طريق الانتصار الاقتصادي على بوتين
الاحد / 19 / ربيع الأول / 1444 هـ - 20:31 - الاحد 16 أكتوبر 2022 20:31
ترجمة: أحمد شافعي -
ذهبت فيونا هيل، خبيرة الشؤون الروسية المرموقة، إلى أن مواجهة الغرب لروسيا بشأن أوكرانيا قد أدخلتنا الحرب العالمية الثالثة. وفي هذا غلو لا يخلو من خطورة. فالأمر الذي جعل الحربين العالميتين شديدتي التدمير هو أن القوى الكبرى في زمانهما دخلت صراعا عسكريا مباشرا وطويل الأمد مع بعضها بعضا. ولسنا نخوض مثل هذه المعركة اليوم، وفي ظل وجود أسلحة نووية، فإن المرء ليرتجف لمجرد التفكير في المسار الذي قد تأتي عليه حرب بين قوى عظمى.
لكن فيونا هيل محقة بمعنى محدد، هو أن الغرب يخوض جماعيا حربا ضد روسيا على نطاق عالمي ما كان ليمكن تخيله قبل عام واحد. ومن المحتمل أن تبقى عواقب ذلك معنا لعقود. فهذه الحرب الباردة الجديدة تشكل نهاية لحقبة العولمة والتكامل التي تصوغ النظام الدولي منذ عام 1989. إننا نعيش الآن في عالم تنافس القوى العظمى، والقومية الاقتصادية، والانفصال التكنولوجي. ومخاطر هذه الحرب الاقتصادية قد لا تكون نووية، ولكنها مخاطر مرتفعة للغاية، حتى على الولايات المتحدة.
لقد كانت العقوبات المفروضة على روسيا أشمل مما ذهبت إليه التنبؤات كافة من قبل. فتضمنت إجراءات استثنائية، من قبيل تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي وإخراج البنوك الروسية من نظام سويفت ـ وهو نظام الرسائل المصرفية الذي بات جزءا حيويا من البنية الأساسية الاقتصادية العالمية. وقد استهدفت نقاط الضعف الأساسية في بلاد تعيش في عالم سلاسل الإمداد المعولمة بإنكارها على روسيا الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة. ويقول الكاتب كريس ميلر إن 'من أكثر القطاعات تضررا قطاع السيارات والشاحنات والقاطرات والكوابل الألياف البصرية، إذ شهد كل منها انخفاضا في الإنتاج بما يتجاوز النصف'. كما انهارت كذلك الواردات الروسية.
ومثلما توضح مجلة ذي إيكونوميست، فإنكم إذ تنظرون إلى بعض مؤشرات روسيا الاقتصادية العامة، ترونها أفضل مما كان منتظرا. فلقد تنبأ صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد الروسي سوف ينكمش بقرابة 8.5% هذا العام. ثم راجع نبوءته فعدل نسبة الانكماش إلى 3.4%. وقد ارتفع معدل التضخم في البداية لكنه بدأ التراجع الآن.
تتنوع أسباب مرونة روسيا الاقتصادية. فروسيا في واقع الأمر ليست متعولمة الاقتصاد كثيرا، والدولة لها بصمة ضخمة في الاقتصاد، وكلا الأمرين يقي الشعب من الضربات الخارجية. لكن التفسير الأكبر حتى الآن هو أن الاقتصاد الروسي اقتصاد موارد، وأن روسيا بلد تعتمد ثروته بقوة على صادرات النفط والغاز والنيكل والألومنيوم وغيرها من السلع. وقد لقيت هذه السلع حماية كبيرة من العقوبات لأن الغرب يدرك أن العالم يعتمد على هذه المدخلات فكان من شأن منعها أن يتسبب في قدر كبير من الآلام للمستهلكين مثلما للمنتجين.
لقد كانت عقوبات واشنطن جيدة التخطيط وجيدة التنفيذ إلا في استثناء واحد: هو الطاقة. فلو أن الهدف هو تقليص عائد روسيا النفطي فإن الاستراتيجية المعقولة هي ـ بافتراض أنه ليس بالإمكان قطع جميع الإمدادات النفطية الروسية ـ السماح للنفط بالتدفق بلا عائق مع العمل على خطة بعيدة الأجل لتقليص اعتماد الغرب على الطاقة الروسية. وبتلك الطريقة يظل الإمداد وفيرا والأسعار تبقى منخفضة. ولكن بلاد الغرب أعلنت بدلا من ذلك حظرا على النفط الروسي.
ويأتي سقف التسعير المقترح للنفط الروسي ليمثل محاولة لتصحيح هذه الأخطاء فهو في جوهره إلغاء لأثر حظر النفط. وكذلك كانت الجهود الرامية إلى حمل السعودية وغيرها من دول الخليج على ضخ المزيد من النفط لولا أن هذه الجهود باءت بالفشل. المشكلة الكبرى في الغرب هي استراتيجية الطاقة غير المتماسكة. فلقد قلص الغرب استثماراته في الطاقة التي يستعملها اليوم (أي طاقة الوقود الحفري) بناء على تفكير سحري في الطاقة غدا (أي الطاقات المتجددة)، والتي سوف تتوافر على نطاق واسع ولكن بعد الغد.
