أفكار وآراء

أمريكا تسعى لدعم أوكرانيا ولكن أيضا احتواء الحرب

ترجمة - قاسم مكي -

إذا ساوَرَكَ القلق من احتمال تصاعد الصراع في أوكرانيا إلى حرب نووية (من هو الشخص العاقل الذي لا يشعر بذلك) لكانت الأسابيع القليلة الماضية مفزعة جدا لك. لكنها أيضا كشفت عن بعض الجهود الأمريكية المهمة لتوضيح المخاطر وتجنب الكارثة.

النقطة التي ينطلق منها الرئيس بايدن أن التسوية السلمية الشاملة بين روسيا وأوكرانيا لا تبدو ممكنة الآن. فالجانبان ببساطة أكثر تباعدا. والولايات المتحدة لا يمكنها إملاء شروط على كييف حتى إذا اعتقدت أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب.

بدلا عن ذلك، ركزت الإدارة الأمريكية تحركاتها الدبلوماسية على روسيا وتجنب أي تصعيد يقود إلى الحرب النووية.

لنلقي نظرة على جهود الولايات المتحدة الأخيرة لإدارة الأزمة من أجل فهم الكيفية التي تمارس بها إدارة بايدن لعبة المواجهة الموزونة هذه. السمة المشتركة لهذه الجهود هي مساعدة أوكرانيا وفي نفس الوقت احتواء الصراع أيضا.

أولا، دعونا نستعرض الرحلات التي قام بها وليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) في الأسبوع الماضي. اجتمع بيرنز يوم الاثنين في أنقرة بنظيره الروسي سيرجي ناريشكين رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية في روسيا (إس في آر). ذكر ناطق باسم مجلس الأمن القومي أن بيرنز كان «ينقل رسالة عن عواقب استخدام الأسلحة النووية بواسطة روسيا ومخاطر التصعيد على الاستقرار الاستراتيجي.» ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن روسيا تعاملت مع رسالة بيرنز بجدية بالغة.

بعدها سافر بيرنز إلى كييف لاجتماعٍ يوم الأربعاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وبحسب مسؤول أمريكي تطرق أثناء وجوده هناك إلى «التحذير الذي سلمه لرئيس جهاز الاستخبارات الخارجية في روسيا بعدم استخدام الأسلحة النووية وأكد مجددا تعهد الولايات المتحدة بتقديم الدعم لأوكرانيا في قتالها ضد العدوان الروسي.» جزئيا، بدا هذا اللقاء مسعى لطمأنة زيلينسكي بأن الولايات المتحدة لا تتعامل خلف ظهره مع موسكو.

في وصفهم لرحلات بيرنز أكد المسؤولون الأمريكيون أنه لم يكن في مهمة سرية لإطلاق محادثات سلام. فبيرنز حسب تأكيد الناطق باسم مجلس الأمن القومي «لا يجري مفاوضات من أي نوع. إنه لا يناقش إنهاء الحرب في أوكرانيا.» بدلا من ذلك، يقول المسؤول «لدينا قنوات اتصال مع روسيا لإدارة المخاطر خصوصا الحرب النووية والمخاطر (المترتبة على) الاستقرار الاستراتيجي.»

ظل بيرنز يلعب دورا بالغ الأهمية منذ بداية الأزمة. فقد طار إلى موسكو قبل اندلاع الحرب وسافر مرارا إلى كييف بعد ذلك. إنه (يجسِّد) تلك الشخصية التي يختارها مخرج سينمائي في هوليوود لكي يلعب دورا في أحد أفلامه. فهو متحفظ ومتواضع ويتحدث الروسية بطلاقة وصاحب خبرة عميقة كمبعوث عبر القنوات الخلفية. ومظهره وطريقة تصرفه يجعلان من عبارة «الرجل العادي» مديحا.

ثانيا، دعونا نلقي نظرة على رد فعل الولايات المتحدة تجاه حادثة الصاروخ الذي ضرب بولندا يوم الثلاثاء بالقرب من حدودها مع أوكرانيا.

