لم يعد لدى روسيا الحق ولا الوقت الكافي للخمول
السبت / 25 / ربيع الأول / 1444 هـ - 17:52 - السبت 22 أكتوبر 2022 17:52
الترجمة عن الروسية: يوسف نبيل -
تلعب السرعة في عالم اليوم دورًا هائلا في كل شيء. اكتشفنا أثناء مجريات 'العملية العسكرية الخاصة' أن السرعة تُعد أحد العوامل الرئيسة في الحرب الحديثة. يعتمد كل شيء على مدى سرعة حصولك على المعلومات الاستخباراتية وإبلاغ قيادة وحدات الإطفاء واتخاذ قرار بالضرب، وتغيير مكان تواجد وسائل إطلاق النار. من هنا تأتي الأهمية الكبيرة للطائرات بدون طيار والاتصال عبر الأقمار الصناعية وإرسال إحداثيات العدو وتنقل الوحدات القتالية، وكذلك سرعة نقل الأوامر إلى المنفذ. يتضح لنا أن هذه الأمور لم تؤخذ في الاعتبار أثناء الاستعداد للعملية العسكرية الخاصة، وعلينا الآن أن نُعوِّض الوقت الضائع في ظل هذه الظروف الحرجة.
قللنا أيضًا من خطورة الاعتماد على الغرب في مجال التقنيات الرقمية والرقائق والتصنيع عالي الدقة. لا يشير الاستعداد لمواجهة الناتو وفي الآن ذاته الاعتماد على عناصر تكنولوجية متقدمة تنتجها دول الناتو ذاتها أو حتى دول تعتمد على الغرب إلى ذكاء كبير.
لا يتعلق الأمر الآن بالتبعية للغرب، بل بعامل السرعة. درس الفيلسوف الفرنسي بول فيريلو الأهمية الفائقة للسرعة للحضارة التقنية الحديثة، وصك مصطلحًا خاصًا: الدروموقراطية، والكلمة مشتقة من dromos اليونانية، وتعني السرعة، وكلمة kratos وتعني القوة. تتأسس نظرية فيريلو على التأكيد على أنه في ظل الظروف الحضارية الجديدة لا يحرز الأقوى والأذكى والأكثر تجهيزًا الانتصار، بل الأسرع. السرعة تحديدًا تحسم كل شيء. من هنا تأتي الرغبة في زيادة سرعة العمليات بأي طريقة ممكنة، وبالتالي زيادة سرعة العمليات الرقمية. هذا تحديدًا ما يركز عليه الفكر التقني الابتكاري اليوم. الجميع يتنافسون في مجال السرعة.
عالمنا المعاصر هو صراع من أجل السرعة. الأسرع هو من ينال الجائزة الكبرى؛ ألا وهي القوة بكل معانيها وأبعادها السياسية والعسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية.
المعلومات هي الأمر الأهم في بنية الدروموقراطية، وسرعة نقل المعلومات هي تعبير ملموس عن القوة. ينطبق ذلك على عمليات البورصة والعمليات العسكرية. الأسرع في تنفيذ الفعل هو من يحوز السلطة الكاملة على المتردد.
في الوقت النفسه يمكن أن تؤدي الدروموقراطية، كاستراتيجية مختارة بوعي، أي محاولة للسيادة على الوقت، إلى نتائج غريبة. هنا يأتي دور عامل المستقبل. من هنا أيضًا نشأت ظواهر المعاملات الآجلة والمحافظ الوقائية المرتبطة بها وآليات مالية أخرى مشابهة تُجرى فيها المعاملات الرئيسة بما هو غير موجود بعد.
المثل الأعلى للدروموقراطية في مجال الإعلام هو أن تكون أول من يبلغ عن حدث لم يحدث بعد، لكنه محتمل الحدوث تمامًا. هذا ليس مجرد تزييف، بل هو عمل في مجال الممكن والمحتمل بالطرق المرجحة. إذا تعاملنا مع حدث مستقبلي محتمل بوصفه قد حدث فعلا، فسنربح الوقت؛ أي نكتسب القوة. ربما لا يحدث هذا... هذا ممكن فعلا، ولكن في بعض الأحيان قد لا يكون فشل التوقعات أمرًا بالغ الخطورة، ولكن العكس صحيح؛ التنبؤ المؤكد الذي يُعامل كأمر واقع مسبقًا، يحقق لنا مزايا هائلة.
