تصعيد بوتين وتردد أوروبا
الثلاثاء / 7 / ربيع الأول / 1444 هـ - 22:48 - الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 22:48
إن الضم غير القانوني لأربع مناطق في أوكرانيا من قبل فلاديمير بوتين الذي يدّعي أنها أصبحت الآن جزءًا من روسيا يمثل تصعيدًا كبيرًا للحرب التي شنها في فبراير. إن المقارنات مع استراتيجية التوسعية القديمة تزداد قوة يومًا بعد يوم.
ومع ذلك وفي بعض أنحاء أوروبا ما تزال هناك رغبة في منح بوتين جزءًا مما يريده على أقل تقدير على افتراض أنه سيتوقف عندئذٍ وأنه يمكن أن تعود العلاقات الاقتصادية بشكل جزئي إلى ما كانت عليه في السابق. يتبنى صناعيون ألمان بارزون في بعض المحادثات الخاصة فكرة الاسترضاء على طريقة ميونخ. لكن مصالحة نيفيل تشامبرلين لم توقف هتلر.
لحسن الحظ هناك طريقة أفضل: وهي قيام الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات رئيسية تتعلق بالحفاظ على الطاقة ومصادر الطاقة المتجددة إلى جانب وضع سقف سعر محدود لصادرات النفط والفحم الروسية والاستعداد لخفض هذا السقف في كل مرة يقوم فيها بوتين بالتصعيد. إن الحرب الروسية قد كشف بشكل كامل عن أكبر نقطة ضعف في أوروبا وهي أنه خلال العقود الثلاثة الماضية تبنى قادة أوروبا الغربية -وخاصة في ألمانيا- فكرة أن روسيا كانت وستظل من الموردين الموثوقين للطاقة الرخيصة. لقد تم بناء قطاعات صناعية كاملة على هذا الأساس بالإضافة إلى بعض الثروات الشخصية، نحن نعلم الآن أن هذا كان فخًا. إذ تكلّف الحرب على أوكرانيا حوالي مليار يورو (980 مليون دولار) باليوم وهو ما تحصل عليه روسيا تقريبًا من بيع الوقود الأحفوري إلى أوروبا. لقد فتح المواطنون الأوروبيون قلوبهم ومنازلهم للاجئين الأوكرانيين ولكن كمستهلكين ومنتجين يواصلون إرسال العملة الصعبة التي يحتاجها بوتين لإبقاء هؤلاء اللاجئين بعيدين عن منازلهم وضرب غرف معيشة أولئك الذين بقوا في أوكرانيا بطائرات انتحارية إيرانية بدون طيار. إن هناك حاجة للعملة الصعبة من أجل شراء إمدادات تتعلق بالعمل العسكري من الصين (بما في ذلك للصواريخ) ومجموعة من المعدات العسكرية من كوريا الشمالية. هناك حاجة أيضًا إلى اليورو من أجل منع الروبل من الانهيار. مما لا شك فيه أن مئات الآلاف من الرجال في سن التجنيد الفارين من روسيا يأخذون مدخراتهم معهم حيث يقومون بتحويل تلك الأموال من الروبل إلى شكل من أشكال العملات الأجنبية، ومع تجميد الاحتياطي الروسي من العملات الأجنبية يحتاج البنك المركزي الروسي إلى التدفق اليومي لليورو الذي يأتي من مبيعات الطاقة الأوروبية.
والآن يُشتبه بأن الروس هاجموا خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم. لم يكن الهدف تعطيل تدفق الغاز -فهم لا يحتاجون إلى التخريب للقيام بذلك ولم تكن خطوط الأنابيب تحمل الكثير من الغاز للبيع، وفي واقع الأمر يختبر بوتين حدود ما يمكن لنظامه أن يعمله من دون أي عواقب.
ما الذي سيحصل لو اشتعلت النيران في مصفاة نفط؟ ماذا لو وقع «حادث» في محطة للطاقة النووية؟ يريد بوتين أن يعرف كيف سيرد القادة الأوروبيون، معتقدًا أنهم على الأرجح لن يفعلوا شيئًا خوفًا من المزيد من الصراع العسكري المباشر مع روسيا، وبمجرد أن يجد بوتين نقاط الضغط الصحيحة، فإنه سيلجأ إلى المزيد من التصعيد، بهدف قطع إمدادات أوكرانيا من الأسلحة والدعم المالي.
