الاقتصادية

"عامل النمو" يثبت حضورا متزايدا في تحسين التوقعات المستقبلية لاقتصاد سلطنة عمان

التقارير الدولية ترصد تقدم جهود التنويع

 
لسنوات طويلة كانت تقارير المؤسسات الدولية حول الآفاق المستقبلية للوضعين المالي والاقتصادي في سلطنة عمان تعتمد بشكل أساسي في تقييماتها على التطورات في أسعار النفط ومدى تأثيرها على حجم العائدات العامة والعجز أو الفائض المالي المتوقع في الميزانية العامة، وكان من الثابت في هذه التقارير أن يرد التوصيف الخاص بنقاط الضعف في مالية سلطنة عمان وغيرها من الدول المصدرة للنفط بسبب اعتمادهم الأساسي على عائدات النفط، وبالتالي كانت هذه التقارير تضع تقديراتها للتصنيف والجدارة الائتمانية وفق تطورات سوق النفط سواء كمصدر رئيسي للعائدات أو كمحرك للنمو أو كسبب للتراجع الاقتصادي، وكذلك تأثيره على حجم العائدات العامة وعلى الاحتياطيات السيادية حيث اضطرت عديد من الدول المصدرة للنفط للسحب من احتياطياتها العامة أثناء أزمات تراجع أسعار النفط خاصة الأزمة الكبيرة في سوق النفط التي بدأت في عام 2014 وامتدت لعدة سنوات وأدت إلى زيادة كبيرة في حجم الدين العام.

تشهد هذه الصورة النمطية للاقتصاد المعتمد على النفط التي تقدمها التقارير الدولية الكثير من التحولات، فمع الجهد الحثيث نحو تنويع الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل تزامنا مع بدء تنفيذ الخطة الخمسية العاشرة والرؤية المستقبلية، تمكنت سلطنة عمان من وضع جهود التنويع وتحفيز النمو الاقتصادي في مختلف القطاعات غير النفطية ضمن العوامل المهمة التي ترد في التقارير الدولية والتي ستؤثر على مدى استقرار النمو الاقتصادي والوضع المالي في سلطنة عمان حاليا ومستقبلا، وأصبح عامل النمو الاقتصادي وقوة خطط التحفيز يثبتان حضورا متزايدا عند رصد المؤسسات الدولية للتطورات التي تشهدها سلطنة عمان، وهو ما يعد مكتسبا شديد الأهمية يعكس بوضوح تقدم جهود التنويع وتعزيز الاستدامة المالية والاقتصادية والتحول تدريجيا لكن بثبات نحو اقتصاد متنوع يستغل موارد النفط لكن لا يعتمد عليها بشكل رئيسي.

تحمل تقارير المؤسسات الدولية حول التطورات المالية والاقتصادية في مختلف الدول أهمية كبيرة، وهي ليست مجرد تقدير أو حكم من قبل المؤسسات الدولية على الأوضاع في إحدى الدول بل تأتي أهمية هذه التقارير أساسا نظرا لأنها مصدر رئيسي للمعلومات التي يبحث عنها المستثمرون قبل اتخاذ قرارهم بضخ استثماراتهم، وكلما كان التصنيف الائتماني للدولة قويا، فهو يعني أن الدولة لديها جدارة ائتمانية جيدة تؤهلها لجذب الاستثمارات وتمكنها من الاقتراض بكلفة ملائمة، إذا تطلبت ظروفها ذلك، في ظل الثقة في قدرتها المالية على الالتزام بالسداد في موعده، وكلما كان التصنيف ضعيفا تقل قدرة الدولة على جذب الاستثمارات كما ترتفع كلفة القروض والديون في حال الرغبة في الاقتراض من الأسواق الدولية.

وقبل أيام، جاء أحدث تقرير صادر عن وكالة ستاندرد أند بورز حول التصنيف الائتماني لسلطنة عمان ليثبت نفس التصنيف الذي صدر عن الوكالة قبل عدة أشهر، وبينما يعد تثبيت التصنيف أمرا إيجابيا في حد ذاته في ظل التحديات الضخمة المحيطة بالاقتصاد العالمي، لكن ربما الأهم هو ما رصده تقرير ستاندرد اند بورز من إمكانية رفع التصنيف خلال الفترة المقبلة، وما أشار إليه من جهود نحو الاستدامة الاقتصادية، وقد أوضح التقرير أنه من المتوقع أن تسهم الإجراءات المالية التي اتخذتها الحكومة في إطار الخطة متوسطة المدى، وتحسن أسعار النفط في تعزيز الموقف المالي لسلطنة عمان للعامين الحالي والمقبل، وأكدت الوكالة أن ارتفاع الإنتاج وأسعار النفط فضلا عن زيادة وتيرة المشروعات الاستثمارية هي عوامل تسهم في نمو اقتصاد سلطنة عمان، مشيرة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة 3 بالمائة في 2021، وارتفاعه إلى نحو 3.9 بالمائة في 2022، مع توقع نمو القطاع غير النفطي بمتوسط 2 بالمائة خلال الفترة 2024-2025م مقارنة بنمو يقدر بنحو 1.8 بالمائة في 2022

ومن جانب آخر، كان تقرير لوكالة فيتش خلال العام الجاري قد رفع تصنيف سلطنة عمان في ظل تحسن الوضع المالي، مشيرا إلى توقع أن يحقق الناتج المحلي لسلطنة عمان نموا من مكاسب الإصلاحات المالية التي سترفع عائدات الدولة من المصادر غير النفطية.