هذا هو جوهر الدروموقراطية، فعنصر الوقت ليس بالأمر الهين، ومن ينجح في إخضاعه ينال قوة شاملة وكاملة. مع التطور فائق السرعة يلتوي الواقع نفسه، وتبدأ قوانين الفيزياء غير الكلاسيكية في عملها باتساق مع نسبية أينشتاين والأكثر من ذلك مع فيزياء الكم. تُغيِّر السرعات الفائقة القوانين الفيزيائية، وهذا تحديدًا ما يحدث اليوم وفقًا لفيريلو حيث يندلع صراع عالمي على القوة.
يمكننا أن نجد نظريات مماثلة في مجال أكثر تطبيقية وأقل فلسفية؛ نظرية حروب الشبكات. هذه تحديدًا هي الحرب التي خضناها أثناء 'العملية العسكرية الخاصة' في أوكرانيا. السمة الرئيسة لهذه الحرب هي سرعة نقل المعلومات بين الوحدات الفردية ومراكز القيادة. لهذا الغرض يُجهَّز الجنود والوحدات القتالية الأخرى بكاميرات عديدة ذات زوايا مختلفة وأجهزة استشعار أخرى تجمع المعلومات في نقطة واحدة. تضيف المروحيات والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية البيانات وتُدمج هذه المعلومات مباشرة مع الوحدات القتالية والنارية، ويوفر هذا التكامل الشبكي الميزة الأهم؛ إنها السرعة. هكذا تعمل أنظمة HIMARS وتكتيكات الوحدات المتنقلة ومجموعات التخريب والاستطلاع، ولهذا الهدف أيضًا استُخدمت اتصالات Starlink الفضائية.
تدرك نظريات الحرب الشبكية أن سرعة اتخاذ القرار تبرره. تُجرى حسابات خاطئة كثيرة، ولكن إذا تصرفت بسرعة، فحتى إذا ارتكبت خطأ سيكون لديك دائمًا الوقت لتصحيحه. يُطبَّق هنا مبدأ اختراق المتسللين أو هجمات Dos (1). ما يهم هنا هو التحديد التام لموقع العدو والبحث عن نقاط الضعف والبوابة الخلفية. يمكن أن تكون الخسائر ضخمة، ولكن إذا نجحت تكون النتائج عظيمة.
علاوة على ذلك تشمل الحروب الشبكية قنوات المعلومات المفتوحة والشبكات الاجتماعية في المقام الأول. لا يقتصر عملها على متابعة سير العمليات العدائية وتحديد ما هو مربح وما هو مضر، بل إنها تعمل أيضًا وفقًا للمستقبل المحتمل. من مبادئ الدروموقراطية أيضًا أن ما نعتبره اليوم مجرد زيف ليس إلا استكشاف وتحفيز متعمد لمستقبل محتمل. تبدو صنوف كثيرة من هذا الزيف فارغة كما تبدو كثيرًا محاولات اختراق الحماية أثناء عمليات القرصنة غير مجدية، ولكن من وقت لآخر تحقق بعض هذه المحاولات هدفها، ومن ثم يمكنها الاستيلاء على النظام وإخضاعه.
