الطب النفسي يضعف المجتمع؟
الاحد / 25 / ربيع الثاني / 1444 هـ - 19:36 - الاحد 20 نوفمبر 2022 19:36
من غير أن أكون مستعدا صبَّ عليَّ صديق لي نقده اللاذع قائلًا: أنتم تضعفون المجتمع! عليَّ أن أشرح: إنه يعنينا نحن 'شلة' الأطباء النفسيين ومن لفّ لفنا ودار حولنا واصطفّ معنا، من معالجين ومختصين بالطب النفسي ومدافعين عنه وعن أهميته. حجته: إن الطب النفسي يجعل الناس ضعافًا؛ يمنحهم سببًا مبررًا ليكونوا ضعفاء، لا يزيدهم الطب النفسي قوةً بل ضعفًا. لا يقصد صديقي بدون شك اضطرابات من قبيل الفُصام العقلي أو ثنائي القطب أو الخرف أو أيًّا من الاضطرابات النفسية الجسيمة، فتلك لا تُدخَل عمومًا في الجدل الذي يثار حول الطب النفسي؛ تلك اضطرابات تشرح نفسها بنفسها ولا شك أن وصفها بالجسيمة كافٍ ليبرئها من تهمة إضعاف المجتمع، بل إنها أحيانا تُستخدَم حجةً للدفاع عن متهمين في أروقة المحاكم، وهذه الاضطرابات ذاتها دلالة ضعف الكائن البشري، حالها من حال الأمراض العضوية المتفق عليها.
ما عناه حسبما فهمتُ هذه الاضطرابات الشائعة هذه الأيام والتي تعدَّى شيوعها الحد، وأصبحنا (أي الناس هنا) نسمع عنها ونشهدها في أفراد من حولنا، مثل الاكتئاب والقلق العام والقلق الاجتماعي والخوف من المرتفعات والأماكن المغلقة والأماكن المفتوحة.. إلخ، هذه الاضطرابات التي كان المجتمع فيما سبق ينظر إليك نظرة حادة لو أنك قلت إنك تعاني منها: عليك فقط أن تتصبَّر وتقف بحزم أمام المشكلات والمصاعب و'تصلب عودك'، ولا بأس أيضًا أن يقال لك قوِّ إيمانك بالله وادعُه الصلاح والفلاح. الفكرة هنا أنك حين تشهر معاناتك لمن حولك فإنما تعلن عن ضعفك، وطبعًا تلك مشكلة كبرى في مجتمع يؤمن أن الإنسان يجب أن يكون قويًّا على الأقل في الظاهر مهما كان الباطن متهالكا ومتآكلا.
ينبغي الاعتراف هنا أن نسبة هذه الاضطرابات تزداد بوتيرة متسارعة. لعل هذا بداية راجع إلى زيادة عدد السكان، لكن حتى أخذًا بهذا العامل المهم يظل هناك ارتفاع في النسبة. لعل الأمر راجع إذًا إلى زيادة الوعي بهذه الاضطرابات وأنها مما يمكن أن يُعالَج أو يُخفَّف منه. حسنًا، هذا صحيح أيضًا، ولكن كلمة 'زيادة الوعي' هنا هي بالضبط، فيما أحسبُ، ما ينتقده صديقي: قد لا تعرف أن ما تمر به من حزن وضيق وفقدان الاستمتاع ونقص الطاقة والتركيز وقلة 'البارض' وزيادة عصبية وقلة الشهية أو زيادتها وقلة النوم أو زيادته؛ قد لا تعرف أنها يمكن أن تكون أعراضًا وعلامات على إصابتك بالاكتئاب، ولكن الأطباء النفسيين جاهزون لتوعيتك وإخبارك: انتبه! لعله اكتئاب!
لعل الأمر أيضًا راجع لاختلاف الزمان وتبدل الأحوال؛ لا يمكن أن أكون خالي الوفاض رائق البال في عصر يطلب مني أن أعمل لساعات طوال، وأن أحصر نفسي في شقة ضيقة، وأن آكل كيفما اتفق، وأن ينصبّ عليّ سيل هائل من المسؤوليات والأخبار المفزعة والبائسة والمزعجة كل دقيقة عبر جهاز ملتصق بيدي. لا يوجد في المنزل من أستطيع ان ألجأ إليه للشكوى والتفريغ؛ فالعائلة الكبيرة تفتتت والأسرة الصغيرة هي الأخرى في مهب الريح. والمرء، بعد كل شيء، يقف وحيدًا أمام سيل المعلومات المفزع الذي ينصبُّ عليه من كل صوب وحدب.
