ما «الإرهاب» حقا في بريطانيا؟
الاثنين / 12 / ربيع الثاني / 1444 هـ - 23:05 - الاثنين 7 نوفمبر 2022 23:05
ترجمة أحمد شافعي -
انتهت شرطة مكافحة الإرهاب أخيرا إلى أن هجوما بقنبلة حارقة على مركز للمهاجرين خلال الأسبوع الماضي كان عملا ذا دوافع إرهابية من اليمين المتطرف. ولكنك ما كنت لتخمن شيئا من ذلك خلال الأسبوع الماضي.
لم يكتب منظرو مكافحة الإرهاب مقالات تبسط دوافع هذه الهجمة الإرهابية، ولا شهدنا تغطية إعلامية على مدار الساعة للمجتمع الذي ينحدر منه منفذ العملية، أو تساؤلات عن سبب وجود كل هذا الكم من الكراهية. بل إن أغلب الجرائد لم تمنح الهجوم حضورا في صفحاتها الأولى في اليوم التالي لوقوعه.
في اليوم التالي للهجوم، بدا أن وزيرة الداخلية قد بذلت جهدا مضنيا لتقول إن الهجمة لن تعامل معاملة الإرهاب. وهذا على الرغم من حقيقة أن المرتكب نشر عبر تويتر قبل ساعة من تنفيذ الهجمة أنه يخطط «لمحو أطفال المسلمين». وأشار إلى اليميني المتطرف المعادي للإسلام تومي روبنسن الذي كثيرا ما كتب عن «عصابات الاستمالة» الإسلامية ونشر مواد جماعات يمينية متطرفة معادية للإسلام منها «آكت فور أمريكا» [اعملوا لخير أمريكا].
يحتمل أن يكون رد الفعل الصامت نسبيا على هذا العمل الإرهابي الحقير هو أن منفذ الهجوم ليس «أجنبيا»، وإنما هو بريطاني كاره للمهاجرين، فهل يحتمل أن هذه قضية يقف وراءها أغلب إعلامنا اليميني وحكومتنا؟
لقد قمنا في مركز مراقبة الإعلام التابع لمجلس المسلمين في بريطانيا بتحليل التغطية الإعلامية لستة عشر هجوما إرهابيا وفق التصنيف الرسمي في ما بين 2015 و2020 بالتفصيل الممل. وكشف التقرير عن تفاوت ضخم في طريقة استعمال الإعلام لمصطلح «الإرهاب» (وما يتصل به من مصطلحات). ولم يكن مثيرا للدهشة أن «الإرهاب» كان يستعمل بصورة أقل شيوعا كلما كان الجاني منتميا إلى أقصى اليمين.
فعلى سبيل المثال، يحدد التقرير الكم الكبير ممن عزفوا عن وصف توماس ماير الذي اغتال جو كوكس بالإرهابي برغم تصنيف هيئة الادعاء الملكية للجريمة بوصفها عملا إرهابيا. وأبرز روهيت كاتشرو من قناة آي تي في ـ والمشارك في التقرير ـ كيف أن شابا استلهم من دعاة السيادة البيضاء في إل باسو بولاية تكساس الأمريكية فقتل عشرين شخصا بالرصاص في متجر، ولكن المنابر الإعلامية عزفت في أول الأمر عن وصف العمل بالهجوم الإرهابي، مع أن هذه حالات لا تكتفنها صعوبة.
في ملاحظة جانبية، تجدر الإشارة إلى أن التغطية الإعلامية الأساسية باتت أكثر اتساقا منذ هجمة كرايستشيرش الإرهابية التي أدت إلى مقتل 51 مسلما. وتضمن ذلك استعدادا أكبر لوصف هجمات اليمين المتطرف بـ«الإرهاب» حيثما يكون ذلك ملائما، والتحلي بالحذر وعدم القفز إلى النتائج بشأن الدوافع عندما يكون الإرهابي على سبيل المثال مستلهما تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن الأمر لا يقتصر فقط على التغطية الإعلامية للإرهاب، إنما يتعلق بسبب تبني إرهابي يميني متطرف لهذه الآراء المقيتة في الإسلام والمسلمين.