تسمح الدروموقراطية في المجال السياسي بالابتعاد عن القواعد الأيدولوجية الصارمة. في الغرب نفسه على سبيل المثال لا تُشجَّع العنصرية والنازية علنًا، ولكن في حالة أوكرانيا وبعض المجتمعات التي تُشحذ للدفاع عن المصالج الجيوسياسية للغرب توجد استثناءات. تزدهر هناك النازية المعادية لروسيا، وهم لا يتوقفون عند ذلك في الغرب، بل يتجاوزون الأمر بمهارة. الأمر وما فيه أن زرع النازية في مجتمع لم تترعرع فيه من قبل، وفي وجود شعبين أساسيين في المنطقة ذاتها، لا يمكن تدبره بدون قومية. يتطلب تحقيق ذلك بأقصى سرعة ممكنة أشكالا متطرفة من القومية تصل إلى حد النازية المباشرة والعنصرية. هذه أيضًا مسألة تتعلق بالدروموقراطية. من الضروري الإسراع في بناء نموذج مُحاكى لأمة، ولهذا يلجأون إلى أيدولوجية راديكالية وأي نماذج وأساطير عن الخصوصية؛ حتى أكثرها سخافة، ويُحيون كل هذا سريعًا، مع سيطرة كاملة على مجال المعلومات، وفي النهاية يبدو وكأن الغرب ببساطة لا يلاحظ ذلك!
من ناحية أخرى تأتي الدعايا المتسارعة لهذه الأفكار التي لا تشترك مع الديمقراطية الغربية في أي شيء، وبعد ذلك تأتي الحرب تلقائيًا، ويُقدَّم المعتدون بوصفهم ضحايا، والمنقذون بوصفهم جلادين. ما يهم هنا هو التحكم في المعلومات، وإذا سار كل شيء وفقًا لخطتهم سيتبع ذلك حل سريع، وبعد ذلك تُنظَّف هياكل النازيين الجدد بسرعة أيضًا. رأينا الأمر ذاته تقريبًا في كرواتيا أثناء انهيار يوغوسلافيا. في البداية يساعد الغرب النازيين الكروات (الأوستاش الجدد) ويُسلِّحهم ضد الصرب، ثم يقضي عليهم حتى لا يعود لهم أثر. أهم شيء هو التنفيذ بسرعة فائقة. ظهرت النازية الجديدة بسرعة، وأدت دورها سريعًا، وسرعان ما اختفت كما لو أنها لم تظهر قط.
هذا تحديدًا هو سر زيلينسكي. لم يُختار هذا الكوميدي المتقلب رئيسًا هكذا مصادفة. حالته النفسية متقلبة وعرضة لتغييرات طائشة. إنه سياسي مثالي لمجتمع سائل. الآن يقول ويفعل أمرًا، وبعد برهة يقول ويفعل أمرًا آخر، ولا يتذكر أحد ماذا حدث منذ ثانية واحدة حيث تتزايد سرعة تدفق المعلومات باطراد.
على هذه الخلفية كيف يمكننا أن ننظر إلى أنفسنا؟ ما إن بدأنا في التصرف بسرعة وحسم وعفوية تقريبًا (المرحلة الأولى من العملية العسكرية الخاصة) حتى حققنا نجاحات هائلة وسيطرنا على ما يقرب من نصف أوكرانيا. ما إن بدأنا في إبطاء مسار العملية حتى بدأت المبادرة تنتقل إلى العدو، وتبين أن طبيعة الحروب الشبكية الحديثة وقوانين الدروموقراطية لم تؤخذ في الاعتبار بشكل صحيح. ما إن اتخذنا موقف رد الفعل حتى أخذنا ننتقل إلى الدفاع والمزيد من الدفاع، وفقدنا عامل السرعة. صحيح أن الانتصارات الأوكرانية غالبًا انتصارات افتراضية، ولكن في عالم يتكيء على تقنية صرف الانتباه ويكون كل شيء فيه افتراضيًا، بما في ذلك التمويل والخدمات والمعلومات... إلخ، يُعتبر ذلك كافيًا. عندما يتعلق الأمر بالواقع لا تمضي كل الأمور بسلاسة للأسف. هنا إما تنهار الدروموقراطية برمتها وما بعد الحداثة الشبكية؛ أي الحداثة وعامل تطور الغرب المعاصر بأكمله (ولكن كيف يمكن أن يحدث كل هذا مرة واحدة؟) وإما نقبل – ولو جزئيًا – قواعد العدو؛ أي نسرِّع أنفسنا. مسألة ما إذا كنا – نحن الروس – قادرين على دخول عالم الدروموقراطية وتعلم كيف ننتصر في حروب شبكية، وحتى حروب معلوماتية، ليست مجرد فكرة نظرية، بل يعتمد انتصارنا كاملا على هذه المسألة.