لا يمكن بحال من الأحوال فصل الطب النفسي والاضطرابات النفسية عن المجتمع، بالتالي لا يمكن المطالبة (ولا جدوى منها) بأن يتصرف المرء حسب رؤى مجتمع سابق أو متقدم في الزمان، يا للأسى والأسف، لا يمكن فعل ذلك! لكل زمان أدواؤه وأدويته، ولا يجب أن ننخدع ونظن أن المجتمعات المحلية السابقة كانت بمعزل عن الأمراض النفسية، فلو كانت خالية من الأمراض النفسية لما سمعنا عن 'المعلّمين' و'البصّار' والسحرة والتلبس والعين والحسد و'الماكول' و'المغصوب' والممسوس وجلسات الزار وإخراج الأرواح الشريرة والرقى والتمائم.. إلخ. كل ذلك يدل دلالة واضحة، بدون أدنى لبس، أنه كان ثمة أمراض نفسية وإن أُلبِستْ حينها لَبوسًا غير ما تُلبَسه الآن وعولجت بطرق لا يستسيغها بعضنا الآن.
مع هذا، من المناسب، كيلا يغضب عليّ صديقي، الإشارة إلى أن التفريق بين ما هو مرض وما هو ليس بمرض في حقل الطب النفسي قد يكون صعبًا، ولذلك فإن ما أعدًّه، كطبيب نفسي، أعراضًا للاكتئاب عند امرئ ما لا أعدّه كذلك عند امرئ آخر؛ فَيْصَلي الإجرائي هنا ما إن كان المرء هذا قادرًا على الاستمرار في حياته ودراسته وعمله أم غير قادر، وهو فيصلٌ قد تنزل عتبته وقد تصعد، ويعتمد على عوامل غير موضوعية أحيانًا. لا يوجد لدينا في الطب النفسي حتى الآن، ويا للأسى والأسف، فحوصات مخبرية أو تصويرية تقول لنا نعم، هذا اكتئاب، ولا، ليس اكتئابًا. ولا يجب أن ننسى أن شركات الأدوية العملاقة العابرة للقارات والقادرة دومًا على ليّ بعض الحقائق، يمكنها أن تثير في الأطباء النفسيين الحماس لوصف أدوية في مواضع لا داعي لها، لكنَّ ذلك لحسن الحظ، وسوئه طبعًا، ليس أمرًا قاصرًا على الطب النفسي.
وكيلا يغضب أيضًا، أي صديقي المتقدّم ذكره، فإن مما يميّز الطب النفسي، والطب عمومًا، أنه مع كونه حقلًا برجماتيًّا فإنه معتمد على العلم، ولذا يقوم بمراجعة أسسه ومبادئه وطرائقه في كل حين، ولا ينفك ينقد ذاته من داخله في محاولة للوصول إلى معادلات أدق وتسويات أفضل. لكنْ في الأثناء وقبل أن يصل العلم إلى درجة أعلى من الدقة، ولعله لن يصل قريبًا فيما يتعلق بعلوم الدماغ التي من بينها الطب النفسي، لا يمكننا غض الطرف أبدًا عن معاناة الكائن، حتى وإن بدتْ لنا معاناته من الخارج أمرًا فائضًا عن الحاجة وضعفًا لا لزوم له: لا يمكن للمجتمع أن يرمي أفراده في مستنقع المعاناة ثم لا يرمي لهم أطواق نجاة!
• د. حسين العبري روائي عماني وطبيب نفسي
ما عناه حسبما فهمتُ هذه الاضطرابات الشائعة هذه الأيام والتي تعدَّى شيوعها الحد، وأصبحنا (أي الناس هنا) نسمع عنها ونشهدها في أفراد من حولنا، مثل الاكتئاب والقلق العام والقلق الاجتماعي والخوف من المرتفعات والأماكن المغلقة والأماكن المفتوحة.. إلخ، هذه الاضطرابات التي كان المجتمع فيما سبق ينظر إليك نظرة حادة لو أنك قلت إنك تعاني منها: عليك فقط أن تتصبَّر وتقف بحزم أمام المشكلات والمصاعب و'تصلب عودك'، ولا بأس أيضًا أن يقال لك قوِّ إيمانك بالله وادعُه الصلاح والفلاح. الفكرة هنا أنك حين تشهر معاناتك لمن حولك فإنما تعلن عن ضعفك، وطبعًا تلك مشكلة كبرى في مجتمع يؤمن أن الإنسان يجب أن يكون قويًّا على الأقل في الظاهر مهما كان الباطن متهالكا ومتآكلا.
ينبغي الاعتراف هنا أن نسبة هذه الاضطرابات تزداد بوتيرة متسارعة. لعل هذا بداية راجع إلى زيادة عدد السكان، لكن حتى أخذًا بهذا العامل المهم يظل هناك ارتفاع في النسبة. لعل الأمر راجع إذًا إلى زيادة الوعي بهذه الاضطرابات وأنها مما يمكن أن يُعالَج أو يُخفَّف منه. حسنًا، هذا صحيح أيضًا، ولكن كلمة 'زيادة الوعي' هنا هي بالضبط، فيما أحسبُ، ما ينتقده صديقي: قد لا تعرف أن ما تمر به من حزن وضيق وفقدان الاستمتاع ونقص الطاقة والتركيز وقلة 'البارض' وزيادة عصبية وقلة الشهية أو زيادتها وقلة النوم أو زيادته؛ قد لا تعرف أنها يمكن أن تكون أعراضًا وعلامات على إصابتك بالاكتئاب، ولكن الأطباء النفسيين جاهزون لتوعيتك وإخبارك: انتبه! لعله اكتئاب!
