أعمدة

نوافذ : اقتراح الحلم

 
يصف إدواردو غاليانو صاحب الكتاب الممتع 'كرة القدم في الشمس والظل' لعبة كرة القدم بأنها 'طقس حربي مهذب'.

ومن استعارة الحرب المتواترة في وصف كرة القدم ومبارياتها، تداعى سؤال تميم البرغوثي في نصه الذي ألقاه وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية على مسرح الحفل الختامي للمونديال، السؤال الذي بدا شاعريا في صياغته وفلسفيا في عمقه، وذكيا في كيفية مقاربته للإجابة التي أريد لها أن تمثل هذه البطولة بالذات، ذلك أن السؤال يأتي من شاعر عربي فلسطيني، ومن منطقة ارتهنت لقرون إلى سلسلة من الحروب والصراعات الدامية.

يقول البرغوثي في محاولة للإجابة على السؤال الرئيس الذي ابتدأ نصه به 'ما الذي يدعو المتعبين إلى اللعب؟ :

اللعب.. زيارة قصيرة إلى عالم بديل

ساعتان من المساواة والعدل'

إذا هو سؤال العدل والمساواة الذي تتداوله الشعوب المتعبة من جور الدول الكبرى، وهو سؤال العدل والمساواة الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة، حيث لا سلطة مطلقة لأحد على أحد.

مساواة مبنية أيضا على احترام الآخر والاعتراف بثقافته، وعدل يسمح بامتلاك الشعوب لثرواتها واستثمارها، فلا تستباح أرض لأجل ما فيها من موارد، ولا يستعبد خلق لخدمة خلق آخر، ولا تحتل فلسطين حتى يقيم عليها الصهاينة دولتهم.

المساواة في امتلاك القوة والمساحة وحرية الانتقال وتملك الثروات واستخدامها، المساواة في الفرص دون فرض وصاية، ودون أن تكون هناك دول أكبر لتحدد مصائر العالم، ودول صغيرة تتقاذف ككرة في ملاعب السياسة وكواليس المصالح.

أجزم أن البرغوثي يعرف أن المباراة 'طقس حربي مهذب'، إلا أنه يصل إلى استنتاج مفاده أن مباريات كأس العالم وكرة القدم ليست إلا اقتراحا

'ليست هذه لعبة يا سادة

هو شيء تقترحه هذه البلاد والشعوب

بل لا تزال تقترحه البشرية على نفسها منذ كانت

حلم عمره ساعتان وعمره الأبد'.

هكذا يخرج البرغوثي من الاستعارات القاتمة، ليدخل في الحلم، الحلم بانتهاء الحروب، الحلم الذي كان من المفترض أن يؤسس عالما جديدا بعد الحرب العالمية الثانية، حلم بعالم ينبذ الحرب ويتنزه عن الظلم، وتقام فيه الموازين العادلة فيهنأ الناس في بلدانهم بالأمن والاستقرار.

نعم هذا حلم، مجرد حلم تحلمه 'هذه البلاد والشعوب' ولا تستطيعه، فللأحلام وإن امتدت زمن أقصر بكثير من عمر اليقظة، وإن كان الحلم حق البلاد والشعوب، فإن اليقظة على ما يبدو يملكها الطغاة، أشخاصا كانوا أو دولا، أو مجموعة شركات عابرة للقارات همها الوحيد أن يستمر صراع العالم، حتى تضمن دوران عجلة المال والقبض على السلطة المطلقة.