أفكار وآراء

إلى أن يفرِّق بيننا الدَيْن

ترجمة : أحمد شافعي -

على مدار السنوات الخمسمائة الماضية، كانت تظهر عملة مسيطرة جديدة ـ أو عملة احتياطية ـ في أوروبا كل مائة عام تقريبا. ففي أثناء الحقبة الكولونيالية، نالت عملات كل من البرتغال وهولندا وفرنسا وإنجلترا أدوارها. وكان المعهود أن يتم الانتقال من عملة مسيطرة إلى التالية لها مصحوبا بحروب واضطرابات اجتماعية.

في أغلب القرن العشرين، كان الدولار الأمريكي هو العملة المسيطرة في العالم. ويشير التاريخ إلى أن الدولار يدنو من نهاية دورته الطبيعية. وهذه المرة يأتي التحدي من آسيا. إذ تقود الصين جهودا لإنشاء نظام نقدي مواز سوف يقسم النظام المالي العالمي.

وللصين في ذلك السعي حلفاء ذوو شأن. إذ تمثل بلاد البريكس ـ البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ـ 41% من سكان العالم. ولقد بدأ ما يعرف بـ«تحالف نزع الدولار» استعمال مقايضات العملة لتجاوز النظام الدولاري. وستكون الخطوة التالية هي استقرار البريكس على عملة بناءً على سلة من عملات البلاد المشاركة.

وليس اتجاه نزع الدولار قاصرا على البريكس. فثمة بلاد في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والوسطى والشرق الأوسط تمثل شركاء محتملين. إذ أشارت المملكة العربية السعودية إلى أنها قد تنضم إلى تحالف البريكس.

قبل خمسين سنة، شارك السعوديون الولايات المتحدة في خلق الدولار النفطي. وبوسعهم هذه المرة أن يكونوا فارقين في خلق عملية بريكسنفطية. ومن المحتمل أن تحذو بلاد أخرى في الأوبك حذوها، بما قد يؤدي إلى إعادة تسعير سوق النفط البالغ قدره سبعة تريليونات دولار.

الذهب الأسود

برغم التحذيرات على مدار عقود من الاحتباس الحراري وبرغم استثمار المليارات من الدولارات في التكنولوجيا الخضراء، يستمر إدمان العالم للوقود الحفري. حاز النفط لقب «الذهب الأسود» لأسباب وجيهة. وترتبط ثروة البلد ارتباطا مباشرا بكم ما تستهلكه من النفط.

برميل النفط الذي يتسع لـ42 جالونا أمريكيا (159 ليترا) يباع عادة بأقل من مائة دولار ويختزن من الطاقة ما يعادل عمل 25 ألف ساعة إنسانية. وهذا يعادل عمل 12 رجلا لمدة سنة كاملة في ما قبل الثورة الصناعية. وتكاد تعتمد جميع سلاسل الإمداد العالمية على وقود الديزل.

تجمع بريكس أضخم مستوردي الطاقة، أي الصين والهند، مع أضخم منتجي الطاقة، أي روسيا والسعودية. ولو أضيف الأعضاء المرشحون للانضمام، فلن تسيطر بريكس فقط على سوق النفط العالمي وإنما أيضا على عدد غفير من السلع من قبيل القمح والسماد والمعادن الصناعية واليورانيوم والذهب.

لبلاد البريكس أسباب عديدة تدعوها إلى تقليص اعتمادها على النظام الدولاري. فطالما أن تداول النفط يتم بالدولار، تكون الولايات المتحدة مقرا افتراضيا لسوق النفط العالمي، ولأغلب السلع الأخرى. فضلا عن أن للولايات المتحدة نفوذا هائلا على الاقتصاد العالمي.

عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معدلات الفائدة، يرتفع الدولار مقابل عملات بلاد أخرى، فيصبح تصدير النفط وغيره من الضروريات أغلى ثمنا. وبالمثل، تدفع البلاد والشركات ذات القروض الخاضعة للسيطرة الدولارية المزيد من عملاتها خدمة للدين.

بلاد البريكس قلقة أيضا من انخفاض قيمة الدولار. فقد أدت أزمة 2008 المالية وأزمة كوفيد 2020 إلى إفراط في طبع النقود أضاف تريليونات إلى الدين الأمريكي. ومنذ عام 1971 عندما فصلت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، انخفضت قيمة الدولار بنحو 70%.

وتزيد بلاد البريكس في استعمال مقايضات العملة لكي تتجاوز النظام الدولاري. وبرغم ضآلة التفاصيل، فإن المرحلة التالية قد تتمثل في إدخال نظام دفع يعتمد على سلة عملات.

وسوف يتناسب ثقل كل عملة مع إجمالي الناتج المحلي للبلاد المشاركة، ونصيبها من التجارة الدولية، وسكانها، وأرضها، ومواردها الطبيعية، وسلع عديدة منها الذهب.

لقد لزمت بلاد البريكس الصمت التام حيال تكوين النظام الجديد، لكن عملة بنك الصين المركزي الرقمية CBDC قد تكون نموذجا.

