"ظاهرة البيع".. طريق السوريين إلى الحياة
تقرير
الجمعة / 17 / ربيع الأول / 1444 هـ - 19:05 - الجمعة 14 أكتوبر 2022 19:05
دمشق – عُمان – بسام جميدة:
لا اعتقد انه يوجد سوري 'إلا ماندر' لم يقم ببيع شيئا مما يمتلكه خلال سنوات الحرب التي مضت تحت وطأة قساوة الحياة وتأمين بعض من متطلباتها التي تضاعفت أكثر بعد أن أطبق قانون قيصر على خناق الشعب السوري الذي وجد نفسه في عين العاصفة، فلا البقاء رحيم، ولا السفر أرحم، وما بينهما تُطحن عظام السوريين من القهر والعوز والغلاء والظلم الذي يتعرضون له هنا وهناك.
ماذا بعت ولماذا بعت، كان محور حواراتي مع جلّ الذين صادفتهم والذين تواصلت معهم، كنت أعرف أن السؤال محرجا للجميع، بل يحرض على نبش الأحزان، ويسبب المتاعب أيضا.
نهر الأحزان
لم يفرد جهاد صاحب الـ 55 عاما وجهه أمامي كثيرا وأنا أسأله، بل نظر إليّ باستغراب وأجاب باقتضاب 'لم يتبق لي سوى كرامتي لم أبعها، أصبحت على الحديدة' ثم غادرني بصمت.
'ماذا بعت..؟ يا رجل اسألني ماذا لديك ولم تبعه، يا أخي بعت كل ما استطيع بيعه، قطعة أرض صغيرة كنت أملكها، بعتها بثمن بخس حتى أتدبر مصاريف المدارس لأولادي، نكتفي بما بقي لدينا نتدبر فيه أيامنا' هكذا رد أبا عصام وأنصرف سريعا.
أم عمر ذات الـ 45 عاما تقول 'بعت مصاغي كله، حتى خاتم الخطوبة الذي يحمل أجمل ذكرياتي، بعنا أثاث غرفة النوم وغرفة الضيوف، كي نتدبر مصاريف سفر أبني للغربة، وننتظر أن يعمل لنا لمّ شمل ونذهب إليه'.
عمران في الـ 38 من العمر ولديه ثلاث أولاد، يقول 'بعت كل ما لدى زوجتي من مصاغ وحتى كمبيوتري الشخصي وكثير مما لدينا لأتدبر مصاريف البيت بعد أن التحقت بالخدمة الاحتياطية ولأن عملي يعتمد على جهدي الذهني من الكتابة فلم أعد أستطيع أن اعمل، وبقيت أبيع ما لدي حتى نعيش، وها أنا كما تراني أحاول الصمود ما أمكن وسط هذه العواصف العاتية في الحياة ومتطلباتها'.
'لقد بعنا كل ما نملك حتى أحلامنا وذكرياتنا من اجل شراء أمان ومستقبل أولادنا' هكذا ردد عبد الرزاق بصوت عال من الغربة التي سكنته.
وبمرارة العلقم تقول أم محمد 'ذهب كل شيء البشر والحجر وللأسف هناك من باع أخلاقه وضميره بأرخص الأثمان، والخسارة كانت وطن'.
إعلان المآسي
كثيرة هي السرديات اليومية التي تحمل هموم العيش في الحياة السورية، ولكن أكثرها مرارة هي أن تبيع شيئا مما فيك تحت ظروف قاسية لا ترحم، فما أن تجول بعينيك على جدران الأماكن المزدحمة في العاصمة سواء عند مواقف السرافيس والباصات أو أمام المستشفيات العامة والجامعة ستفاجأ بكثير من الإعلانات الغريبة الملصقة على الجدران، 'كلية للبيع، بويضات، عيون، تأجير أرحام..' وتحت كل إعلان تكمن قصة ومأساة.
وذكر تقرير لصحيفة البعث نشر في 28 يونيو 2022، أن الظروف المعيشية الصعبة، دفعت سيدة تدعى ريما للإعلان عن بيع بويضاتها، بعد أن ضاقت السبل بها لتأمين تكاليف علاج لأختها الكبرى التي تعاني من ورم في الثدي.
لم تكن الأولى التي تقوم بهذا المقايضة، فهناك سيدات كثر ومن طبقات المجتمع الفقير يقمن بتأجير أرحامهن للتغلب على مشقة الحياة ومتطلباتها.