يتطلب تحقيق ذلك مبدئيًا أن نفهم طبيعة الزمن بالروسية وبطريقة وطنية. يبدو أن تباطؤنا في الفهم وتباطؤنا الأكبر في استيعاب المسألة في الحياة يدحض المثل الشائع: 'يستعد الروس طويلا لكنهم يقودون سريعًا'. هذه هي اللحظة التي يمكن أن يصير فيها الوضع خطيرًا إذا لم نسرع في قيادتنا.
لا حاجة للتحدث عن تزويد جنودنا بالمتطلبات الشبكية وتسريع عملية القيادة وإدخال وسائل فعالة لحماية المعلومات؛ فببساطة كلها أمور ضرورية لتكون على مستوى مقاومة عدو مجهز جيدًا.
قد يتصور شخص ما في السلطة أننا لا نزال نستعد بالرغم من أننا نتسابق بالفعل بأقصى سرعة، ويجب أن ندرك ذلك بأقصى سرعة. خلاف ذلك قد يتضح إننا نسرع في اتجاه خاطئ، إذا استخدمنا هنا تعبيرًا مخففًا.
الدروموقراطية ليست مزحة، ولا يتعلق الأمر بتجاوز الغرب، بل بضرورة هزيمة كبريائه المذهل، ويتطلب ذلك أن نتصرف بسرعة البرق وبتعقل. لم يعد لدى روسيا الحق ولا الوقت الكافي للهمود والخمول.
هامش:
هجمات تتم عن طريق إغراق المواقع بسيل من البيانات غير اللازمة يتم إرسالها عن طريق أجهزة مصابة ببرامج تعمل نشر هذه الهجمات.
* ألكسندر دوجين عالم سياسة واجتماع روسي وشخصية عامة ورئيس قسم الاجتماع للعلاقات الدولية بجامعة موسكو الحكومية.
** عن موقع zavtea.ru ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'
تلعب السرعة في عالم اليوم دورًا هائلا في كل شيء. اكتشفنا أثناء مجريات 'العملية العسكرية الخاصة' أن السرعة تُعد أحد العوامل الرئيسة في الحرب الحديثة. يعتمد كل شيء على مدى سرعة حصولك على المعلومات الاستخباراتية وإبلاغ قيادة وحدات الإطفاء واتخاذ قرار بالضرب، وتغيير مكان تواجد وسائل إطلاق النار. من هنا تأتي الأهمية الكبيرة للطائرات بدون طيار والاتصال عبر الأقمار الصناعية وإرسال إحداثيات العدو وتنقل الوحدات القتالية، وكذلك سرعة نقل الأوامر إلى المنفذ. يتضح لنا أن هذه الأمور لم تؤخذ في الاعتبار أثناء الاستعداد للعملية العسكرية الخاصة، وعلينا الآن أن نُعوِّض الوقت الضائع في ظل هذه الظروف الحرجة.
قللنا أيضًا من خطورة الاعتماد على الغرب في مجال التقنيات الرقمية والرقائق والتصنيع عالي الدقة. لا يشير الاستعداد لمواجهة الناتو وفي الآن ذاته الاعتماد على عناصر تكنولوجية متقدمة تنتجها دول الناتو ذاتها أو حتى دول تعتمد على الغرب إلى ذكاء كبير.
لا يتعلق الأمر الآن بالتبعية للغرب، بل بعامل السرعة. درس الفيلسوف الفرنسي بول فيريلو الأهمية الفائقة للسرعة للحضارة التقنية الحديثة، وصك مصطلحًا خاصًا: الدروموقراطية، والكلمة مشتقة من dromos اليونانية، وتعني السرعة، وكلمة kratos وتعني القوة. تتأسس نظرية فيريلو على التأكيد على أنه في ظل الظروف الحضارية الجديدة لا يحرز الأقوى والأذكى والأكثر تجهيزًا الانتصار، بل الأسرع. السرعة تحديدًا تحسم كل شيء. من هنا تأتي الرغبة في زيادة سرعة العمليات بأي طريقة ممكنة، وبالتالي زيادة سرعة العمليات الرقمية. هذا تحديدًا ما يركز عليه الفكر التقني الابتكاري اليوم. الجميع يتنافسون في مجال السرعة.
