد الدكتورة صباح الدبّي إن حتى الكتابة بما هي فعل ارتدادي داخلي يُعيد تشكيل الهزات الداخلية، ويرسم ما خلفته من تصدعات لم تكن لتنساب بإيقاعها المعتاد رغم وفرة الزمن المادي، صحيح أنها الملاذ الأول للروح، لكنها تحت وطأة هذا الرعب الجماعي قلق مُضاعف لا تُمسك اللغة بكل تلابيبه ففعل الكتابة يحتاج إلى لحظة صفاء ذهني وروحي، ولا يتأتى ذلك إلا بعد تجاوز اللحظات الأولى المُريكة التي اقترفها النزول المُفاجئ لهول الفيروس القاتل، ليس الأمر شبيهاً بالكتابة من داخل السجن، ولكنه أمر مُغاير واستثنائي؛ إنه الكتابة من داخل قيامة مُفاجئة وهذا أمر صعبٌ بحجم طاقة القلق والتوجس، لذلك كان من الطبيعي أن تستأنس الذات بهذا الوضع، وأن تتحرَّر ولو جزئياً بعد الأيام العصيبة الأولى من الفضاء القسري المُغلق، ومن روائح المُعقِّمات، ومن الموت المُكدَّس على الشاشات، وأن تمنح اللغة فرصة العبور الجواني إلى ما تركه أثر الجائحة عليها في نزوله الصاعق، ليصبح السفر في اللغة ومن خلالها إقامة مُتخيَّلة بديلة، تُبدِّد خطّية الزمن الرتيب، وتمنح زمناً آخر يُقاوم الزمن الجاثم على صدر العالم، ويرسم ملامح انفراج مأمول يُعيد إلى الحياة نبضها.

التواصل مع المجتمع

ويؤكد الناقد المصري الأستاذ الدكتور محمد مصطفى ابو شوارب أن الشاعر العربي القديم لم يكن في الأعم والأغلب يهدف من ممارسة عملية القول الشعري إلى تجريب ممكنات النموذج الإبداعي وتقليبات التشكيل الفني للغة بقدر ما كان يرغب في التواصل مع جماعة المتلقين التي تمنحه قيمته ومكانته داخل إطاره الطبيعي؛ كما لم تكن تجارب إنتاج النصوص الشعرية في الثقافة العربية حتى العصر الحديث تمثل في كثير من الأحيان مغامرة في اللغة، بقدر ما كانت محاولة باتجاه التعبير عن رسالة مقصودة إلى المتلقي يتم إنجازها عبر نسق لغوي يسعى إلى الفرادة، ويغاير في صيغه وتراكيبه وأساليبه النمط المحايد المستعمل في اللغة الاعتيادية،وهو ما يتجلى بوضوح في ذلك التراث الضخم الذي وصلنا من شعر يتناول كثيراً مما تعرضت له المجتمعات العربية والإسلامية على مرّ العصور من كوارث مؤلمة اجتاحتها وطغت على مقدّراتها وبدلت صورتها، أو أثرت على الأقل في قدرتها على مواصلة الحياة وفق طبيعتها المعهودة؛ خاصة وأن هذه الجوائح غالباً ما تفضي إلى تغيرات واسعة عميقة في بنية المجتمع وتكوينه البشري من جهة، وفي منجزاته ومعطياته الحضارية من جهة أخرى.

ويضيف: من الجوائح الكارثية ما يقع بفعل الإنسان كالحروب وما يصاحبها من قتل وتخريب؛ وصورة تلك الوقائع ناصعة في نصوص شعر رثاء المدن وتصوير سقوط الدول وانهيار الممالك، وهو أحد أبواب الشعر وموضوعاته التي عُني بها المؤرخون ودارسو الأدب العربي القديم. ومنها ما يقع بفعل الطبيعة كالزلازل والبراكين والفيضانات والثلوج وما يصاحبها من إفناء وتدمير ؛ على نحو ما نجد آثاره بارزة في تراثنا الشعري كذلك. ومن الجوائح ما يشترك في وقوعه الإنسان مع الطبيعة كالأوبئة والأمراض العامة المتفشية التي تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم؛ فتفتك بأبدانهم وتحصد أرواحهم وتلقي بظلالها الوخيمة على مكتسباتهم وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وكافة صور معيشتهم.

ويشير 'ابو شوارب' أن ما حفل به التراث الأدبي من نصوص شعر الأوبئة والطواعين وإن لم يبلغ من حيث الكم والانفراد حَدَّ أن يكون موضوعاً مستقلاً من موضوعات الشعر العربي؛ فإنه يمثل ظاهرة بارزة في التراث الشعري، وتجربة خاصة لها قيمها الموضوعية وأدواتها الفنية التي تعبر عنها، بما يستحق دراسات أكثر تعمقاً واتساعاً.

