الطاقة المتجددة.. واقتصاد المستقبل
الثلاثاء / 11 / جمادى الأولى / 1444 هـ - 20:57 - الثلاثاء 6 ديسمبر 2022 20:57
يظل نجاح أي خطة أو رؤية استراتيجية رهنًا بما يمكن أن تسفر عنه من تحويل التنوع الاقتصادي إلى واقع فعلي، بصفته الضمانة الحقيقية للنمو المستدام والاستقرار المالي، وطالما بقي النفط مصدرا رئيسيا للإيرادات تبقى الدولة عرضة للتأثر بتقلباته بين حين وآخر.
خلال العامين الماضيين نجحت سلطنة عمان في تجاوز تحديات مالية واقتصادية صعبة بفضل تحسن أسعار النفط والسياسات التي انتهجتها الحكومة للضبط المالي والمبادرات والخطط التي أسهمت في تعافي الاقتصاد ومعاودة النمو، هذا النجاح يقودها، بطبيعة الحال، إلى مرحلة أخرى، هي الأهم، تستدعي بذل كل ما يمكن لبناء اقتصاد مستدام يعتمد على مصادر متنوعة للدخل، واستغلال الثروات والإمكانيات التي تتمتع بها وتجعلها قادرة على تحقيق طموحاتها العظيمة.
ومع التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم وتفرضها الأزمة الحالية لإمدادات الطاقة، إضافة إلى صعود التحديات المقلقة الناتجة عن المستويات الخطيرة للانبعاثات الضارة في العالم، والتوجه نحو الطاقة المتجددة خاصة الهيدروجين الأخضر والأمونيا، مع كل هذه التحولات تقف سلطنة عمان على أعتاب فرصة غير مسبوقة لتحقيق تغيير جذري في آفاق التنويع الاقتصادي وفي هيكلة بيئة الاستثمار، يعزز ذلك ما تتمتع به من موارد طبيعية للرياح والطاقة الشمسية، فالدراسات تؤكد أن عمان من بين الدول الأعلى في الكثافة الشمسية؛ لذا لديها مجال رحب وواسع لتطوير موارد الطاقة الشمسية، والاستفادة من الإمكانيات الكبيرة لطاقة الرياح.. وبناء على ذلك نجحت بالفعل العديد من المشروعات التي تعتمد على هذه المصادر مثل محطة ظفار لطاقة الرياح التي بدأت التشغيل في عام 2019، ومحطة أمين للطاقة، ومحطة عبري للطاقة الشمسية، ووصلت مساهمة الطاقة المتجددة في الإنتاج اليومي من الكهرباء هذا العام قرابة 700 ميجاوات، وهو مؤشر جيد على أن استغلال الطاقة المتجددة يسير بخطوات حثيثة لبلوغ المعدل المستهدف في الإنتاج وهو 3.3 ألف ميجاوات بحلول عام 2027.
وينصب الاهتمام حاليا على مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر التي تخلق إمكانيات واسعة المدى للتحول نحو الطاقة النظيفة في ظل توفر العوامل الأساسية لإنتاجه فبالإضافة إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تتمتع عمان بالأراضي الممتدة، وطرق التجارة العالمية وهذا يمكنها من بلوغ غايتها في أن تكون مركزًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتنويع مصادر الطاقة وتعزيز النمو الاقتصادي. وفي سبيل تحويل هذا الطموح إلى واقع اتخذت سلطنة عمان العديد من الخطوات من أهمها تأسيس التحالف الوطني للهيدروجين الأخضر «هاي فلاي»، كذلك يأتي مشروع «هايبورت الدقم» بوصفه أول خطوة عملية نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر.
إن توجه سلطنة عمان نحو الطاقة المتجددة يرتكز على أسس علمية مدروسة لتطوير القطاع، وقد حددت الخطة الوطنية للطاقة التوجهات الاستراتيجية للقطاع، كما أعلنت عام 2050 موعدًا لتحقيق هدف الحياد الصفري، وهناك العديد من الإجراءات التي تتوالى تباعا وتمهد للتوسع في مجال الطاقة المتجددة، والاعتماد عليها اعتمادًا متزايدًا.