والخطر الأكبر على الولايات المتحدة هو أن كثيرا من هذه الحرب الاقتصادية إنما تخوضه أمريكا وحدها، مستعملة وضع الدولار الفريد سلاحا لها. ولأن البلاد بحاجة إلى استعمال العملة الوحيدة العالمية حقا، فإن التهديد بمنع هذه العملة عنها يسمح بعقوبات واسعة النطاق على سلع وخدمات لا يتم إنتاجها في أمريكا. لقد سجل الدولار خلال الشهر الماضي أعلى مستوياته على مدار عقدين بسبب غياب البدائل. وفي الوقت نفسه تبحث كثير من البلاد الكبرى ـ بينها دول خليجية، والهند، وتركيا، وإندونيسيا، والصين في المقام الأول ـ عن طرق لزعزعة سيطرة العملة الأمريكية والهرب من اليد الطولى لقوة واشنطن الاقتصادية.
ومثلما سبق أن اقترحت من قبل، فإن الرئيس جو بايدن بحاجة إلى إلقاء خطاب يوضح فيه أن الطبيعة غير المسبوقة للتحدي الروسي للنظام الدولي القائم على القواعد، وليس أي سبب آخر، هي التي تجعل واشنطن تستعمل هذه الأسلحة التي لن يتم استعمالها أبدا في ظروف طبيعية أو لتحقيق مصالح ضيقة بحتة. ويجب على بايدن، حيثما يتسنى له ذلك، أن يحاول صياغة أوسع تحالف ممكن. وإلا فإنه حتى لو كان مقدورا للولايات المتحدة أن تنتصر في هذا الصراع مع روسيا، فإن مؤرخي المستقبل قد يتذكرون هذه اللحظة باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها بلاد العالم تقليص اعتمادها على أمريكا، والتي بدأت فيها واشنطن فقدان ما وصفه رئيس فرنسي ذات يوم بـ'الامتياز الهائل' لامتلاكها العملة الاحتياطية للعالم.
• فريد زكريا كاتب مقال رأي مشارك في صحيفة وشنطن بوست، ومقدم برنامج في جي بي إس، ومحرر مشارك في ذي أطلنطيك.
** عن واشنطن بوست ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'.
ذهبت فيونا هيل، خبيرة الشؤون الروسية المرموقة، إلى أن مواجهة الغرب لروسيا بشأن أوكرانيا قد أدخلتنا الحرب العالمية الثالثة. وفي هذا غلو لا يخلو من خطورة. فالأمر الذي جعل الحربين العالميتين شديدتي التدمير هو أن القوى الكبرى في زمانهما دخلت صراعا عسكريا مباشرا وطويل الأمد مع بعضها بعضا. ولسنا نخوض مثل هذه المعركة اليوم، وفي ظل وجود أسلحة نووية، فإن المرء ليرتجف لمجرد التفكير في المسار الذي قد تأتي عليه حرب بين قوى عظمى.
لكن فيونا هيل محقة بمعنى محدد، هو أن الغرب يخوض جماعيا حربا ضد روسيا على نطاق عالمي ما كان ليمكن تخيله قبل عام واحد. ومن المحتمل أن تبقى عواقب ذلك معنا لعقود. فهذه الحرب الباردة الجديدة تشكل نهاية لحقبة العولمة والتكامل التي تصوغ النظام الدولي منذ عام 1989. إننا نعيش الآن في عالم تنافس القوى العظمى، والقومية الاقتصادية، والانفصال التكنولوجي. ومخاطر هذه الحرب الاقتصادية قد لا تكون نووية، ولكنها مخاطر مرتفعة للغاية، حتى على الولايات المتحدة.
لقد كانت العقوبات المفروضة على روسيا أشمل مما ذهبت إليه التنبؤات كافة من قبل. فتضمنت إجراءات استثنائية، من قبيل تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي وإخراج البنوك الروسية من نظام سويفت ـ وهو نظام الرسائل المصرفية الذي بات جزءا حيويا من البنية الأساسية الاقتصادية العالمية. وقد استهدفت نقاط الضعف الأساسية في بلاد تعيش في عالم سلاسل الإمداد المعولمة بإنكارها على روسيا الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة. ويقول الكاتب كريس ميلر إن 'من أكثر القطاعات تضررا قطاع السيارات والشاحنات والقاطرات والكوابل الألياف البصرية، إذ شهد كل منها انخفاضا في الإنتاج بما يتجاوز النصف'. كما انهارت كذلك الواردات الروسية.
