اليوبيل الذهبي

مطابع عمان من الهايدلبرج إلى الكرومومان الصامدة في وجه الزمن

 
قبل خمسين عاما رأت جريدة عمان النور.. كان ذلك في الثامن عشر من نوفمبر عام 1972، لتقف على عتبة التاريخ حاملة لواء التنوير، بالكلمة الصادقة.. وعلى هذا النهج مضت لتبلغ مكانتها بين الصحف الأكثر اتزانا.

ومن بيت الفلج، حيث الانطلاقة الأولى، مرورا بروي إلى مدينة الإعلام؛ شهدت جريدة عمان تحولات ومحطات عديدة، وسال على صفحاتها مداد أقلام كثيرة، واحتفت بمشاركات كبار الكتاب والمفكرين. ومن مطبعة الـ«هاليدبرج» البدائية، إلى «الكرومومان» كانت التطورات كبيرة.

التحقتُ بالجريدة في عام 1997 ولا تزال رائحة الشمع تشعل المكان و«الكتر» مشرط الفنيين وأداتهم الرئيسية في تجهيز الصفحات، وكان هدير المطبعة «الكنج برس» عندما تبدأ في الدوران يتردد في أزقة وسوق روي..

في ذلك العام كان طاقم الجريدة يستعد للانتقال إلى المقر الجديد بمدينة الإعلام، بعد أن صدر مرسوم بإنشاء مؤسسة تكون تحت مظلتها الجريدة وشقيقتها الأوبزيرفر ووكالة الأنباء العمانية، قبل أن تعاد تبعية الأخيرة إلى وزارة الإعلام بعد عدة أعوام.

ورغم أنّي من جيل سبقته ولادة العدد الأول بل وأعداد قرابة عقدين ونصف العقد، إلا أنه يخيل إليَّ الجهد والتحديات العظيمة التي واجهت الجريدة في ذلك الزمن، حيث لا وجود للأدوات المتطورة، التي بلغت مداها في وقتنا الحاضر، لتمنح المنفذ إرسال الجريدة إلى المطبعة بضغطة زر.

لم نأت في زمن تنضيد حروف الرصاص، حرفا حرفا حتى تكتمل الصفحة، ومتاعب الطباعة التي تستغرق أسبوعا كاملا حتى يخرج العدد بثماني صفحات. وبالطريقة ذاتها.. تنتقل إلى إصدارين في الأسبوع. تلك هي مرحلة الكفاح العظيمة عاشها أولئك المناضلون وهم يسهرون الليالي ينضدون حروفهم، ولنا أن نتصور كم تحتاج الصفحة الواحدة من وقت حتى تصل لمرحلتها الأخيرة.

نعود إلى زمن البدايات -كما يرويه بعض من عاشوا متاعبه- فمن إصدار واحد في الأسبوع إلى إصدارين مضت السنوات الأولى من عمر جريدة عمان، وفي عام 1980 انتقلت إلى مرحلة جديدة، عندما استبدلت بمطبعة «هاليدبرج» أخرى أكثر تطورا، وتتماشى مع عصرها، وهي مطبعة الكنج برس.. يومها نظر إليها العاملون بأنها ثورة عظيمة، أنهت عناء تنضيد الحروف، والورق المقطوع، ومع هذه المطبعة تحولت الجريدة إلى الإصدار اليومي، وارتفع عدد الصفحات إلى 16 صفحة، وتحولت الأدوات إلى الشمع والرولات. لكن الصفحات بقيت بالأبيض والأسود حتى عام 1984 عندما أضيفت «وحدتان» للمطبعة لتمكنها من طباعة الصفحتين الأولى والأخيرة بالألوان.. وكلما كانت هناك حاجة لمزيد من الصفحات الملونة تطبع منفردة، ثم تُضاف إلى العدد.

يروي هلال المعمري، أحد الذين سطروا الحروف النحاسية، وأوقدوا شعلة البداية، أشياء تذهلنا عن التحديات التي صمدوا في وجهها لتواصل الجريدة طريقها.