لعل الأمر أيضًا راجع لاختلاف الزمان وتبدل الأحوال؛ لا يمكن أن أكون خالي الوفاض رائق البال في عصر يطلب مني أن أعمل لساعات طوال، وأن أحصر نفسي في شقة ضيقة، وأن آكل كيفما اتفق، وأن ينصبّ عليّ سيل هائل من المسؤوليات والأخبار المفزعة والبائسة والمزعجة كل دقيقة عبر جهاز ملتصق بيدي. لا يوجد في المنزل من أستطيع ان ألجأ إليه للشكوى والتفريغ؛ فالعائلة الكبيرة تفتتت والأسرة الصغيرة هي الأخرى في مهب الريح. والمرء، بعد كل شيء، يقف وحيدًا أمام سيل المعلومات المفزع الذي ينصبُّ عليه من كل صوب وحدب.
لا يمكن بحال من الأحوال فصل الطب النفسي والاضطرابات النفسية عن المجتمع، بالتالي لا يمكن المطالبة (ولا جدوى منها) بأن يتصرف المرء حسب رؤى مجتمع سابق أو متقدم في الزمان، يا للأسى والأسف، لا يمكن فعل ذلك! لكل زمان أدواؤه وأدويته، ولا يجب أن ننخدع ونظن أن المجتمعات المحلية السابقة كانت بمعزل عن الأمراض النفسية، فلو كانت خالية من الأمراض النفسية لما سمعنا عن 'المعلّمين' و'البصّار' والسحرة والتلبس والعين والحسد و'الماكول' و'المغصوب' والممسوس وجلسات الزار وإخراج الأرواح الشريرة والرقى والتمائم.. إلخ. كل ذلك يدل دلالة واضحة، بدون أدنى لبس، أنه كان ثمة أمراض نفسية وإن أُلبِستْ حينها لَبوسًا غير ما تُلبَسه الآن وعولجت بطرق لا يستسيغها بعضنا الآن.
مع هذا، من المناسب، كيلا يغضب عليّ صديقي، الإشارة إلى أن التفريق بين ما هو مرض وما هو ليس بمرض في حقل الطب النفسي قد يكون صعبًا، ولذلك فإن ما أعدًّه، كطبيب نفسي، أعراضًا للاكتئاب عند امرئ ما لا أعدّه كذلك عند امرئ آخر؛ فَيْصَلي الإجرائي هنا ما إن كان المرء هذا قادرًا على الاستمرار في حياته ودراسته وعمله أم غير قادر، وهو فيصلٌ قد تنزل عتبته وقد تصعد، ويعتمد على عوامل غير موضوعية أحيانًا. لا يوجد لدينا في الطب النفسي حتى الآن، ويا للأسى والأسف، فحوصات مخبرية أو تصويرية تقول لنا نعم، هذا اكتئاب، ولا، ليس اكتئابًا. ولا يجب أن ننسى أن شركات الأدوية العملاقة العابرة للقارات والقادرة دومًا على ليّ بعض الحقائق، يمكنها أن تثير في الأطباء النفسيين الحماس لوصف أدوية في مواضع لا داعي لها، لكنَّ ذلك لحسن الحظ، وسوئه طبعًا، ليس أمرًا قاصرًا على الطب النفسي.
وكيلا يغضب أيضًا، أي صديقي المتقدّم ذكره، فإن مما يميّز الطب النفسي، والطب عمومًا، أنه مع كونه حقلًا برجماتيًّا فإنه معتمد على العلم، ولذا يقوم بمراجعة أسسه ومبادئه وطرائقه في كل حين، ولا ينفك ينقد ذاته من داخله في محاولة للوصول إلى معادلات أدق وتسويات أفضل. لكنْ في الأثناء وقبل أن يصل العلم إلى درجة أعلى من الدقة، ولعله لن يصل قريبًا فيما يتعلق بعلوم الدماغ التي من بينها الطب النفسي، لا يمكننا غض الطرف أبدًا عن معاناة الكائن، حتى وإن بدتْ لنا معاناته من الخارج أمرًا فائضًا عن الحاجة وضعفًا لا لزوم له: لا يمكن للمجتمع أن يرمي أفراده في مستنقع المعاناة ثم لا يرمي لهم أطواق نجاة!
• د. حسين العبري روائي عماني وطبيب نفسي