قوة المصير الإبداعي

وحول وجهة نظره يرى الناقد العراقي الأستاذ الدكتور سعد التميمي: أنه على الرغم من أن كورونا جعلت الأنظار تتجه صوب العلم والمعرفة والجيش الأبيض بشكل خاص مدفوعة بالخوف من المصير المجهول، إلا أن قوة اللغة التي تراجعت أول الأمر في مصير الفضاء الإبداعي سرعان ما حضرت بقوة لخلق فسحة للأمل بالحياة، إذ عكست ما يمر به الشاعر والمبدع من انفعالات نفسية ومخاوف من الإنسان في ظل هذه الجائحة، ولما ضخته وسائل التواصل من معلومات متضاربة ومرعبة، فقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الفايروس من صنع وسائل التواصل الاجتماعي البارعة في التهويل، وبثّ الخوف، والرعب في النفوس، ولذلك يمكن تسميته بـ'فيروس الهلع والفزع!!'، وقد وجد هذا الفيروس في الإمكانات التي توفرها تلك المنصات وقنوات الإعلام الجديد بيئة خصبة لينمو، ويكبر، وينتشر بسرعة، ويحرث في مناطق بعيدة عن العلم والمعرفة، والتطوّر العلمي الذي بلغته البشرية في القرن الحادي والعشرين، فهناك من يروّج أنّ 'كورونا'...

إن التفاعل السريع مع جائحة كورونا من الشعراء وما نظم من قصائد نتاج لحظة الانفعال الأولى، مما جعل التوظيف مباشراً في كثير مما كتب، وهذا ما يمكن أن تثبته القراءات الفاحصة لمثل هذه النصوص، ومثلما كان لآثار الجائحة حضور في ما كتب في اللحظة الراهنة، سيكون لها حضور آخر بعد تجاوز هذه الجائحة، بعد استيعاب تبعاتها وتوظيفها بشكل أعمق، على أن العزلة ستبقى حاضرة في أدب القرن الواحد والعشرين، فضلاً عما قدمته المؤسسات الثقافية والمنتديات الأدبية التي حولت منصاتها الواقعية إلى افتراضية لإدامة التواصل والتفاعل بين المبدعين والمتلقين، وتوثيق التفاعل مع الجائحة من جهة وتمسك المبدعين بالحياة والرغبة في توثيق الواقع بما يتضمنه من مآس وخسارات وبث روح الأمل والجمال من جهة أخرى، فقدمت الندوات الثقافية والأدبية والحوارية، فضلاً عن القراءات الشعرية وإقامة المهرجانات الشعرية عبر الفضاء الافتراضي من خلال منصات توفر للجمهور الحضور الافتراضي والتفاعل، وقد نجحت هذه المنصات في تقريب البعيد فعاد الأدباء المغتربون إلى التواصل مع جمهورهم في أوطانهم، كما وفرت هذه المنصات فسحة للتلاقح الثقافي بين المثقف العربي وغيره من الأمم الأخرى لتبدأ هذه الأنشطة المعرفية والثقافية في تفتيت جدار العزلة، فالأدب ظاهرة اجتماعية تتفاعل مع الحياة السياسية والاجتماعية والبيئة الطبيعية التي ينشأ فيها، وهو مرآة تعكس صورة واضحة للواقع في جميع وجوهه، في الأخير لا بد من التمسك بالأمل الذي يمنح الحياة ويرسم الجمال الذي يتفاعل معه الجمهور.

إثارة شعور المتلقي

وفي الختام تقول الباحثة السعودية الدكتورة الريم مفوز الفواز: إن مجال الشعر المعاصر في العصر الحديث هو الشعور، والشاعر يثير ذلك الشعور في تجربة ذاتية يكشف فيها عن جانب من جوانب النفس، أو ينفذ من خلال تجربته ذات الطابع الاجتماعي لمسائل الكون ومشكلات المجتمع التي يُظهرها من ثنايا شعوره وإحساسه؛ لأن إثارة الشعور والإحساس في المتلقي يقوم بها الشعر معتمداً على الوسائل الفنية، فهو يدعو للقيم السائدة المصطلح عليها سابقاً، بل لأنه يبين المعاصريه مثالب ما يسيرون عليه، وفضائل الطريق المثالي التي يجنونها لو اتبعوا دعوة الشاعر التواصل واقعه، يحيط والشعراء المعاصرون يهتمون بالقضايا الانية التي تشغل الساحة.