من المهم ألا نفترض أن الخطاب الإعلامي المتعلق بالإسلام والمسلمين والمهاجرين هو الذي أدى بصورة مباشرة إلى هذه الهجمة، لكن في ضوء التغطية الإعلامية الرهيبة للإسلام والمسلمين والهجرة والتي باتت شائعة في الصحافة اليمينية، فإن العلاقة جديرة بالبحث.
لقد وردت استشهادات كثيرة من مقالات ميلاني فيليبس في بيان الإرهابي اليميني المتطرف المعادي للإسلام أندريه بريفيك الذي اغتال سبعة وسبعين شخصا في النرويج قبل أكثر من عقد. ولسوء الحظ، بدلا من أن يؤدي هذا إلى شيء من التفكير، زادت بعض الصحف من نبرتها منذ ذلك الحين.
في الأسبوع التالي للهجمة الإرهابية اليمينية المتطرفة على مركز المهاجرين في دوفر زعمت وزيرة الداخلية سولا برافرمان أن طالبين للجوء تورطوا في «غزو» للساحل الجنوبي، ودافع عنها كتاب أعمدة صحفية مثل أليسن بيرسن، ونشرت سبكتيتور مقالة معادية للهجرة مع صورة لموجة هائلة من أشخاص يبدون مسلمين يدقون سواحل دوفر الصخرية البيضاء. وصفت ديلي ميل ـ التي نشرت خبر الهجوم على مركز دوفر في صفحتها الأولى ـ الهجوم بأنه «تفاقم لأزمة المهاجرين في بريطانيا» وأنه وقع «وسط مخاوف جديدة من أعداد الوافدين».
يبدو أنه حتى بعد هجوم إرهابي نفذه شخص كان يستعمل لغة تحريضية بشأن الإسلام والمسلمين والمهاجرين، فإن هذه اللغة لم تنته، بل لقد تصاعدت في واقع الأمر.
والسؤال واجب الطرح هو لماذا حدث ذلك؟ أولا، ثمة عزوف متعمد عن التعامل بجدية مع تطرف أقصى اليمين في الإعلام والمؤسسة السياسية. بل إن هناك في الواقع مساعي لتقليل التركيز على أقصى اليمين، بما في ذلك الأشد إثارة للقلق من قبيل تقرير وليم شوكروس وكذلك في صفحات منابر إعلامية مثل سبكتيتور.
ثانيا، لأن المشاعر المعادية للإسلام تظل مقبولة في الخطاب الأساسي. وإلا فلماذا يعد أشخاص من قبيل رود ليدل ودوجلاس موراي ووليم شوكروس ضيوفا مقبولين في هيئة الإذاعة البريطانية على سبيل المثال؟ ولماذا يلقى رهاب الإسلام تجاهل حزبنا السياسي الحاكم؟
أخيرا، لأنه في أجزاء من الإعلام والسياسة تلعب السرديات التي تلوم «الآخر» على أمراض المجتمع دورا حاسما. فهي تلهي عن القوى الحقيقية التي تقوض المجتمع البريطاني، وتحظى بالكثير من المتابعة.
إننا نمر بلحظة حاسمة، ويبدو أن الأمور مهيأة لمزيد من السوء إذ نواجه ركودا محتملا، وأصوات اليمين المتطرف مهيأة للرجوع إلى منصات الإعلام الاجتماعي، وتظل قوى اليمين المتطرف مستمرة في الصعود على مستوى العالم.
وإذا لم تستطع مؤسستنا الإعلامية والسياسية أن تتأمل وتواجه الإرهاب اليميني المتطرف ودوافعه بعد هجوم إرهابي على مركز مهاجرين، فمتى سوف تستطيع؟
مقداد فيرسي عضو في فريق الشؤون العامة بمجلس المسلمين في بريطانيا.
