فيلم "المرأة الملك" والاستعمار الأسود (1-2)
الثلاثاء / 28 / ربيع الأول / 1444 هـ - 18:57 - الثلاثاء 25 أكتوبر 2022 18:57
(1)
ما الذي يدعو فيولا ديفيس بطلة فيلم (المرأة الملك The Woman King) إلى خوض مغامرة مشتركة لإنتاج فيلم عن العبودية اليوم؟ هل هي يقظة للضمير الإنساني أم سؤال يفرض نفسه بإثارة البحث عن أشكال مختلفة في عصرنا هذا من خضوع البشر لآلهة الرأسمالية والصهيونية في العالم كله؟ ربما تكون الإجابة أن فكرة الاحتلال لم تنته بعد. أليس في احتلال فلسطين منذ إعلان وعد بلفور عام 1917م حتى اليوم نموذجا حيًا على تغلغل فكرة الاحتلال وفق المنظور الغربي أن القوي/ الأبيض حصريا هو من يَكتب التاريخ لا الضعيف؟ لذلك فإن تاريخنا المحفوظ في الحوليات البريطانية والفرنسية والبرتغالية ما زلنا نجهله كله، والذي سعى فيلم (المرأة الملك) إلى تقديمه وجعله في منطقة الصدارة هو فعل المقاومة والإصرار في الدفاع عن الحرية، لذلك هناك من شاهد الفيلم وعدّه كمتخيل، بينما رآه آخرون وثيقة شابها بعض النقصان التاريخي والفني، ويعيدنا هذا إلى الجدل المستمر حول علاقة التاريخ بالكتابة الإبداعية. لعل هذه الإشكالية هي ما دفعت عالم الأنثروبولوجيا دومنيك سومدا إلى القول: 'يرتبط انتقادي للفيلم بإساءة استخدام الخيال'.
يحكي فيلم المرأة الملك التخيِّلي الذي ترجع أحداثه إلى عام 1820م عن مملكة (داهومي) المعروفة اليوم بـ (Benin) الواقعة في غرب أفريقيا للفترة التاريخية ما بين 1600 – 1894م، التي حكمها الملك الشاب (غيزو) إثر انقلاب على أخيه الملك السابق، وبمساعدة من الجنرال نانيسكا؛ التي استطاعت بقوتها وامتلاكها لقوة جسدية وشجاعة وبُعد رؤية ثاقبة وبعيدة المدى نابعة من جراء تعرضها للاعتداء الجسدي أن تؤسس وحدة قائمة نظامية مستقلة من النساء المقاتلات (أغوجي Agooji) مُهمتهن الرئيسة الدفاع عن المملكة من كلّ خطر يُمكن أن يداهمها حتى الموت، وكان الخطر يجسده ملك قبيلة (أويو). ومَن يكتب لأي فتاة الدخول والانضمام إلى وحَدَة هذا الفصيل العسكري سيُكتب لها مولدا جديدا، وتقول الدراما ذلك بطرقها المختلفة.
ينتمي الفيلم إلى الكتابة التاريخية الملحمية؛ والملحمة بحسب تعريف أرسطو لها في (فن الشعر) ترجمة وتعليق الدكتور إبراهيم حمادة هي: 'محاكاة لموضوعات جادة وتقوم على السرد وتستخدم الوزن الشعري، ويجب أن تدور قصتها حول فعل واحد تام في ذاته؛ وله بداية ووسط ونهاية، وكأنها كائن حي واحد متكامل في ذاته.
وبهذا، يمكنها أن تُحدث المتعة الصحيحة الخاصة بها وتستخدم كالتراجيديا عناصر التحوّل والتعرّف ومشاهدة المعاناة'. إن أساليب تقنية التحوّل والتعرّف في الكتابة الدرامية واحدة من الأساليب المهمة في نسج خيال العمل الفني، ويُعدّ بناء الشخصية من الداخل من الأساليب المتينة، ففي الفيلم لم يكن أحد ليتنبأ بمكونات شخصيات المحاربات من أعماقهن إلا بعدما فُتح باب قصر النساء لاستقبال الفتاة الشابة (ناوي) البالغة من العمر 19 سنة، وهناك في (القصر النساء العسكري) تتجاذب الشخصيات الحوارات للكشف عن أفكارهن وأسرارهن وحساسيتهن تجاه كلّ شيء يجهلنه، ووحدها (نانيسكا) بحكم تجربتها ورؤيتها لما لا يراه الآخرون القادرة على معرفة القادم.
