"جوهرجي أدم" يتمسك بطابع الصياغة التقليدية وينقلها لأولاده خوفا عليها من الضياع
الصياغة باليد تستهلك الوقت وتتطلب الصبر الكثير
السبت / 3 / ربيع الثاني / 1444 هـ - 16:34 - السبت 29 أكتوبر 2022 16:34
هلال الشيباني مع معدات صياغة الذهب والفضة الخاصة به
- هلال الشيباني: أصررت على إنتاج تصاميم تمزج الطابع القديم بالعصري فحازت على إعجاب الكثيرين
- الصياغة الحديثة تعتمد على إنتاج نفس القطع بنفس المقاسات والتصميم والوزن باستخدام قالب شمعي
حتى الآن وقبل ما يقارب الـ100 عام كانت دكاكين السوق في حارة بني شيبان بولاية أدم تعج بصواغ الذهب والفضة حتى أتى اليوم الذي بدأ فيه الصاغة بالتخلي تدريجيا عن هذه الحرفة التراثية والاتجاه لمجالات أخرى حتى خرج من الحارة آخر ساكنيها وخرج بذلك صائغو الذهب والفضة الذين تركوا الحرفة لأسباب مختلفة، فالبعض قد تُوفي والبعض الآخر ترك الحرفة ولم يرثها أبناؤه عدا الوالد محمد بن عبدالله الشيباني، الصائغ الوحيد في ولاية أدم، الذي ورغم صعوبة العمل وما تخلفه من جروح وحروق على يديه فإنه أبى أن يتخلى عن إرث الأجداد واستمر في صياغة الذهب والفضة بالطريقة التقليدية وعلّمها لأولاده الثلاثة، ولنكتشف أكثر كيف نالت هذه الحرفة اهتمامه وما الذي يميز الماضي والحاضر، التقينا بالشيباني وبابنه الأكبر هلال الذي حدّثنا عن بداياته وصعوبات العمل في صياغة مجوهرات الذهب والفضة.
أشار الوالد محمد بن عبدالله الشيباني إلى ضرورة تشجيع الشباب على تولي حرفة الأجداد من خلال تعلّمها وتعليمها للأجيال القادمة لإكمال المسيرة في المحافظة على استمرار الطابع القديم الذي لا تصوغه إلا اليد العمانية الأصيلة، وأكد حرصه على وجود أبنائه في الورشة طوال السنوات التي قضاها في مجال الصياغة، كما أكد على أن وجوده إلى جانب أبنائه في المشغل ساهم في تطوُّر الصياغة لديهم بشكل كبير، لما لذلك من أهمية في تقديم النصح والإرشاد لهم كون العمل كصائغ يعمل باليد متعبا جدا ويستهلك الكثير من الوقت ويتطلب الكثير من الصبر، وكون أبناؤه مكملين لمشواره ومشوار أبيه يرى أن ذلك يسعده، كما أنه حرص على إرشادهم بأخلاقيات العمل وأساليب التعامل مع المشترين. ووصف لنا الشيباني الفرق بين صياغة الذهب وصياغة الفضة، حيث أكد عدم وجود فرق كبير في صياغتهما بالنسبة للمعدات المستخدمة، ولكن نوعا ما يكون الذهب أنعم من الفضة، والفضة تحمل طابعا صلبا حسب نسبة صفاوة المعدن المستخدم.
الحفاظ على القطع التراثية
سألنا الوالد محمد الشيباني إذا ما كان يحتفظ بقطع تراثية، وما استخداماتها؟ وأجاب: كنت بالماضي أحتفظ بقطع تراثية لكن الكثير منها تم بيعها وتداولها بالسوق بسبب صعوبة المعيشة بالماضي، فمثلا كانت لدي مقتنيات من الخنجر العمانية والتي كانت تُستخدم قديما للتزيّن وتُستخدم أيضا كسلاح، كما كانت تُستخدم لذبح الأضاحي، وتفاخر العماني بالماضي بالخنجر العمانية المصنَّعة من قرون نادرة جدا ونصل نادر وقديم، أما في العصر الحالي فقد اقتصر استخدام الخنجر العمانية على المناسبات والاحتفالات.
وشرح هلال بن محمد بن عبدالله الشيباني الفرق في أسلوب الصياغة قديما وحديثا، حيث قال إن الصياغة القديمة تتركز في استخدام اليدين دون آلات مساعدة في إنتاج مصوغات متكاملة، واستخدام الفحم للحصول على الحرارة المطلوبة في مرحلة الصهر بدلا من الغاز المُستخدم حديثا لإيقاد النار للتلحيم.