عن ذا جارديان ترجمة خاصة بجريدة «$»
انتهت شرطة مكافحة الإرهاب أخيرا إلى أن هجوما بقنبلة حارقة على مركز للمهاجرين خلال الأسبوع الماضي كان عملا ذا دوافع إرهابية من اليمين المتطرف. ولكنك ما كنت لتخمن شيئا من ذلك خلال الأسبوع الماضي.
لم يكتب منظرو مكافحة الإرهاب مقالات تبسط دوافع هذه الهجمة الإرهابية، ولا شهدنا تغطية إعلامية على مدار الساعة للمجتمع الذي ينحدر منه منفذ العملية، أو تساؤلات عن سبب وجود كل هذا الكم من الكراهية. بل إن أغلب الجرائد لم تمنح الهجوم حضورا في صفحاتها الأولى في اليوم التالي لوقوعه.
في اليوم التالي للهجوم، بدا أن وزيرة الداخلية قد بذلت جهدا مضنيا لتقول إن الهجمة لن تعامل معاملة الإرهاب. وهذا على الرغم من حقيقة أن المرتكب نشر عبر تويتر قبل ساعة من تنفيذ الهجمة أنه يخطط «لمحو أطفال المسلمين». وأشار إلى اليميني المتطرف المعادي للإسلام تومي روبنسن الذي كثيرا ما كتب عن «عصابات الاستمالة» الإسلامية ونشر مواد جماعات يمينية متطرفة معادية للإسلام منها «آكت فور أمريكا» [اعملوا لخير أمريكا].
يحتمل أن يكون رد الفعل الصامت نسبيا على هذا العمل الإرهابي الحقير هو أن منفذ الهجوم ليس «أجنبيا»، وإنما هو بريطاني كاره للمهاجرين، فهل يحتمل أن هذه قضية يقف وراءها أغلب إعلامنا اليميني وحكومتنا؟
لقد قمنا في مركز مراقبة الإعلام التابع لمجلس المسلمين في بريطانيا بتحليل التغطية الإعلامية لستة عشر هجوما إرهابيا وفق التصنيف الرسمي في ما بين 2015 و2020 بالتفصيل الممل. وكشف التقرير عن تفاوت ضخم في طريقة استعمال الإعلام لمصطلح «الإرهاب» (وما يتصل به من مصطلحات). ولم يكن مثيرا للدهشة أن «الإرهاب» كان يستعمل بصورة أقل شيوعا كلما كان الجاني منتميا إلى أقصى اليمين.
فعلى سبيل المثال، يحدد التقرير الكم الكبير ممن عزفوا عن وصف توماس ماير الذي اغتال جو كوكس بالإرهابي برغم تصنيف هيئة الادعاء الملكية للجريمة بوصفها عملا إرهابيا. وأبرز روهيت كاتشرو من قناة آي تي في ـ والمشارك في التقرير ـ كيف أن شابا استلهم من دعاة السيادة البيضاء في إل باسو بولاية تكساس الأمريكية فقتل عشرين شخصا بالرصاص في متجر، ولكن المنابر الإعلامية عزفت في أول الأمر عن وصف العمل بالهجوم الإرهابي، مع أن هذه حالات لا تكتفنها صعوبة.
في ملاحظة جانبية، تجدر الإشارة إلى أن التغطية الإعلامية الأساسية باتت أكثر اتساقا منذ هجمة كرايستشيرش الإرهابية التي أدت إلى مقتل 51 مسلما. وتضمن ذلك استعدادا أكبر لوصف هجمات اليمين المتطرف بـ«الإرهاب» حيثما يكون ذلك ملائما، والتحلي بالحذر وعدم القفز إلى النتائج بشأن الدوافع عندما يكون الإرهابي على سبيل المثال مستلهما تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن الأمر لا يقتصر فقط على التغطية الإعلامية للإرهاب، إنما يتعلق بسبب تبني إرهابي يميني متطرف لهذه الآراء المقيتة في الإسلام والمسلمين.