(2)
يَفصل ما بين إنتاج فيلم (المرأة الملك - 2022م) وفيلم (ميلاد أمة - 1915م The Beirth of a Nation) للمخرج الأمريكي ديفيد جريفيث، حوالي (107) أعوام. أثارا الفيلمان في أثناء عرضهما الكثير من الحجاج والسخط والاعتراض إلى جانب الإعجاب، وتمثّل ذلك في 'تقنيات الإخراج والمونتاج ورواية طريقة القصة' بالنسبة إلى الفيلم الثاني، أم مناطق الإعجاب بفيلم المرأة الملك فتمثّلت عندي في أداء الممثلات السود، وفنية إدارة المعارك، والموسيقى والرقص وتصميم الأزياء.
وعطفًا على ذلك كتبت (ويندي إيد) حول مراجعتها للفيلم قائلة: 'المرأة الملك نوع من الملحمة التاريخية التي لم تعد تصنع كثيرا. ومع طاقم عمل رائع يتكون في الغالب من نساء سود، فهو أيضا فيلم لم يتم إنتاجه من قبل. إن تصميم رقصات القتال هو انتصار تقني. تمنح المرأة الملك طاقمها الفرصة لتجسيد شخصياتها بشكل صحيح؛ فهي تجرؤ على معالجة الموضوعات غير المريحة. يتعلق الأمر بالتغلب على الصّدمة، فهو يواجه ويستوجب دور بعض الشعوب الأفريقية -بما في ذلك داهومي- في استعباد الآخرين'. فهل وجود السود سواء في السينما أو الفوتوغرافيا أو على المسرح منحة ديمقراطية أم يقظة روحانية؟ هل وجود الأسود في الفن علامة على العبودية حصرًا؟ وبالعودة إلى زمن إنتاج الفيلمين السابقين (المرأة الملك، وميلاد أمة) هل تغير شكل العبودية كثيرًا؟ ربما يقول قائل إن الشكل من حيث القوانين والفهم القديم السائد للعبد بأنه 'شخص حُرم من حريته الشخصية، أو صار مُلكية خاصة لغيره' قد اختفى للأبد. هل صحيح ذلك؟ فعلى الرغم من إعلان إلغاء تجارة العبيد التاريخية رسميا إلا أن ممارسات العبودية لم تختفِ تماما، فكيف نُفسر أشكال العنصرية التي تمظهرت جراء الحرب الروسية الأوكرانية الحالية عبر النظر إلى البيانات المتناقضة التي تصدرها الدول الأوروبية الكبرى في العالم؟
وللحديث بقية..
ما الذي يدعو فيولا ديفيس بطلة فيلم (المرأة الملك The Woman King) إلى خوض مغامرة مشتركة لإنتاج فيلم عن العبودية اليوم؟ هل هي يقظة للضمير الإنساني أم سؤال يفرض نفسه بإثارة البحث عن أشكال مختلفة في عصرنا هذا من خضوع البشر لآلهة الرأسمالية والصهيونية في العالم كله؟ ربما تكون الإجابة أن فكرة الاحتلال لم تنته بعد. أليس في احتلال فلسطين منذ إعلان وعد بلفور عام 1917م حتى اليوم نموذجا حيًا على تغلغل فكرة الاحتلال وفق المنظور الغربي أن القوي/ الأبيض حصريا هو من يَكتب التاريخ لا الضعيف؟ لذلك فإن تاريخنا المحفوظ في الحوليات البريطانية والفرنسية والبرتغالية ما زلنا نجهله كله، والذي سعى فيلم (المرأة الملك) إلى تقديمه وجعله في منطقة الصدارة هو فعل المقاومة والإصرار في الدفاع عن الحرية، لذلك هناك من شاهد الفيلم وعدّه كمتخيل، بينما رآه آخرون وثيقة شابها بعض النقصان التاريخي والفني، ويعيدنا هذا إلى الجدل المستمر حول علاقة التاريخ بالكتابة الإبداعية. لعل هذه الإشكالية هي ما دفعت عالم الأنثروبولوجيا دومنيك سومدا إلى القول: 'يرتبط انتقادي للفيلم بإساءة استخدام الخيال'.
يحكي فيلم المرأة الملك التخيِّلي الذي ترجع أحداثه إلى عام 1820م عن مملكة (داهومي) المعروفة اليوم بـ (Benin) الواقعة في غرب أفريقيا للفترة التاريخية ما بين 1600 – 1894م، التي حكمها الملك الشاب (غيزو) إثر انقلاب على أخيه الملك السابق، وبمساعدة من الجنرال نانيسكا؛ التي استطاعت بقوتها وامتلاكها لقوة جسدية وشجاعة وبُعد رؤية ثاقبة وبعيدة المدى نابعة من جراء تعرضها للاعتداء الجسدي أن تؤسس وحدة قائمة نظامية مستقلة من النساء المقاتلات (أغوجي Agooji) مُهمتهن الرئيسة الدفاع عن المملكة من كلّ خطر يُمكن أن يداهمها حتى الموت، وكان الخطر يجسده ملك قبيلة (أويو). ومَن يكتب لأي فتاة الدخول والانضمام إلى وحَدَة هذا الفصيل العسكري سيُكتب لها مولدا جديدا، وتقول الدراما ذلك بطرقها المختلفة.