وأضاف أن الصياغة الحديثة تساندها العديد من الآلات الحديثة التي تساعد على تسريع وتيرة تصنيع الحلي، متابعا حديثه: مثلا قديما تجد كل قطعة تختلف عن الثانية بسبب العمل بها باليد، أما في العصر الحالي فمن الممكن إنتاج نفس القطع وبنفس المقاسات والتصميم والوزن لقطع كثيرة وذلك بسبب العمل بنظام استخدام قالب من الشمع وبعدها تجميع القطع نفسها لعدد كبير واستخدام طريقة 'الكاستنج' لعمل نسخ عديدة من التصميم نفسه، حيث أكد أن هذه الطريقة ساعدت على إنتاج قطع كثيرة ونسخ لا تستغرق العمل الطويل والجهد الكبير.
وحدد الشيباني أنواع القطع التي يفضّل صياغتها، وشرح لنا أن هناك قطعا محببة لديه أكثر من غيرها، حيث قال: كل قطعة تحمل تحديا جديدا بالنسبة لي تستحق صياغتها، لكني وجدت نفسي أتجه غالبا لمصوغات الخواتم؛ بسبب ارتباطها بوجود الأحجار الكريمة التي تدخل في تصميم الخاتم والتي تتطلب في الغالب إلى معرفة مقاس إصبع صاحب الخاتم، وهنا يكمن التحدي في تصنيع المقاس المناسب لطلب المستهلك، وأهمية أن يكون النقش والتصميم المستخدم فريدا وغير مكرر. كما حدد أنواع الأحجار الكريمة التي يستخدمها وقال: الكثير من الأحجار التي استخدمها حسب رغبة الزبون، ولكن الأحجار التي يزيد عليها الطلب هي العقيق اليماني والياقوت، ومميزاتها معروفة منذ القدم، كما أنها أحجار كريمة طبيعية وليست مصنَّعة، وبعض الأحجار تحمل رسومات طبيعية جميلة.
صياغة الذهب والفضة
وسرد الشيباني كيف استفاد من والده في مجال صياغة الذهب والفضة، حيث قال: كانت بداياتي مع أبي في الصياغة بعمر 12 سنة، فقد كنت أراقب بفضول ما يصنع، وبمرور سنوات من التعلم بدأت أعمل في مجال الإصلاحات والتلحيم بالمصوغات الخاصة بالزبائن، ولكن انتقالي من هذه المرحلة إلى مرحلة التصميم والصياغة والخروج بمصوغات خاصة كان خلال فترة انتشار فيروس 'كوفيد 19' بالبلد وتفرغي الكامل في تلك الفترة، عندها بدأت بالصياغة، والكثير من القطع التي صنعتها بيدي لاقت إعجاب المشترين، بينما لاقت بعض القطع انتقادات، ولكن بإصراري على إدخال تصاميم تمزج بين الطابع القديم والعصري ومحاولتي تصميم مصوغات فريدة وغير متكررة فقد حازت على إعجاب الكثيرين.
وكون الشيباني هو صائغ الذهب الوحيد في ولاية أدم برز لدينا تساؤل مهم عن أسباب عدم وجود منافسين في الولاية؟ وما الذي يمنع الصاغة من تطوير أعمالهم؟ قال الشيباني: إن الصائغ العماني الذي يعمل باليد نادر الوجود في سلطنة عمان وعددهم نوعا ما ليس بالكبير. وقال إن المانع من تطور أعمال الصاغة ربما بسبب وجود الأيدي العاملة الوافدة التي تعمل بالصياغة، مما أدى إلى اندثار حرفة الأجداد وندرة وجودها بالبلد، حتى أن الصائغ العماني عندما يحاول تطوير عمله يجد أنه ملزم بالتعامل مع القوى العاملة الوفدة كونها أساسا تحتكر السوق بكل ما يخص الصياغة. وشرح الشيباني الصعوبات التي يواجهها في مجال صياغة الذهب والفضة، والتي من أهمها عدم توفر معدات الصياغة بسلطنة عمان، وحتى عند توفرها تُباع بسعر مرتفع مما يجعله مضطرا للسفر خارج السلطنة لتوفير تلك المعدات، وأن العديد من المعدات المتطورة توجد في الخارج.