عالمنا المعاصر هو صراع من أجل السرعة. الأسرع هو من ينال الجائزة الكبرى؛ ألا وهي القوة بكل معانيها وأبعادها السياسية والعسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية.
المعلومات هي الأمر الأهم في بنية الدروموقراطية، وسرعة نقل المعلومات هي تعبير ملموس عن القوة. ينطبق ذلك على عمليات البورصة والعمليات العسكرية. الأسرع في تنفيذ الفعل هو من يحوز السلطة الكاملة على المتردد.
في الوقت النفسه يمكن أن تؤدي الدروموقراطية، كاستراتيجية مختارة بوعي، أي محاولة للسيادة على الوقت، إلى نتائج غريبة. هنا يأتي دور عامل المستقبل. من هنا أيضًا نشأت ظواهر المعاملات الآجلة والمحافظ الوقائية المرتبطة بها وآليات مالية أخرى مشابهة تُجرى فيها المعاملات الرئيسة بما هو غير موجود بعد.
المثل الأعلى للدروموقراطية في مجال الإعلام هو أن تكون أول من يبلغ عن حدث لم يحدث بعد، لكنه محتمل الحدوث تمامًا. هذا ليس مجرد تزييف، بل هو عمل في مجال الممكن والمحتمل بالطرق المرجحة. إذا تعاملنا مع حدث مستقبلي محتمل بوصفه قد حدث فعلا، فسنربح الوقت؛ أي نكتسب القوة. ربما لا يحدث هذا... هذا ممكن فعلا، ولكن في بعض الأحيان قد لا يكون فشل التوقعات أمرًا بالغ الخطورة، ولكن العكس صحيح؛ التنبؤ المؤكد الذي يُعامل كأمر واقع مسبقًا، يحقق لنا مزايا هائلة.
هذا هو جوهر الدروموقراطية، فعنصر الوقت ليس بالأمر الهين، ومن ينجح في إخضاعه ينال قوة شاملة وكاملة. مع التطور فائق السرعة يلتوي الواقع نفسه، وتبدأ قوانين الفيزياء غير الكلاسيكية في عملها باتساق مع نسبية أينشتاين والأكثر من ذلك مع فيزياء الكم. تُغيِّر السرعات الفائقة القوانين الفيزيائية، وهذا تحديدًا ما يحدث اليوم وفقًا لفيريلو حيث يندلع صراع عالمي على القوة.
يمكننا أن نجد نظريات مماثلة في مجال أكثر تطبيقية وأقل فلسفية؛ نظرية حروب الشبكات. هذه تحديدًا هي الحرب التي خضناها أثناء 'العملية العسكرية الخاصة' في أوكرانيا. السمة الرئيسة لهذه الحرب هي سرعة نقل المعلومات بين الوحدات الفردية ومراكز القيادة. لهذا الغرض يُجهَّز الجنود والوحدات القتالية الأخرى بكاميرات عديدة ذات زوايا مختلفة وأجهزة استشعار أخرى تجمع المعلومات في نقطة واحدة. تضيف المروحيات والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية البيانات وتُدمج هذه المعلومات مباشرة مع الوحدات القتالية والنارية، ويوفر هذا التكامل الشبكي الميزة الأهم؛ إنها السرعة. هكذا تعمل أنظمة HIMARS وتكتيكات الوحدات المتنقلة ومجموعات التخريب والاستطلاع، ولهذا الهدف أيضًا استُخدمت اتصالات Starlink الفضائية.