كان ذلك نوع السيناريو الذي ظل القادة الأمريكيون يخشون من احتمال أن يقود إلى حرب نووية. إنه سيناريو الهجوم على حليف في الناتو ثم افتراض المحللين أن الهجوم مصدره روسيا ثم قيام الناتو بشن هجوم مضاد بموجب اتفاقيته الخاصة بالدفاع عن الذات. ثم تتوالى الأحداث صعودا إلى الكارثة (الحرب النووية).

بدلا عن ذلك فعلت إدارة بايدن ما أوصت به أجيالٌ من مديري الأزمات. لقد هدأت في لحظة محمومة. وعلى الرغم من الضغط الذي واجهته لاتخاذ إجراء أدركت الإدارة الأمريكية أنها تفتقر إلى معلومات موثوقة. وانتظرت لجمع الحقائق. بولندا أيضا قاومت الرغبة الملحة في المسارعة إلى اتهام خصمها التاريخي روسيا.

ثم اتضح أن الافتراضات الأولية بإطلاق روسيا الصاروخ ربما كانت خاطئة. وقال الرئيس البولندي آندريه دودا يوم الأربعاء إن الدفاعات الأوكرانية كانت «تطلق صواريخها في مختلف الاتجاهات ومن المحتمل جدا أن أحد هذه الصواريخ سقط، لسوء الحظ، في الأراضي البولندية.»

ثالثا، دعونا ننظر في العلاقة الدقيقة بين واشنطن وكييف.

لدى زيلينسكي قدرة زعيمٍ كاريزميٍ وشجاع على الضغط على القوة العظمي التي تحميه (الولايات المتحدة) كي تتخذ مواقف قد لا تكون في مصلحتها. لقد حاولت إدارة بايدن تحقيق توازن بين الدعم العسكري القوي لأوكرانيا وتجنب أي شيء قد يفجر صراعا روسيا أمريكيا مباشرا.

فالولايات المتحدة كانت تتراجع عندما تعتقد أن التصرفات الأوكرانية بالغة الخطورة أو مفرطة في تصلبها. حسب تقرير بصحيفة نيويورك تايمز في 5 أكتوبر قررت الاستخبارات الأمريكية أن العملاء الأوكرانيين كانوا مسؤولين عن تفجير سيارة مفخخة في أغسطس قتلت ابنة متطرف قومي روسي وأبلغت كييف محذرة بأنها تعارض بقوة مثل هذه الهجمات.

وورد في خبر بالواشنطن بوست في 5 نوفمبر أن مستشار الأمن القومي جيك سوليفان ذهب إلى كييف لأسباب من بينها الضغط على زيلينسكي كي يتخلى عن رفضه التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بعد ذلك سرعان ما عدل زيلينسكي من سياسته المعلنة.

ظلت الإدارة الأمريكية حريصة على عدم الضغط على زيلينسكي وجنرالاته فيما هي تحاول احتواء الصراع. آخر مثال لذلك كان تصريحا لمارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية بأن انسحاب روسيا هذا الشهر من خيرسون قد يفسح مجالا للدبلوماسية. فعندما «توجد فرصة للتفاوض وعندما يكون تحقيق السلام ممكنا عليك اقتناصها،» حسب قوله. ميلي الذي حاجج بالحاجة إلى المزيد من الدبلوماسية لإيجاد تسوية لم يتراجع عن موقفه. لكن مسؤولين آخرين في الإدارة رددوا عبارتهم التي لا يملُّون من تكرارها عن عدم اللجوء إلى الضغط وهي «لا شيء حول كييف بدون كييف.»

مسؤولية بايدن في نهاية المطاف حمايةُ الولايات المتحدة وذلك يعني تجنب الانزلاق إلى حرب نووية مع روسيا. لقد كانت الأسابيع القليلة الماضية «دراسة حالة» في كيفية تأييد حرب ومنع حرب أخرى في نفس الوقت.

ديفيد اجنيشس روائي وصحفي يكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوست

ترجمة خاصة لـ «$»