ينتمي الفيلم إلى الكتابة التاريخية الملحمية؛ والملحمة بحسب تعريف أرسطو لها في (فن الشعر) ترجمة وتعليق الدكتور إبراهيم حمادة هي: 'محاكاة لموضوعات جادة وتقوم على السرد وتستخدم الوزن الشعري، ويجب أن تدور قصتها حول فعل واحد تام في ذاته؛ وله بداية ووسط ونهاية، وكأنها كائن حي واحد متكامل في ذاته.
وبهذا، يمكنها أن تُحدث المتعة الصحيحة الخاصة بها وتستخدم كالتراجيديا عناصر التحوّل والتعرّف ومشاهدة المعاناة'. إن أساليب تقنية التحوّل والتعرّف في الكتابة الدرامية واحدة من الأساليب المهمة في نسج خيال العمل الفني، ويُعدّ بناء الشخصية من الداخل من الأساليب المتينة، ففي الفيلم لم يكن أحد ليتنبأ بمكونات شخصيات المحاربات من أعماقهن إلا بعدما فُتح باب قصر النساء لاستقبال الفتاة الشابة (ناوي) البالغة من العمر 19 سنة، وهناك في (القصر النساء العسكري) تتجاذب الشخصيات الحوارات للكشف عن أفكارهن وأسرارهن وحساسيتهن تجاه كلّ شيء يجهلنه، ووحدها (نانيسكا) بحكم تجربتها ورؤيتها لما لا يراه الآخرون القادرة على معرفة القادم.
(2)
يَفصل ما بين إنتاج فيلم (المرأة الملك - 2022م) وفيلم (ميلاد أمة - 1915م The Beirth of a Nation) للمخرج الأمريكي ديفيد جريفيث، حوالي (107) أعوام. أثارا الفيلمان في أثناء عرضهما الكثير من الحجاج والسخط والاعتراض إلى جانب الإعجاب، وتمثّل ذلك في 'تقنيات الإخراج والمونتاج ورواية طريقة القصة' بالنسبة إلى الفيلم الثاني، أم مناطق الإعجاب بفيلم المرأة الملك فتمثّلت عندي في أداء الممثلات السود، وفنية إدارة المعارك، والموسيقى والرقص وتصميم الأزياء.
وعطفًا على ذلك كتبت (ويندي إيد) حول مراجعتها للفيلم قائلة: 'المرأة الملك نوع من الملحمة التاريخية التي لم تعد تصنع كثيرا. ومع طاقم عمل رائع يتكون في الغالب من نساء سود، فهو أيضا فيلم لم يتم إنتاجه من قبل. إن تصميم رقصات القتال هو انتصار تقني. تمنح المرأة الملك طاقمها الفرصة لتجسيد شخصياتها بشكل صحيح؛ فهي تجرؤ على معالجة الموضوعات غير المريحة. يتعلق الأمر بالتغلب على الصّدمة، فهو يواجه ويستوجب دور بعض الشعوب الأفريقية -بما في ذلك داهومي- في استعباد الآخرين'. فهل وجود السود سواء في السينما أو الفوتوغرافيا أو على المسرح منحة ديمقراطية أم يقظة روحانية؟ هل وجود الأسود في الفن علامة على العبودية حصرًا؟ وبالعودة إلى زمن إنتاج الفيلمين السابقين (المرأة الملك، وميلاد أمة) هل تغير شكل العبودية كثيرًا؟ ربما يقول قائل إن الشكل من حيث القوانين والفهم القديم السائد للعبد بأنه 'شخص حُرم من حريته الشخصية، أو صار مُلكية خاصة لغيره' قد اختفى للأبد. هل صحيح ذلك؟ فعلى الرغم من إعلان إلغاء تجارة العبيد التاريخية رسميا إلا أن ممارسات العبودية لم تختفِ تماما، فكيف نُفسر أشكال العنصرية التي تمظهرت جراء الحرب الروسية الأوكرانية الحالية عبر النظر إلى البيانات المتناقضة التي تصدرها الدول الأوروبية الكبرى في العالم؟
وللحديث بقية..