ومع أهمية ذلك في المساهمة الفعلية لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الضارة والحفاظ على مستقبل أفضل للبشرية، فإن سلطنة عمان تضيف في الوقت ذاته مزيّة أخرى مهمة وتفتح باب قطاع اقتصادي واعد يتيح نموا كبيرا في حجم الاستثمارات ونوعيتها سواء عبر الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة نفسها أو جذب مصانع واستثمارات جديدة في المناطق الاقتصادية والحرة نظرا لتوفر طاقة المستقبل، وهو ما يعد واحدا من أهم الحوافز الجاذبة للاستثمار الأجنبي خاصة مع تزايد اهتمام المصانع والشركات بالحفاظ على البيئة والتوجه إلى مصادر نظيفة للطاقة والتشغيل للمساهمة في خفض الانبعاثات والحد من التغير المناخي وبناء مستقبل أكثر استدامة.. وللدلالة على ذلك نشير هنا إلى مشروع بناء مصنع لإنتاج الحديد الأخضر باستثمارات تصل إلى 3 مليارات دولار من قبل مجموعة جندال شديد في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، الذي سيعتمد تشغيله على مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
الطريق أمامنا لا يزال طويلا للوصول إلى إرساء التنويع الاقتصادي وجعله ركيزة حقيقية للنمو، لكن الفرص تكون لمن يحسن استغلالها وتوجيهها نحو خدمة الأهداف الاستراتيجية، وما يدعو إلى التفاؤل في بلادنا هو هذا الحراك الكبير الذي نشهده الآن والخطوات الجادة في سبيل الاستفادة من الطاقة المتجددة ومواكبة التوجهات العالمية في أن تكون مصدرًا رئيسيًا للطاقة في المستقبل، خصوصا الهيدروجين الأخضر بما يحمله من فرص هائلة ومردودات ضخمة.
وها نحن اليوم أمام قمة الهيدروجين الأخضر التي تنعقد في سلطنة عمان وتناقش الكثير من الجوانب الأساسية والأطر التنظيمية للقطاع وفرص الشراكة والاستثمار، من خلال المواقع التي جرى تحديدها من قبل وزارة الطاقة والمعادن.
وحتى تكتمل الاستعدادات ونكسب الرهان في هذا القطاع الواعد في وقت تشتد فيه المنافسة بين دول العالم، علينا أن نركز على ملائمة الحوافز التي تقدم للمستثمرين، لتكون عامل جذب أمامهم، وتخدم في الوقت ذاته مصالح الدولة، وهنا لا بد من الوقوف على تجارب سابقة في قطاعات أخرى للطاقة فنبني على المجدي والمفيد، ونعالج نقاط الخلل فيما كان يحتاج لعلاج.
علينا أيضا أن نسارع إلى تأهيل الكوادر الوطنية كي تلبي متطلبات هذه الصناعة التي من المتوقع أن تخلق الكثير من فرص العمل، وأن تواكب جامعاتنا هذا التوجه بأن يكون أحد تخصصاتها الأساسية، وبذل مزيد من الاهتمام بتسهيل إجراءات الاستثمار، فكل ذلك ضرورة لاقتناص فرصة الإمكانيات الهائلة للطاقة المتجددة التي تتاح لنا الآن وتفتح أفقا واسعا للتكامل ما بين خطط تنويع الاقتصاد وروافد المالية العامة.
حمود المحرزي من أسرة تحرير عمان
خلال العامين الماضيين نجحت سلطنة عمان في تجاوز تحديات مالية واقتصادية صعبة بفضل تحسن أسعار النفط والسياسات التي انتهجتها الحكومة للضبط المالي والمبادرات والخطط التي أسهمت في تعافي الاقتصاد ومعاودة النمو، هذا النجاح يقودها، بطبيعة الحال، إلى مرحلة أخرى، هي الأهم، تستدعي بذل كل ما يمكن لبناء اقتصاد مستدام يعتمد على مصادر متنوعة للدخل، واستغلال الثروات والإمكانيات التي تتمتع بها وتجعلها قادرة على تحقيق طموحاتها العظيمة.
ومع التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم وتفرضها الأزمة الحالية لإمدادات الطاقة، إضافة إلى صعود التحديات المقلقة الناتجة عن المستويات الخطيرة للانبعاثات الضارة في العالم، والتوجه نحو الطاقة المتجددة خاصة الهيدروجين الأخضر والأمونيا، مع كل هذه التحولات تقف سلطنة عمان على أعتاب فرصة غير مسبوقة لتحقيق تغيير جذري في آفاق التنويع الاقتصادي وفي هيكلة بيئة الاستثمار، يعزز ذلك ما تتمتع به من موارد طبيعية للرياح والطاقة الشمسية، فالدراسات تؤكد أن عمان من بين الدول الأعلى في الكثافة الشمسية؛ لذا لديها مجال رحب وواسع لتطوير موارد الطاقة الشمسية، والاستفادة من الإمكانيات الكبيرة لطاقة الرياح.. وبناء على ذلك نجحت بالفعل العديد من المشروعات التي تعتمد على هذه المصادر مثل محطة ظفار لطاقة الرياح التي بدأت التشغيل في عام 2019، ومحطة أمين للطاقة، ومحطة عبري للطاقة الشمسية، ووصلت مساهمة الطاقة المتجددة في الإنتاج اليومي من الكهرباء هذا العام قرابة 700 ميجاوات، وهو مؤشر جيد على أن استغلال الطاقة المتجددة يسير بخطوات حثيثة لبلوغ المعدل المستهدف في الإنتاج وهو 3.3 ألف ميجاوات بحلول عام 2027.