من المهم ألا نفترض أن الخطاب الإعلامي المتعلق بالإسلام والمسلمين والمهاجرين هو الذي أدى بصورة مباشرة إلى هذه الهجمة، لكن في ضوء التغطية الإعلامية الرهيبة للإسلام والمسلمين والهجرة والتي باتت شائعة في الصحافة اليمينية، فإن العلاقة جديرة بالبحث.
لقد وردت استشهادات كثيرة من مقالات ميلاني فيليبس في بيان الإرهابي اليميني المتطرف المعادي للإسلام أندريه بريفيك الذي اغتال سبعة وسبعين شخصا في النرويج قبل أكثر من عقد. ولسوء الحظ، بدلا من أن يؤدي هذا إلى شيء من التفكير، زادت بعض الصحف من نبرتها منذ ذلك الحين.
في الأسبوع التالي للهجمة الإرهابية اليمينية المتطرفة على مركز المهاجرين في دوفر زعمت وزيرة الداخلية سولا برافرمان أن طالبين للجوء تورطوا في «غزو» للساحل الجنوبي، ودافع عنها كتاب أعمدة صحفية مثل أليسن بيرسن، ونشرت سبكتيتور مقالة معادية للهجرة مع صورة لموجة هائلة من أشخاص يبدون مسلمين يدقون سواحل دوفر الصخرية البيضاء. وصفت ديلي ميل ـ التي نشرت خبر الهجوم على مركز دوفر في صفحتها الأولى ـ الهجوم بأنه «تفاقم لأزمة المهاجرين في بريطانيا» وأنه وقع «وسط مخاوف جديدة من أعداد الوافدين».
يبدو أنه حتى بعد هجوم إرهابي نفذه شخص كان يستعمل لغة تحريضية بشأن الإسلام والمسلمين والمهاجرين، فإن هذه اللغة لم تنته، بل لقد تصاعدت في واقع الأمر.
والسؤال واجب الطرح هو لماذا حدث ذلك؟ أولا، ثمة عزوف متعمد عن التعامل بجدية مع تطرف أقصى اليمين في الإعلام والمؤسسة السياسية. بل إن هناك في الواقع مساعي لتقليل التركيز على أقصى اليمين، بما في ذلك الأشد إثارة للقلق من قبيل تقرير وليم شوكروس وكذلك في صفحات منابر إعلامية مثل سبكتيتور.
ثانيا، لأن المشاعر المعادية للإسلام تظل مقبولة في الخطاب الأساسي. وإلا فلماذا يعد أشخاص من قبيل رود ليدل ودوجلاس موراي ووليم شوكروس ضيوفا مقبولين في هيئة الإذاعة البريطانية على سبيل المثال؟ ولماذا يلقى رهاب الإسلام تجاهل حزبنا السياسي الحاكم؟
أخيرا، لأنه في أجزاء من الإعلام والسياسة تلعب السرديات التي تلوم «الآخر» على أمراض المجتمع دورا حاسما. فهي تلهي عن القوى الحقيقية التي تقوض المجتمع البريطاني، وتحظى بالكثير من المتابعة.
إننا نمر بلحظة حاسمة، ويبدو أن الأمور مهيأة لمزيد من السوء إذ نواجه ركودا محتملا، وأصوات اليمين المتطرف مهيأة للرجوع إلى منصات الإعلام الاجتماعي، وتظل قوى اليمين المتطرف مستمرة في الصعود على مستوى العالم.
وإذا لم تستطع مؤسستنا الإعلامية والسياسية أن تتأمل وتواجه الإرهاب اليميني المتطرف ودوافعه بعد هجوم إرهابي على مركز مهاجرين، فمتى سوف تستطيع؟
مقداد فيرسي عضو في فريق الشؤون العامة بمجلس المسلمين في بريطانيا.
عن ذا جارديان ترجمة خاصة بجريدة «$»