تدرك نظريات الحرب الشبكية أن سرعة اتخاذ القرار تبرره. تُجرى حسابات خاطئة كثيرة، ولكن إذا تصرفت بسرعة، فحتى إذا ارتكبت خطأ سيكون لديك دائمًا الوقت لتصحيحه. يُطبَّق هنا مبدأ اختراق المتسللين أو هجمات Dos (1). ما يهم هنا هو التحديد التام لموقع العدو والبحث عن نقاط الضعف والبوابة الخلفية. يمكن أن تكون الخسائر ضخمة، ولكن إذا نجحت تكون النتائج عظيمة.
علاوة على ذلك تشمل الحروب الشبكية قنوات المعلومات المفتوحة والشبكات الاجتماعية في المقام الأول. لا يقتصر عملها على متابعة سير العمليات العدائية وتحديد ما هو مربح وما هو مضر، بل إنها تعمل أيضًا وفقًا للمستقبل المحتمل. من مبادئ الدروموقراطية أيضًا أن ما نعتبره اليوم مجرد زيف ليس إلا استكشاف وتحفيز متعمد لمستقبل محتمل. تبدو صنوف كثيرة من هذا الزيف فارغة كما تبدو كثيرًا محاولات اختراق الحماية أثناء عمليات القرصنة غير مجدية، ولكن من وقت لآخر تحقق بعض هذه المحاولات هدفها، ومن ثم يمكنها الاستيلاء على النظام وإخضاعه.
تسمح الدروموقراطية في المجال السياسي بالابتعاد عن القواعد الأيدولوجية الصارمة. في الغرب نفسه على سبيل المثال لا تُشجَّع العنصرية والنازية علنًا، ولكن في حالة أوكرانيا وبعض المجتمعات التي تُشحذ للدفاع عن المصالج الجيوسياسية للغرب توجد استثناءات. تزدهر هناك النازية المعادية لروسيا، وهم لا يتوقفون عند ذلك في الغرب، بل يتجاوزون الأمر بمهارة. الأمر وما فيه أن زرع النازية في مجتمع لم تترعرع فيه من قبل، وفي وجود شعبين أساسيين في المنطقة ذاتها، لا يمكن تدبره بدون قومية. يتطلب تحقيق ذلك بأقصى سرعة ممكنة أشكالا متطرفة من القومية تصل إلى حد النازية المباشرة والعنصرية. هذه أيضًا مسألة تتعلق بالدروموقراطية. من الضروري الإسراع في بناء نموذج مُحاكى لأمة، ولهذا يلجأون إلى أيدولوجية راديكالية وأي نماذج وأساطير عن الخصوصية؛ حتى أكثرها سخافة، ويُحيون كل هذا سريعًا، مع سيطرة كاملة على مجال المعلومات، وفي النهاية يبدو وكأن الغرب ببساطة لا يلاحظ ذلك!
من ناحية أخرى تأتي الدعايا المتسارعة لهذه الأفكار التي لا تشترك مع الديمقراطية الغربية في أي شيء، وبعد ذلك تأتي الحرب تلقائيًا، ويُقدَّم المعتدون بوصفهم ضحايا، والمنقذون بوصفهم جلادين. ما يهم هنا هو التحكم في المعلومات، وإذا سار كل شيء وفقًا لخطتهم سيتبع ذلك حل سريع، وبعد ذلك تُنظَّف هياكل النازيين الجدد بسرعة أيضًا. رأينا الأمر ذاته تقريبًا في كرواتيا أثناء انهيار يوغوسلافيا. في البداية يساعد الغرب النازيين الكروات (الأوستاش الجدد) ويُسلِّحهم ضد الصرب، ثم يقضي عليهم حتى لا يعود لهم أثر. أهم شيء هو التنفيذ بسرعة فائقة. ظهرت النازية الجديدة بسرعة، وأدت دورها سريعًا، وسرعان ما اختفت كما لو أنها لم تظهر قط.