لا ذهب ولا نفط

إذا ما توسعت عملة البريكس إلى بلاد الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي EAEU، واتحاد شنغهاي التعاوني SCO، اللذين يتداخلان مع البريكس جزئيا، فسوف تشمل أكثر من نصف سكان العالم وكذلك نصيب الأسد من سلع العالم. وقد يفضي ذلك إلى إعادة تسعير النفط وسلع أخرى بعملة البريكس.

لكن الأولوية بالنسبة لبلاد البريكس هي إقامة نظام مدفوعات دولي مواز. وسوف يعزل هذا النظام البلاد المشاركة عن العقوبات الغربية بصورة جيدة، ويمكن أن يكون بمثابة دعامة لأسوأ السيناريوهات المحتملة: أي انفجار داخلي في نظام الدولار العالمي تحت وطأة أعباء الدين غير القابل للدوام والبالغ 300 تريليون دولار، أغلبها خاضع لسيطرة الدولار وعملات بلاد مجموعة الـ7.

لقد كانت أوروبا، في ما قبل الأزمة الأوكرانية، تحتل موضعا جيدا لأن تكون شريكا اقتصاديا لتكتل البريكس. لكن القيادة الأوروبية أنهت هذه الإمكانية حينما انفصلت بشكل غير مفهوم عن الطاقة الروسية حتى قبل تأمين موارد بديلة.

وبفقدان إمكانية الحصول على موارد روسيا الهائلة، يكاد الاتحاد الأوربي يضمن تدنيا حادا في مستويات المعيشة الأوربية، وتخاطر ألمانيا بنموذج أعمالها ومعجزتها الاقتصادية، مثلما تخاطر بالاقتصاد الأوروبي بصفة أعم.

يكافح خبير الاقتصاد الكلي لوك جرومين للعثور على تفسير لهذا السياسة الأوربية المدمرة للذات لدرجة أن ذهبت به ظنونه الشهر الماضي إلى أن «القيادة الأوروبية أكرهت بطريقة ما بحيث باتت تتصرف بما يناقض مصلحة أوروبا».

وقد يتمثل تفسير آخر في أن القيادة الأوربية المنغمسة في ذاتها لا تفهم كثيرا في الاقتصاد الكلي. وسوف يقع الاتحاد الأوروبي بين شقي الرحى الأوروآسيوي والأمريكي الشمالي وقد لا ينجو من مأزقه هذا وهو على شكله الراهن.

يعتقد خبير الاقتصاد الكلي جان نيوفنهويس أن البلاد ذات الديون الكبيرة لديها ستة خيارات لمعالجة أزمة الدين: النمو الاقتصادي، والتخلف عن السداد، وزيادة الضرائب، والتقشف، وتخفيف الديون، والتضخم. وآخر هذه الخيارات هو الجاري حاليا بعنف مهددا مستويات المعيشة وتقاعد الملايين من البشر وقد يفضي إلى اضطرابات اجتماعية.

يقول جان نيوفنهويس: «عندما لا يتمكن أصحاب الدخل المنخفض من إشباع احتياجاتهم، فإنهم يميلون إلى التمرد، والاضطرابُ الاجتماعي يفضي إلى اضطراب سياسي، يفضي بدوره إلى اضطراب نقدي، يفضي إلى المزيد من الاضطراب الاجتماعي. وفي بلاد كثيرة، من قبيل الولايات المتحدة، يمكننا أن نرى بالفعل هذه الدائرة المعذبة».

يتكلم مسؤولو البنوك المركزية الآن عنا عن إعادة تقييم حيازاتهم من الذهب دعما لميزانيتهم العمومية، ومن ثم عملاتهم. والذهب في أغلب موازنات البنوك المركزية يقدر بـ35 دولارا للأوقية، وهو نفس السعر الرسمي في عام 1971 حينما فصلت الولايات المتحدة ربط الدولار بالذهب. والسعر الحالي البالغ 1800 دولار يعكس مدى انخفاض قيمة الدولار على مدار السنوات الخمسين الماضية.

يقول تجار المعادن النفيسة في لندن إن مشتريات البنوك المركزية من الذهب تتصاعد. فحتى هذه اللحظة من العام الحالي، اشترت أربعمائة طن متري من الذهب في الربع الثالث من هذا العام، وهي أضخم كمية منذ 1967. كما زادت البنوك التجارية والمستثمرون المؤسسيون من مشترواتهم من الذهب أيضا.

والذهب ليس استثمارا يدر عائدا، وإنما هو بالأحرى وثيقة تأمين ضد انخفاض العملات أو انهيارها. ومشترو الذهب يخشون من أن يتجمد النظام المالي الراهن، فتعقبه إعادة ضبط نقدي. وهم يتوقعون أن يحل الذهب محل الدولار كمعيار لإعادة الضبط.

في أغلب أرجاء العالم، كان الذهب تاريخيا يعد بمثابة مخزن للقيمة في أوقات الأزمات. فطالما احتفظ بهذه المكانة في آسيا، وبين المصرفيين. وعندما يعرض مقترض على بنك كيلوجرام من الذهب أو كيلو جرام من الفضة كضمان لقرض، فإن المصرفي يقبل الذهب.

جان كريكن مراسل ياباني سابق لوسائل إعلام مختلفة، ومدير تحرير سابق لـ(آسيا 2000) في هونج كونج، ومؤلف كتاب «ليبنتز وأينشتين الصين»