المكتبة مستشفى علاج الآلام النفسية (2-2)
الاحد / 11 / ربيع الثاني / 1444 هـ - 15:48 - الاحد 6 نوفمبر 2022 15:48
نصر البوسعيدي
لا زلت جالسا في ذات الزاوية من المكتبة أتصفح بعض الإصدارات التي أنارت الأرفف، أو لنقل التي ستشكل أفضل معبر للوعي والفكرة للكثير من العقول التي ستأتي إلى هنا.
كنت أفكر ما الذي تغير بالنسبة لشخصيتي، وأنا هنا أتصفح المزيد من الأوراق المتعلقة بفهم القوى الكامنة في كل شخص منا، واستراتيجيات الحياة، وأسرار النفوذ، وكلما انتهيت من قراءة بعض الأسطر أقول مخاطبا حالي ليتني قرأت هذا قبل أن أقع في بعض الأخطاء التي بلا أدنى شك تغتفر بما أن الفرد منا لا زال يتعلم ويحاول أن يصل بذاته إلى ذلك الاتزان والهدوء المقرون بالحكمة والفلسفة والمعرفة.
العديد من المواقف التي دارت بيني وبين هذه الكتب وكأنها فعليا حوارات تحدث أمام طبيب مختص لعلاج الآلام النفسية التي تعصف بنا بسبب بعض الخيبات وضريبة الحياة.
في ظل هذه الأفكار التي تأتي ولا تذهب رأيت تلك المقبلة على باب المكتبة..
ومثل كل مرة كان الباب هو المشكلة في الدخول، وكأنه قانون يجب أن تتوقف أمامه لثوان حتى تدخل إلى الملاذ الذي ستجد فيه من يخاطب روحك وفكرك.
تجولتْ بهدوء منقطع النظير تحاول قدر الإمكان الحصول على المرسى الذي تريده، وبعد السلام القصير الذي دار بيننا كأول زيارة لها لهذه الأرفف السوداء الزاهية بلون الكتب، كانت تسأل وهي تنظر حولها يمنة ويسرة نحو العناوين وكأنها تريد أن تقطع الشارع المكتظ بالصخب إلى الضفة الأخرى بسلام:
« هل أجد معكم هنا كتبا تحفيزية، أو روايات عميقة نفسية، أو تلك الكتب التي تساعدني على المضي قدما لأتجاوز عنصرية بعض الأشخاص في حياتي وتجعلني أفضل حالا من هذه اللحظة»؟!
بالطبع هذا سؤال صعب للغاية بالنسبة لي، فلا أنا مطلع على جل العناوين بشكل كافٍ لأصدر الأحكام اتجاه أيّها أفضل من بين ألف عنوان، ولا أنا ذلك المختص نفسيا لأصف الدواء المناسب، ولكن كنت متأكدا بأنها لم تلجأ إلى المكتبة إلا لإيمانها الخاص بأن هذا الكتب هي الأمل لمداواة بعض آلامنا، وبث روح القوة في مواطن ضعفنا، والأهم بالنسبة لها هي الوسيلة الأكثر أمانا للتخاطب الروحي بينها وبين الكلمات بسرية لا حد لها.
وفي ظل هذا الموقف الذي أعجز فيه لمعرفة المناسب، أشرت إليها بأن تأخذ مثلا كتاب «حدثنا عن الحب»، وهو كتاب للفيلسوف الهندي أوشو يعلق فيه على أجمل ما كتبه الأديب اللبناني جبران خليل جبران بتحفته (النبي)، ولكنها أجابت بأن أغلب إصدارات هذا الفيلسوف كانت تملكها وفي لحظة غضب أحرقتها كلها وقالت:
'حزينة جدا لأنني أحرقت كل كتبه بسبب عدم إدراكي لحظتها للقراءة بكل وعي واتزان، فقد علمت بعدما قرأت عن سيرته بأنه فيلسوف لا يؤمن بالأديان فأخذت فقط أركز على المحتوى الذي يؤكد فيها ذلك وكأنه يدين نفسه أمامي، فلم التفت للاتجاه الآخر من كتاباته، الآن فقط وصلت للمرحلة المناسبة لقراءة كل ما كتب، والتركيز فقط على المضمون الإيجابي الذي أريد أن أستفيد منه فليس كل كلامه تحريضا على قناعاتي الإيمانية الراسخة في ذاتي'!
تذكرت لحظتها ما حدث للكاتب الهندي البريطاني سليمان رشدي قبل أشهر من الآن والذي تعرض لمحاولة اغتيال نتيجة كتاب أصدره قبل سنوات طويلة عام 1988م، واعترض عليه الكثير بتهم تتعلق بتهجمه على الإسلام، فما كان من المهاجم الشاب إلا أن اعتلى المنصة وبدل حرقه للكتاب كفعل الفتاة هجم عليه بعدة طعنات أمام الجمهور!