هذا تحديدًا هو سر زيلينسكي. لم يُختار هذا الكوميدي المتقلب رئيسًا هكذا مصادفة. حالته النفسية متقلبة وعرضة لتغييرات طائشة. إنه سياسي مثالي لمجتمع سائل. الآن يقول ويفعل أمرًا، وبعد برهة يقول ويفعل أمرًا آخر، ولا يتذكر أحد ماذا حدث منذ ثانية واحدة حيث تتزايد سرعة تدفق المعلومات باطراد.
على هذه الخلفية كيف يمكننا أن ننظر إلى أنفسنا؟ ما إن بدأنا في التصرف بسرعة وحسم وعفوية تقريبًا (المرحلة الأولى من العملية العسكرية الخاصة) حتى حققنا نجاحات هائلة وسيطرنا على ما يقرب من نصف أوكرانيا. ما إن بدأنا في إبطاء مسار العملية حتى بدأت المبادرة تنتقل إلى العدو، وتبين أن طبيعة الحروب الشبكية الحديثة وقوانين الدروموقراطية لم تؤخذ في الاعتبار بشكل صحيح. ما إن اتخذنا موقف رد الفعل حتى أخذنا ننتقل إلى الدفاع والمزيد من الدفاع، وفقدنا عامل السرعة. صحيح أن الانتصارات الأوكرانية غالبًا انتصارات افتراضية، ولكن في عالم يتكيء على تقنية صرف الانتباه ويكون كل شيء فيه افتراضيًا، بما في ذلك التمويل والخدمات والمعلومات... إلخ، يُعتبر ذلك كافيًا. عندما يتعلق الأمر بالواقع لا تمضي كل الأمور بسلاسة للأسف. هنا إما تنهار الدروموقراطية برمتها وما بعد الحداثة الشبكية؛ أي الحداثة وعامل تطور الغرب المعاصر بأكمله (ولكن كيف يمكن أن يحدث كل هذا مرة واحدة؟) وإما نقبل – ولو جزئيًا – قواعد العدو؛ أي نسرِّع أنفسنا. مسألة ما إذا كنا – نحن الروس – قادرين على دخول عالم الدروموقراطية وتعلم كيف ننتصر في حروب شبكية، وحتى حروب معلوماتية، ليست مجرد فكرة نظرية، بل يعتمد انتصارنا كاملا على هذه المسألة.
يتطلب تحقيق ذلك مبدئيًا أن نفهم طبيعة الزمن بالروسية وبطريقة وطنية. يبدو أن تباطؤنا في الفهم وتباطؤنا الأكبر في استيعاب المسألة في الحياة يدحض المثل الشائع: 'يستعد الروس طويلا لكنهم يقودون سريعًا'. هذه هي اللحظة التي يمكن أن يصير فيها الوضع خطيرًا إذا لم نسرع في قيادتنا.
لا حاجة للتحدث عن تزويد جنودنا بالمتطلبات الشبكية وتسريع عملية القيادة وإدخال وسائل فعالة لحماية المعلومات؛ فببساطة كلها أمور ضرورية لتكون على مستوى مقاومة عدو مجهز جيدًا.
قد يتصور شخص ما في السلطة أننا لا نزال نستعد بالرغم من أننا نتسابق بالفعل بأقصى سرعة، ويجب أن ندرك ذلك بأقصى سرعة. خلاف ذلك قد يتضح إننا نسرع في اتجاه خاطئ، إذا استخدمنا هنا تعبيرًا مخففًا.
الدروموقراطية ليست مزحة، ولا يتعلق الأمر بتجاوز الغرب، بل بضرورة هزيمة كبريائه المذهل، ويتطلب ذلك أن نتصرف بسرعة البرق وبتعقل. لم يعد لدى روسيا الحق ولا الوقت الكافي للهمود والخمول.
هامش:
هجمات تتم عن طريق إغراق المواقع بسيل من البيانات غير اللازمة يتم إرسالها عن طريق أجهزة مصابة ببرامج تعمل نشر هذه الهجمات.
* ألكسندر دوجين عالم سياسة واجتماع روسي وشخصية عامة ورئيس قسم الاجتماع للعلاقات الدولية بجامعة موسكو الحكومية.
** عن موقع zavtea.ru ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'