وينصب الاهتمام حاليا على مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر التي تخلق إمكانيات واسعة المدى للتحول نحو الطاقة النظيفة في ظل توفر العوامل الأساسية لإنتاجه فبالإضافة إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تتمتع عمان بالأراضي الممتدة، وطرق التجارة العالمية وهذا يمكنها من بلوغ غايتها في أن تكون مركزًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتنويع مصادر الطاقة وتعزيز النمو الاقتصادي. وفي سبيل تحويل هذا الطموح إلى واقع اتخذت سلطنة عمان العديد من الخطوات من أهمها تأسيس التحالف الوطني للهيدروجين الأخضر «هاي فلاي»، كذلك يأتي مشروع «هايبورت الدقم» بوصفه أول خطوة عملية نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر.
إن توجه سلطنة عمان نحو الطاقة المتجددة يرتكز على أسس علمية مدروسة لتطوير القطاع، وقد حددت الخطة الوطنية للطاقة التوجهات الاستراتيجية للقطاع، كما أعلنت عام 2050 موعدًا لتحقيق هدف الحياد الصفري، وهناك العديد من الإجراءات التي تتوالى تباعا وتمهد للتوسع في مجال الطاقة المتجددة، والاعتماد عليها اعتمادًا متزايدًا.
ومع أهمية ذلك في المساهمة الفعلية لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الضارة والحفاظ على مستقبل أفضل للبشرية، فإن سلطنة عمان تضيف في الوقت ذاته مزيّة أخرى مهمة وتفتح باب قطاع اقتصادي واعد يتيح نموا كبيرا في حجم الاستثمارات ونوعيتها سواء عبر الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة نفسها أو جذب مصانع واستثمارات جديدة في المناطق الاقتصادية والحرة نظرا لتوفر طاقة المستقبل، وهو ما يعد واحدا من أهم الحوافز الجاذبة للاستثمار الأجنبي خاصة مع تزايد اهتمام المصانع والشركات بالحفاظ على البيئة والتوجه إلى مصادر نظيفة للطاقة والتشغيل للمساهمة في خفض الانبعاثات والحد من التغير المناخي وبناء مستقبل أكثر استدامة.. وللدلالة على ذلك نشير هنا إلى مشروع بناء مصنع لإنتاج الحديد الأخضر باستثمارات تصل إلى 3 مليارات دولار من قبل مجموعة جندال شديد في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، الذي سيعتمد تشغيله على مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
الطريق أمامنا لا يزال طويلا للوصول إلى إرساء التنويع الاقتصادي وجعله ركيزة حقيقية للنمو، لكن الفرص تكون لمن يحسن استغلالها وتوجيهها نحو خدمة الأهداف الاستراتيجية، وما يدعو إلى التفاؤل في بلادنا هو هذا الحراك الكبير الذي نشهده الآن والخطوات الجادة في سبيل الاستفادة من الطاقة المتجددة ومواكبة التوجهات العالمية في أن تكون مصدرًا رئيسيًا للطاقة في المستقبل، خصوصا الهيدروجين الأخضر بما يحمله من فرص هائلة ومردودات ضخمة.
وها نحن اليوم أمام قمة الهيدروجين الأخضر التي تنعقد في سلطنة عمان وتناقش الكثير من الجوانب الأساسية والأطر التنظيمية للقطاع وفرص الشراكة والاستثمار، من خلال المواقع التي جرى تحديدها من قبل وزارة الطاقة والمعادن.
وحتى تكتمل الاستعدادات ونكسب الرهان في هذا القطاع الواعد في وقت تشتد فيه المنافسة بين دول العالم، علينا أن نركز على ملائمة الحوافز التي تقدم للمستثمرين، لتكون عامل جذب أمامهم، وتخدم في الوقت ذاته مصالح الدولة، وهنا لا بد من الوقوف على تجارب سابقة في قطاعات أخرى للطاقة فنبني على المجدي والمفيد، ونعالج نقاط الخلل فيما كان يحتاج لعلاج.
علينا أيضا أن نسارع إلى تأهيل الكوادر الوطنية كي تلبي متطلبات هذه الصناعة التي من المتوقع أن تخلق الكثير من فرص العمل، وأن تواكب جامعاتنا هذا التوجه بأن يكون أحد تخصصاتها الأساسية، وبذل مزيد من الاهتمام بتسهيل إجراءات الاستثمار، فكل ذلك ضرورة لاقتناص فرصة الإمكانيات الهائلة للطاقة المتجددة التي تتاح لنا الآن وتفتح أفقا واسعا للتكامل ما بين خطط تنويع الاقتصاد وروافد المالية العامة.
حمود المحرزي من أسرة تحرير عمان