إن الرد الصحيح من أوروبا في هذا الوضع يجب أن يتألف من ثلاثة عناصر. أولا: يجب أن يتبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية لكامل أوروبا تعمل على تطبيق جميع تدابير كفاءة الطاقة الممكنة على الفور إلى جانب برنامج يتم التنسيق بشأنه بشكل جماعي للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وسيكون من السهل على الاتحاد الأوروبي إقناع أسواق الديون بضرورة أن يكون هناك تحول رئيسي في مصادر الطاقة على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة، حيث ستتعدى الفوائد أوروبا لتشمل أجزاء أخرى كبيرة من العالم. يجب أن يفكر الأوروبيون في الوظائف التي سيتم إنشاؤها والتكنولوجيا التي يمكن تحسينها بواسطة بعض من أكثر الأشخاص إبداعًا في العالم إذا تم الالتزام بالنوعية والمستوى المناسب من الموارد وبطريقة متكاملة.
إن العنصر الثاني هو تبني الحد الأقصى لسعر النفط الروسي المقترح من مجموعة السبع بشكل صحيح مع التنفيذ الكامل وتطبيق المبدأ نفسه على الفحم الروسي، وفي كلتا الحالتين تعد سفن الاتحاد الأوروبي وخدماته المالية ضرورية للصادرات الروسية، وبموجب المخطط المقترح يمكن لهذه الصادرات الاستمرار في استخدام الخدمات الغربية، ولكن فقط في حالة كان السعر المدفوع لروسيا أقل من السعر العالمي.
يتعلق العنصر الأخير بالمدى الذي يمكن الوصول إليه فيما يتعلق بتطبيق «أقل من السعر العالمي» عند تحديد الحد الأقصى للسعر فعلى سبيل المثال لو كانت مجموعة السبع الكبار تنظر سابقًا في وضع حد أقصى للسعر بمقدار 50 دولارًا، فإن هجمات نورد ستريم يجب أن تؤدي إلى تخفيض ذلك إلى 45 دولارًا كما أن الضم الرباعي يجب أن يخفّض السعر بشكل أكبر وربما ليصل إلى 35 دولارًا. نظرًا إلى أن التكلفة الهامشية لإنتاج النفط الروسي هي أقل من 10 دولارات، سيظل لدى الكرملين حافز للتصدير. لو انسحب بوتين من أوكرانيا يمكن السماح لسقف السعر بالارتفاع مجددًا، ولكن ما هو مقدار التدفق النقدي الحر الذي يمكن لأوروبا أن تسمح لبوتين -أو أي نظام روسي- أن يكسبه في المستقبل المنظور؟
سيمون جونسون كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي وأستاذ في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
خدمة بروجيكت سنديكيت
ومع ذلك وفي بعض أنحاء أوروبا ما تزال هناك رغبة في منح بوتين جزءًا مما يريده على أقل تقدير على افتراض أنه سيتوقف عندئذٍ وأنه يمكن أن تعود العلاقات الاقتصادية بشكل جزئي إلى ما كانت عليه في السابق. يتبنى صناعيون ألمان بارزون في بعض المحادثات الخاصة فكرة الاسترضاء على طريقة ميونخ. لكن مصالحة نيفيل تشامبرلين لم توقف هتلر.
لحسن الحظ هناك طريقة أفضل: وهي قيام الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات رئيسية تتعلق بالحفاظ على الطاقة ومصادر الطاقة المتجددة إلى جانب وضع سقف سعر محدود لصادرات النفط والفحم الروسية والاستعداد لخفض هذا السقف في كل مرة يقوم فيها بوتين بالتصعيد. إن الحرب الروسية قد كشف بشكل كامل عن أكبر نقطة ضعف في أوروبا وهي أنه خلال العقود الثلاثة الماضية تبنى قادة أوروبا الغربية -وخاصة في ألمانيا- فكرة أن روسيا كانت وستظل من الموردين الموثوقين للطاقة الرخيصة. لقد تم بناء قطاعات صناعية كاملة على هذا الأساس بالإضافة إلى بعض الثروات الشخصية، نحن نعلم الآن أن هذا كان فخًا. إذ تكلّف الحرب على أوكرانيا حوالي مليار يورو (980 مليون دولار) باليوم وهو ما تحصل عليه روسيا تقريبًا من بيع الوقود الأحفوري إلى أوروبا. لقد فتح المواطنون الأوروبيون قلوبهم ومنازلهم للاجئين الأوكرانيين ولكن كمستهلكين ومنتجين يواصلون إرسال العملة الصعبة التي يحتاجها بوتين لإبقاء هؤلاء اللاجئين بعيدين عن منازلهم وضرب غرف معيشة أولئك الذين بقوا في أوكرانيا بطائرات انتحارية إيرانية بدون طيار. إن هناك حاجة للعملة الصعبة من أجل شراء إمدادات تتعلق بالعمل العسكري من الصين (بما في ذلك للصواريخ) ومجموعة من المعدات العسكرية من كوريا الشمالية. هناك حاجة أيضًا إلى اليورو من أجل منع الروبل من الانهيار. مما لا شك فيه أن مئات الآلاف من الرجال في سن التجنيد الفارين من روسيا يأخذون مدخراتهم معهم حيث يقومون بتحويل تلك الأموال من الروبل إلى شكل من أشكال العملات الأجنبية، ومع تجميد الاحتياطي الروسي من العملات الأجنبية يحتاج البنك المركزي الروسي إلى التدفق اليومي لليورو الذي يأتي من مبيعات الطاقة الأوروبية.