وكشف المسؤول العلمي في مجلس إدارة الجمعية العلمية السورية، لجراحة المسالم البولية، الدكتور 'أحمد فريد غزال' عن شبان يرغبون ببيع الكلية والخصية، وقال: 'ظهرت هذه الاستفسارات نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعكاسات الأزمة' لافتاً أن 'تجارة الأعضاء ممنوعة قانونيا، والعقوبات قاسية على من يتقاضى لقاء مادي مقابل وهب الأعضاء'. وبدوري تواصلت عبر الهاتف مع شخص يعرض كليته للبيع، وطلب ثمنها 8000 دولار!
العقوبات أرهقت الشعب
الخبير الاقتصادي عامر شهدا تحدث 'لعُمان' عن هذه الظاهرة وأسبابها وتأثيرها على المجتمع بقوله: 'العقوبات الدولية تأثر بها المجتمع السوري كثيرا، وأمريكا احتلت أبار النفط وحرمت الشعب السوري من موارده الطبيعية الأمر أدى الى ضغوط اقتصادية كبيرة تشكلت نتيجة العقوبات التي منعت حركة الأموال التي هي أهم شيء للاستيراد، وبالتالي منعت المستوردين من تأمين المواد الأولية وزادت التكاليف وانعكست على الأسعار وتسبب بالتضخم وقلة الدخل وارتفعت نسبة الفقر إلى 90% وبات الجميع تحت خط الفقر، واصبح الموضوع يمس الأمن الغذائي، وتعطلت المعامل وزادت البطالة، وبالتالي لجأت الناس الى تجارة الأعضاء، فاصبحوا يبيعون الكلية وحتى العيون بدافع العيش فقط...!.
التأثيرات المدمرة
وعن تأثير ذلك على المجتمع أجاب شهدا بقوله، 'المجتمع السوري كان متماسكا وأصبح مشتتا ويعاني من البرد والغربة والهجرة وزادت الضغوط والمشاكل الاجتماعية بسبب العقوبات، وعدم وجود أشخاص مؤهلين لإدارة الأزمات، وتوسع باب الهجرة بالأخص للأكاديميين والعقول السورية الذين تفرقوا في دول العالم'.
كيفية الخروج من النفق..؟ وعن الحلول المطلوبة للخروج عن هذا المأزق الاقتصادي الصعب أجاب شهدا قائلا: 'الحلول أصبحت صعبة ومكلفة جدا، وتتطلب وجود إدارة رشيدة تستطيع وضع سياسات وخطط حقيقية، وتعيد توزيع الكتلة النقدية في المجتمع بحيث لا تبقى هذه الفوارق.
نحتاج لإعادة هيكلة تؤمن فرص عمل، وتحريك العجلة الإنتاجية، ودعم القطاع الزراعي لإعادة تأهيل المجتمع بشكل كامل للدخول في سوق العمل بشكل أفضل ووجود إرادة حقيقية لتشجيع الاستثمار وتأمين البني التحتية والكهرباء والنفط'.
وتابع شهدا قائلا: 'كل الحلول تحتاج لتمويل نفتقده في سوريا بسبب التضخم وتراجع موارد الخزينة الكبير، والتمويل أما من صندوق النقد الدولي وهذا صعب، أو من صندوق البريكس الذي يتم تشكيله وسوريا من ضمنه بدعم سوريا بخصوص إعادة الإعمار وتأمين البنى التحتية وتحريك العجلة الاقتصادية من خلال شركات استثمارية.
أو تشكيل مجلس شيوخ يضم خبرات من كافة القطاعات ويضم مجلس التسليف واللجنة الاقتصادية ويكون مستقل عن الحكومة وتابع لوزارة شؤون القصر الجمهوري ويكون مسؤولا عن إقرار الخطط والسياسات المالية والاقتصادية لسورية وتنفذ الحكومة ما يقرره'.
إجراءات عاجلة
ترى نور ملحم الصحفية المتخصصة بالاقتصاد والقضايا المجتمعية أن الوضع المعيشي سيئا، بسبب الضائقة الاقتصادية وتدني الرواتب والأجور مما انعكس سلبا على الحياة الأسرية والمجتمع بشكل عام تحت ضغط الحاجة.
ظاهرة البيع تولدت من تلك الحالة التي تفاقمت مع الحصار الذي طال المجتمع السوري وأنهكه، وطال البيع كل شيء وهذا ما نلمسه من خلال احتكاكنا اليومي بالمجتمع ومشاهدة كمية الفجائع التي نصادفها يوميا.
الخروج من هذا المأزق يحتاج لمزيد من الإجراءات السريعة التي تساهم بتأمين الحاجة الملحة للناس وتوفير كثير من المشاريع الصغيرة التي تعود بالنفع على المواطن ليؤمن قوت أولاده ويساهم في عملية التنمية، ووجود إجراءات حكومية تخفف عنه العبء كتوفير الكهرباء والماء والمشتقات النفطية والمواصلات ليكون قادرا على أن يؤدي عمله ويساهم جنبا الى جنب مع الحكومة في كسر هذا الحصار الذي أدى الى هذا الفقر.