ومثلما توضح مجلة ذي إيكونوميست، فإنكم إذ تنظرون إلى بعض مؤشرات روسيا الاقتصادية العامة، ترونها أفضل مما كان منتظرا. فلقد تنبأ صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد الروسي سوف ينكمش بقرابة 8.5% هذا العام. ثم راجع نبوءته فعدل نسبة الانكماش إلى 3.4%. وقد ارتفع معدل التضخم في البداية لكنه بدأ التراجع الآن.
تتنوع أسباب مرونة روسيا الاقتصادية. فروسيا في واقع الأمر ليست متعولمة الاقتصاد كثيرا، والدولة لها بصمة ضخمة في الاقتصاد، وكلا الأمرين يقي الشعب من الضربات الخارجية. لكن التفسير الأكبر حتى الآن هو أن الاقتصاد الروسي اقتصاد موارد، وأن روسيا بلد تعتمد ثروته بقوة على صادرات النفط والغاز والنيكل والألومنيوم وغيرها من السلع. وقد لقيت هذه السلع حماية كبيرة من العقوبات لأن الغرب يدرك أن العالم يعتمد على هذه المدخلات فكان من شأن منعها أن يتسبب في قدر كبير من الآلام للمستهلكين مثلما للمنتجين.
لقد كانت عقوبات واشنطن جيدة التخطيط وجيدة التنفيذ إلا في استثناء واحد: هو الطاقة. فلو أن الهدف هو تقليص عائد روسيا النفطي فإن الاستراتيجية المعقولة هي ـ بافتراض أنه ليس بالإمكان قطع جميع الإمدادات النفطية الروسية ـ السماح للنفط بالتدفق بلا عائق مع العمل على خطة بعيدة الأجل لتقليص اعتماد الغرب على الطاقة الروسية. وبتلك الطريقة يظل الإمداد وفيرا والأسعار تبقى منخفضة. ولكن بلاد الغرب أعلنت بدلا من ذلك حظرا على النفط الروسي.
ويأتي سقف التسعير المقترح للنفط الروسي ليمثل محاولة لتصحيح هذه الأخطاء فهو في جوهره إلغاء لأثر حظر النفط. وكذلك كانت الجهود الرامية إلى حمل السعودية وغيرها من دول الخليج على ضخ المزيد من النفط لولا أن هذه الجهود باءت بالفشل. المشكلة الكبرى في الغرب هي استراتيجية الطاقة غير المتماسكة. فلقد قلص الغرب استثماراته في الطاقة التي يستعملها اليوم (أي طاقة الوقود الحفري) بناء على تفكير سحري في الطاقة غدا (أي الطاقات المتجددة)، والتي سوف تتوافر على نطاق واسع ولكن بعد الغد.
والخطر الأكبر على الولايات المتحدة هو أن كثيرا من هذه الحرب الاقتصادية إنما تخوضه أمريكا وحدها، مستعملة وضع الدولار الفريد سلاحا لها. ولأن البلاد بحاجة إلى استعمال العملة الوحيدة العالمية حقا، فإن التهديد بمنع هذه العملة عنها يسمح بعقوبات واسعة النطاق على سلع وخدمات لا يتم إنتاجها في أمريكا. لقد سجل الدولار خلال الشهر الماضي أعلى مستوياته على مدار عقدين بسبب غياب البدائل. وفي الوقت نفسه تبحث كثير من البلاد الكبرى ـ بينها دول خليجية، والهند، وتركيا، وإندونيسيا، والصين في المقام الأول ـ عن طرق لزعزعة سيطرة العملة الأمريكية والهرب من اليد الطولى لقوة واشنطن الاقتصادية.
ومثلما سبق أن اقترحت من قبل، فإن الرئيس جو بايدن بحاجة إلى إلقاء خطاب يوضح فيه أن الطبيعة غير المسبوقة للتحدي الروسي للنظام الدولي القائم على القواعد، وليس أي سبب آخر، هي التي تجعل واشنطن تستعمل هذه الأسلحة التي لن يتم استعمالها أبدا في ظروف طبيعية أو لتحقيق مصالح ضيقة بحتة. ويجب على بايدن، حيثما يتسنى له ذلك، أن يحاول صياغة أوسع تحالف ممكن. وإلا فإنه حتى لو كان مقدورا للولايات المتحدة أن تنتصر في هذا الصراع مع روسيا، فإن مؤرخي المستقبل قد يتذكرون هذه اللحظة باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها بلاد العالم تقليص اعتمادها على أمريكا، والتي بدأت فيها واشنطن فقدان ما وصفه رئيس فرنسي ذات يوم بـ'الامتياز الهائل' لامتلاكها العملة الاحتياطية للعالم.
• فريد زكريا كاتب مقال رأي مشارك في صحيفة وشنطن بوست، ومقدم برنامج في جي بي إس، ومحرر مشارك في ذي أطلنطيك.
** عن واشنطن بوست ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'.