يقول كانت أول مطبعة استخدمت لطباعة الجريدة قديمةً لا أذكر اسمها بالتحديد، واستمر العمل بها حتى عام 1975، الذي شهد إدخال مطبعة «هاليدبرج» غير أن الأدوات بقيت على حالها بتنضيد حروف الرصاص.. نقضي الوقت في صفها حرفا حرفا وهكذا مع التشكيل والأرقام.

كانت المعاناة كبيرة وشاقة، وعلى سجيته يصف المعمري ذلك بقوله: «كانت الصفحة تحتاج إلى ثلاثة أشخاص لحملها» ومع ذلك نعيد تنضيد الحروف كلما استدعت الحاجة عند المراجعة، وهكذا مع كل الصفحات، نمر بمراحل متعددة وكل مرحلة أشد صعوبة من الأولى.. يومها لم نكن نعرف ورق «الرول» ولا الشمع، حتى جلبت مطبعة «الكنج برس» عام 1980. وكم كانت فرحتنا عارمة، أنستنا مشقة السنوات الأولى، وسهلت طريقة العمل، وتحولت الجريدة معها إلى إصدار يومي، وأصبح في الوقت متسع للدخول في الأعمال التجارية.

لم تكن مطبعة «الكنج برس» معقدة، ولا تحتاج إلى خبراء لإصلاح أعطالها، يتعامل معها الفنيون وحدهم بعد أن أتقنوا التعامل مع كل أجزائها، كان العطل الذي يتكرر هو «كسر الذراع»، حيث يستبدل في وقت سريع، وفيما لو فشلت محاولات إصلاحها يستعان بإحدى الورش في صناعية الوادي الكبير.

يقول أحمد الكندي الذي التحق بالعمل في مطبعة الجريدة نهاية السبعينيات: عندما دخلت مطبعة «الكنج برس» في عام 1980 أحدثت نقلة كبيرة في سير العمل ارتقت بالجريدة إلى الإصدار اليومي.. وبعد مرور خمسة أعوام زودت المطبعة بوحدتين لندخل عصر الصور الملونة، ونشرت أول صورة ملونة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- كانت الإمكانيات تتيح طباعة صفحتين بالألوان، الأولى والأخيرة، وامتدت بعد ذلك للصفحات الداخلية -حسب الحاجة- حيث تطبع منفردة أربع صفحات، اثنتان بالألوان ثم تُدخل ضمن صفحات العدد. مع «الكنج برس» تبدأ أولى خطوات الطباعة بتصوير الصفحات على كاميرا أفقية، وفرز الألوان والصور على جهاز «لينو تيب».. وهنا يشير الكندي إلى جودة الألوان رغم الأدوات المتواضعة بل إنها تضاهي المطابع المتطورة حاليا.

أعود بالذاكرة إلى عام 1997، الذي انضممت فيه إلى فريق العمل بإدارة التحرير، وكان العام الأخير في علاقة الجريدة مع «الكنج برس» بعد أن امتد العمل بها 18 عاما.. ففي بداية 1998 انتقلت الجريدة إلى المقر الجديد بمدينة الإعلام، لتدخل عهدا جديدا مع التقنيات الحديثة، ومطبعة الـ«كرومومان» المتطورة ذات الإمكانيات العالية التي تليق بالجريدة، وتواكب خططها التوسعية، حيث تستوعب طباعة أضعاف قدرات المطبعة القديمة.

كانت «الكرومومان» إحدى أرقى المطابع -آنذاك- لديها القدرة على طباعة 32 صفحة في كل ملزمة، ومعها ارتفع عدد الصفحات الملونة في كل ملزمة إلى 8 صفحات، لينتهي هنا زمن الشمع والتصوير اليدوي إلى مرحلة المونتاج الإلكتروني باستخدام أنظمة تصوير الصفائح (c t p).

ورغم أن الـ«كرومو مان» تقدم بها العمر لتدخل عامها الـ25 لكنها لا تزال صامدة في وجه الزمن.