لا اعتقد انه يوجد سوري 'إلا ماندر' لم يقم ببيع شيئا مما يمتلكه خلال سنوات الحرب التي مضت تحت وطأة قساوة الحياة وتأمين بعض من متطلباتها التي تضاعفت أكثر بعد أن أطبق قانون قيصر على خناق الشعب السوري الذي وجد نفسه في عين العاصفة، فلا البقاء رحيم، ولا السفر أرحم، وما بينهما تُطحن عظام السوريين من القهر والعوز والغلاء والظلم الذي يتعرضون له هنا وهناك.
ماذا بعت ولماذا بعت، كان محور حواراتي مع جلّ الذين صادفتهم والذين تواصلت معهم، كنت أعرف أن السؤال محرجا للجميع، بل يحرض على نبش الأحزان، ويسبب المتاعب أيضا.
نهر الأحزان
لم يفرد جهاد صاحب الـ 55 عاما وجهه أمامي كثيرا وأنا أسأله، بل نظر إليّ باستغراب وأجاب باقتضاب 'لم يتبق لي سوى كرامتي لم أبعها، أصبحت على الحديدة' ثم غادرني بصمت.
'ماذا بعت..؟ يا رجل اسألني ماذا لديك ولم تبعه، يا أخي بعت كل ما استطيع بيعه، قطعة أرض صغيرة كنت أملكها، بعتها بثمن بخس حتى أتدبر مصاريف المدارس لأولادي، نكتفي بما بقي لدينا نتدبر فيه أيامنا' هكذا رد أبا عصام وأنصرف سريعا.
أم عمر ذات الـ 45 عاما تقول 'بعت مصاغي كله، حتى خاتم الخطوبة الذي يحمل أجمل ذكرياتي، بعنا أثاث غرفة النوم وغرفة الضيوف، كي نتدبر مصاريف سفر أبني للغربة، وننتظر أن يعمل لنا لمّ شمل ونذهب إليه'.
عمران في الـ 38 من العمر ولديه ثلاث أولاد، يقول 'بعت كل ما لدى زوجتي من مصاغ وحتى كمبيوتري الشخصي وكثير مما لدينا لأتدبر مصاريف البيت بعد أن التحقت بالخدمة الاحتياطية ولأن عملي يعتمد على جهدي الذهني من الكتابة فلم أعد أستطيع أن اعمل، وبقيت أبيع ما لدي حتى نعيش، وها أنا كما تراني أحاول الصمود ما أمكن وسط هذه العواصف العاتية في الحياة ومتطلباتها'.
'لقد بعنا كل ما نملك حتى أحلامنا وذكرياتنا من اجل شراء أمان ومستقبل أولادنا' هكذا ردد عبد الرزاق بصوت عال من الغربة التي سكنته.
وبمرارة العلقم تقول أم محمد 'ذهب كل شيء البشر والحجر وللأسف هناك من باع أخلاقه وضميره بأرخص الأثمان، والخسارة كانت وطن'.
إعلان المآسي
كثيرة هي السرديات اليومية التي تحمل هموم العيش في الحياة السورية، ولكن أكثرها مرارة هي أن تبيع شيئا مما فيك تحت ظروف قاسية لا ترحم، فما أن تجول بعينيك على جدران الأماكن المزدحمة في العاصمة سواء عند مواقف السرافيس والباصات أو أمام المستشفيات العامة والجامعة ستفاجأ بكثير من الإعلانات الغريبة الملصقة على الجدران، 'كلية للبيع، بويضات، عيون، تأجير أرحام..' وتحت كل إعلان تكمن قصة ومأساة.
وذكر تقرير لصحيفة البعث نشر في 28 يونيو 2022، أن الظروف المعيشية الصعبة، دفعت سيدة تدعى ريما للإعلان عن بيع بويضاتها، بعد أن ضاقت السبل بها لتأمين تكاليف علاج لأختها الكبرى التي تعاني من ورم في الثدي.
لم تكن الأولى التي تقوم بهذا المقايضة، فهناك سيدات كثر ومن طبقات المجتمع الفقير يقمن بتأجير أرحامهن للتغلب على مشقة الحياة ومتطلباتها.
وكشف المسؤول العلمي في مجلس إدارة الجمعية العلمية السورية، لجراحة المسالم البولية، الدكتور 'أحمد فريد غزال' عن شبان يرغبون ببيع الكلية والخصية، وقال: 'ظهرت هذه الاستفسارات نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعكاسات الأزمة' لافتاً أن 'تجارة الأعضاء ممنوعة قانونيا، والعقوبات قاسية على من يتقاضى لقاء مادي مقابل وهب الأعضاء'. وبدوري تواصلت عبر الهاتف مع شخص يعرض كليته للبيع، وطلب ثمنها 8000 دولار!