والآن يُشتبه بأن الروس هاجموا خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم. لم يكن الهدف تعطيل تدفق الغاز -فهم لا يحتاجون إلى التخريب للقيام بذلك ولم تكن خطوط الأنابيب تحمل الكثير من الغاز للبيع، وفي واقع الأمر يختبر بوتين حدود ما يمكن لنظامه أن يعمله من دون أي عواقب.
ما الذي سيحصل لو اشتعلت النيران في مصفاة نفط؟ ماذا لو وقع «حادث» في محطة للطاقة النووية؟ يريد بوتين أن يعرف كيف سيرد القادة الأوروبيون، معتقدًا أنهم على الأرجح لن يفعلوا شيئًا خوفًا من المزيد من الصراع العسكري المباشر مع روسيا، وبمجرد أن يجد بوتين نقاط الضغط الصحيحة، فإنه سيلجأ إلى المزيد من التصعيد، بهدف قطع إمدادات أوكرانيا من الأسلحة والدعم المالي.
إن الرد الصحيح من أوروبا في هذا الوضع يجب أن يتألف من ثلاثة عناصر. أولا: يجب أن يتبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية لكامل أوروبا تعمل على تطبيق جميع تدابير كفاءة الطاقة الممكنة على الفور إلى جانب برنامج يتم التنسيق بشأنه بشكل جماعي للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وسيكون من السهل على الاتحاد الأوروبي إقناع أسواق الديون بضرورة أن يكون هناك تحول رئيسي في مصادر الطاقة على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة، حيث ستتعدى الفوائد أوروبا لتشمل أجزاء أخرى كبيرة من العالم. يجب أن يفكر الأوروبيون في الوظائف التي سيتم إنشاؤها والتكنولوجيا التي يمكن تحسينها بواسطة بعض من أكثر الأشخاص إبداعًا في العالم إذا تم الالتزام بالنوعية والمستوى المناسب من الموارد وبطريقة متكاملة.
إن العنصر الثاني هو تبني الحد الأقصى لسعر النفط الروسي المقترح من مجموعة السبع بشكل صحيح مع التنفيذ الكامل وتطبيق المبدأ نفسه على الفحم الروسي، وفي كلتا الحالتين تعد سفن الاتحاد الأوروبي وخدماته المالية ضرورية للصادرات الروسية، وبموجب المخطط المقترح يمكن لهذه الصادرات الاستمرار في استخدام الخدمات الغربية، ولكن فقط في حالة كان السعر المدفوع لروسيا أقل من السعر العالمي.
يتعلق العنصر الأخير بالمدى الذي يمكن الوصول إليه فيما يتعلق بتطبيق «أقل من السعر العالمي» عند تحديد الحد الأقصى للسعر فعلى سبيل المثال لو كانت مجموعة السبع الكبار تنظر سابقًا في وضع حد أقصى للسعر بمقدار 50 دولارًا، فإن هجمات نورد ستريم يجب أن تؤدي إلى تخفيض ذلك إلى 45 دولارًا كما أن الضم الرباعي يجب أن يخفّض السعر بشكل أكبر وربما ليصل إلى 35 دولارًا. نظرًا إلى أن التكلفة الهامشية لإنتاج النفط الروسي هي أقل من 10 دولارات، سيظل لدى الكرملين حافز للتصدير. لو انسحب بوتين من أوكرانيا يمكن السماح لسقف السعر بالارتفاع مجددًا، ولكن ما هو مقدار التدفق النقدي الحر الذي يمكن لأوروبا أن تسمح لبوتين -أو أي نظام روسي- أن يكسبه في المستقبل المنظور؟
سيمون جونسون كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي وأستاذ في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
خدمة بروجيكت سنديكيت