أنا لا أحبذ أبدا استفزاز الملايين في مقدساتهم، ولكن ما أعلمه حق اليقين بأن أي أمر لا يناسبنا في عالم الكتابة لا يعالج بالقوة، بل بتدافع الأفكار ومجابهتها من خلال التأليف ونشر المعرفة والوعي.
أخبرتها أن الرف الحالي يتيم من مؤلفات أوشو إلا ذلك الذي كتبه تعليقا على جبران، وبعد أن تفحصت ترجمته أخذته وأخذت معه بعض الروايات كرواية التحول للنمساوي ستيفان زفايغ، ورواية دلشاد للعمانية بشرى خلفان، وأشارت بعدما فهمت بتصفح عميق وسريع للغاية فكرة المضمون بأنها تتمنى أن تجد السلام النفسي في رحلتها القرائية الجديدة.
ماذا وجدت يا ترى في تلك الكلمات لا أعلم؟!
ولكنها خرجت من المكان وهي تعتقد بأن لديها الدواء الشعوري المناسب لحالها..
في المقابل كنت أتخيل وجودا فعليا لطبيب نفسي مختص وفي الوقت ذاته أمين مكتبة يستطيع أن يفهم أكثر من أي شخص آخر الكتب المناسبة لكل المنهكين للحصول على دواء بشكل كتاب، فهل تتخيلون معي الآن كم سيصبح بارعا طبيب الكتب هذا؟!
لنترك خيالي بعيدا فقد غادرت الفتاة ليدخل بعدها شاب مفعم بالحيوية لم يخدعه الباب كحال من سبق، وبعد أن ألقى كل منا التحية على الآخر وتحدثنا قليلا عن الكتب وأهميتها قال بنبرة حادة مع ابتسامة خجولة:
«أريد كتب تعنى بالتطوير الذاتي والشخصي فأنا جندي أعمل حاليا في الجيش، وأملك في المساء الوقت الكافي للقراءة، وبسبب بعض الظروف لا أريد أن يستنقص أحد من لباقتي وقوة معرفتي أريد أن أصبح مطلعا لأتميزعن بقية الزملاء بالقراءة، وفهم شخصياتهم، وطرق التعامل مع المسؤول والمشكلات، ومن ناحية أخرى فأنا نفسيا بعد الثانوية تأثرت لعدم تمكني من الوصول إلى الجامعة لأكمل دراستي، والآن أريد في داخلي روحا قوية بالمعرفة لا يستهين بها أي أحد».
طبعا كعادتي أقف عاجزا عن إفادته بالطريقة المثالية، وأقول بصمت يصل ضجيجه من السعادة إلى السماء هل المكتبة بالنسبة له كتف أحلامه؟!
في الأخير أشرت له بعد تفكر عميق لبعض الكتب التي أعرف عنها قليلا مثل السماح بالرحيل لديفيد هاوكينز، والأب الغني والأب الفقير لمؤلفه روبرت تي كيوساكي، وكتاب لا تأكل بمفردك بقلم كيث فيرازي، وسيكولوجية المال لمؤلفه مورجان هاوسل، وقواعد السطوة للأمريكي روبرت غرين.
فجمعت له هذه الإصدارات على الطاولة وطلبت منه الجلوس ليقرأ بعض الصفحات ويصل إلى مبتغاه حينها، وبعد أكثر من ربع ساعة لم يجد لدواء نفسه أكثر من كتاب قواعد السطوة والذي حينما قرأ منه قال وهو مبتسم وهذه المرة بابتسامة جريئة تملأ وجهه الصارم من أثر التدريب: هنا وجدت ما أريد.
وبعدما غادرني لم أجد في روحي إلا مزيجا من السعادة والراحة وأنا أشاهد من يتداوى لدينا بالكتب.
تعلمت من موقف الفتاة بأن القراءة في سن مبكرة مفيدة جدا، ولكنها اتجاه بعض المؤلفات تحتاج لوعي أكبر مليء بالاتزان لا يرى في اتجاه واحد نتيجة حكم مسبق بما كان عليه الكاتب في حياته، بل يجب أن ندرك بأن السبب الرئيسي لعدم تقبلنا لبعض المؤلفين قبل الاطلاع على جل نتاجهم المعرفي نابع من عدم تقبلنا في عمر معين ولظروف كثيرة لقانون الاختلاف كسنة كونية خلقها الله لتشكل أعظم اختبار لبقاء البشرية في هذه الأرض.
في المقابل تعلمت من ذلك الجندي العماني المفعم بالحيوية والشغوف للمعرفة، بأن الشهادة ومستوياتها العلمية ليس المقياس في عالم الثقافة، وبأن الجندي كان يؤمن تماما بأن السلاح ليس وحده هو القوة، بل القراءة والتعلم والاطلاع والاستمرار في ذلك هي القوة الحقيقة لكل فرد.
أيها الأعزاء ستجدون في المكتبة حكايات لا تنتهي، فبعضهم يعتبرها بيت الدهشة، وبعضهم يراها كتف أحلامه، وبعضهم يجدها أجمل دواء لآلام نفسه، فكيف هي المكتبة بالنسبة لكم؟!