العقوبات أرهقت الشعب
الخبير الاقتصادي عامر شهدا تحدث 'لعُمان' عن هذه الظاهرة وأسبابها وتأثيرها على المجتمع بقوله: 'العقوبات الدولية تأثر بها المجتمع السوري كثيرا، وأمريكا احتلت أبار النفط وحرمت الشعب السوري من موارده الطبيعية الأمر أدى الى ضغوط اقتصادية كبيرة تشكلت نتيجة العقوبات التي منعت حركة الأموال التي هي أهم شيء للاستيراد، وبالتالي منعت المستوردين من تأمين المواد الأولية وزادت التكاليف وانعكست على الأسعار وتسبب بالتضخم وقلة الدخل وارتفعت نسبة الفقر إلى 90% وبات الجميع تحت خط الفقر، واصبح الموضوع يمس الأمن الغذائي، وتعطلت المعامل وزادت البطالة، وبالتالي لجأت الناس الى تجارة الأعضاء، فاصبحوا يبيعون الكلية وحتى العيون بدافع العيش فقط...!.
التأثيرات المدمرة
وعن تأثير ذلك على المجتمع أجاب شهدا بقوله، 'المجتمع السوري كان متماسكا وأصبح مشتتا ويعاني من البرد والغربة والهجرة وزادت الضغوط والمشاكل الاجتماعية بسبب العقوبات، وعدم وجود أشخاص مؤهلين لإدارة الأزمات، وتوسع باب الهجرة بالأخص للأكاديميين والعقول السورية الذين تفرقوا في دول العالم'.
كيفية الخروج من النفق..؟ وعن الحلول المطلوبة للخروج عن هذا المأزق الاقتصادي الصعب أجاب شهدا قائلا: 'الحلول أصبحت صعبة ومكلفة جدا، وتتطلب وجود إدارة رشيدة تستطيع وضع سياسات وخطط حقيقية، وتعيد توزيع الكتلة النقدية في المجتمع بحيث لا تبقى هذه الفوارق.
نحتاج لإعادة هيكلة تؤمن فرص عمل، وتحريك العجلة الإنتاجية، ودعم القطاع الزراعي لإعادة تأهيل المجتمع بشكل كامل للدخول في سوق العمل بشكل أفضل ووجود إرادة حقيقية لتشجيع الاستثمار وتأمين البني التحتية والكهرباء والنفط'.
وتابع شهدا قائلا: 'كل الحلول تحتاج لتمويل نفتقده في سوريا بسبب التضخم وتراجع موارد الخزينة الكبير، والتمويل أما من صندوق النقد الدولي وهذا صعب، أو من صندوق البريكس الذي يتم تشكيله وسوريا من ضمنه بدعم سوريا بخصوص إعادة الإعمار وتأمين البنى التحتية وتحريك العجلة الاقتصادية من خلال شركات استثمارية.
أو تشكيل مجلس شيوخ يضم خبرات من كافة القطاعات ويضم مجلس التسليف واللجنة الاقتصادية ويكون مستقل عن الحكومة وتابع لوزارة شؤون القصر الجمهوري ويكون مسؤولا عن إقرار الخطط والسياسات المالية والاقتصادية لسورية وتنفذ الحكومة ما يقرره'.
إجراءات عاجلة
ترى نور ملحم الصحفية المتخصصة بالاقتصاد والقضايا المجتمعية أن الوضع المعيشي سيئا، بسبب الضائقة الاقتصادية وتدني الرواتب والأجور مما انعكس سلبا على الحياة الأسرية والمجتمع بشكل عام تحت ضغط الحاجة.
ظاهرة البيع تولدت من تلك الحالة التي تفاقمت مع الحصار الذي طال المجتمع السوري وأنهكه، وطال البيع كل شيء وهذا ما نلمسه من خلال احتكاكنا اليومي بالمجتمع ومشاهدة كمية الفجائع التي نصادفها يوميا.
الخروج من هذا المأزق يحتاج لمزيد من الإجراءات السريعة التي تساهم بتأمين الحاجة الملحة للناس وتوفير كثير من المشاريع الصغيرة التي تعود بالنفع على المواطن ليؤمن قوت أولاده ويساهم في عملية التنمية، ووجود إجراءات حكومية تخفف عنه العبء كتوفير الكهرباء والماء والمشتقات النفطية والمواصلات ليكون قادرا على أن يؤدي عمله ويساهم جنبا الى جنب مع الحكومة في كسر هذا الحصار الذي أدى الى هذا الفقر.