وبشكل متوالٍ قامت ستاندرد آند بورز وبقية الوكالات العالمية المتخصصة في التصنيف الائتماني خلال الأشهر الماضية برفع تصنيف سلطنة عمان بعد خفض مستمر للتصنيف على مدار عدة سنوات قبل بدء تنفيذ خطة التوازن المالي، كما رصدت تقارير صندوق النقد الدولي الجهود الكبيرة التي تمت لإعادة الاقتصاد للتعافي عقب الجائحة وتراجع النفط في 2014، إذ أسهمت الجهود واسعة النطاق وجيدة التنسيق التي اتخذتها حكومة سلطنة عمان أثناء الجائحة في التخفيف من آثار الجائحة ودعم مرحلة التعافي عبر حزمة دعم للأفراد والأسر والشركات المتضررين من تبعات الجائحة، كما رصد التقرير أن اقتصاد سلطنة عمان يواصل مسار التعافي، والتضخم تم احتواءه حتى الآن، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدل جيد في عام 2022، مستفيدا من الارتفاع في الإنتاج النفطي واستمرار تعافي الأنشطة غير النفطية.

وبعد تحديات ضخمة واجهها اقتصاد سلطنة عمان منذ التراجع الحاد في أسعار النفط في 2014 وما تلاه من تفشي الجائحة في 2020، يتم مواجهة هذه التحديات واحدا تلو الآخر عبر المبادرات التي استهدفت ضبط الأوضاع المالية وما تم طرحه من حزم وسياسات للتحفيز الاقتصادي، وكان من أهم نتائجها تقليص حجم الدين العام ووضعه على مسار التراجع، كما نجحت سلطنة عمان في إعادة الاقتصاد للتعافي رغم تبعات أزمتي تراجع النفط وتفشي الجائحة، والأكثر أهمية هو ترسيخ مسار النمو المعتمد على تنشيط أداء القطاعات غير النفطية، وقد أظهرت البيانات الرسمية انتهاء النصف الأول من هذا العام بتسجيل معدل نمو جيد مما يرفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى قياسي عند أكثر من 20 مليار ريال عماني خلال أول ستة أشهر من العام، ومن المتوقع أن يتحسن رصيد المالية العامة ليحقق فائضا قدره 5,5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022، مع توقع استمرار الفوائض على المدى المتوسط بسبب ارتفاع أسعار النفط واستمرار جهود الضبط المالي وفقا للخطة المالية متوسطة المدى.

كما يتوقع صندوق النقد حدوث تراجع كبير في الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 63 بالمائة في عام 2021 إلى 45 بالمائة في عام 2022. ومن جانب آخر، ومع ارتفاع الصادرات النفطية، من المتوقع أن يتحسن رصيد الحساب الجاري ليحقق فائضا قدره 6,8 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2022.

وبينما تتواصل في العالم حالة من عدم اليقين بشأن تبعات الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، والظروف المالية العالمية المضطربة بسبب التضخم ورفع أسعار الفائدة، وما يرتبط برفع الفائدة من مخاطر دخول الاقتصاد العالمي إلى دائرة الركود والانكماش، فضلا عن استمرار مشكلات سلاسل التوريد العالمية، لكن رغم كل هذه العوامل التي تلقي بظلال قاتمة على أفق الاقتصاد العالمي، فإن التطورات الاقتصادية الجارية في سلطنة عمان تؤكد على أن الجدية والسعي الحثيث في تعجيل تنفيذ الإصلاحات الهيكلية في إطار رؤية عمان 2040 وفي مقدمتها الاستدامة المالية واستدامة التنمية يمكن أن يتيح مواصلة النمو والتغلب على عديد من التحديات.

ويذكر أن خطة التحفيز الاقتصادي استهدفت دعم التعافي الاقتصادي بعد الجائحة، وذلك عبر وضع آليات وإجراءات مناسبة تضمن سرعة عودة الأنشطة الاقتصادية وضمان تحقيق معدلات نمو اقتصادي بشكل متسارع، وكانت الخطة تمهيدا لبدء تنفيذ كلٍ من الخطة العاشرة والرؤية المستقبلية، وتستهدف توجهات خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021-2025) التركيز على الأهداف ذات الأولوية، وتعنى بالدرجة الأولى بتحفيز النشاط الاقتصادي، وتطوير بيئة الاقتصاد الكلي. وشملت إجراءات ومبادرات تحفيز الاقتصاد جوانب تم تنفيذها بالفعل وأخرى يخطط لتنفيذها على المدى المتوسط أو الطويل، والأهداف الأساسية للمبادرات التي تتضمنها خطة التحفيز هي زيادة الطلب الكلي وزيادة العرض الكلي، وتحديد السياسات المالية التوسعية الهادفة لخفض الضرائب وتشجيع الإنفاق، وكذلك النظر في بعض الرسوم والإعفاءات التي تسهل تدفق الاستثمار، ومساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والحد من تعثرها، وإنعاش بيئة الأعمال، وتهيئة البيئة الاستثمارية فيما يخص سهولة ممارسة الأعمال والحصول على التراخيص.

ونتيجة سياسات التحفيز الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال كان من أهم النتائج المباشرة التي تحققت بالفعل هي الزيادة الملموسة في معدل النمو وكذلك حجم الاستثمارات الأجنبية والتسارع الملموس في وتيرة المشروعات الجديدة خلال الأشهر الماضية فضلا عن زيادة مستمرة في حجم الصادرات غير النفطية.