صورة الأبوين في رواية «الأشياء ليست في أماكنها»
الاثنين / 6 / ربيع الأول / 1444 هـ - 22:56 - الاثنين 3 أكتوبر 2022 22:56
تُقدّم لنا رواية (الأشياء ليست في أماكنها) لهدى حمد الصادرة عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان ضمن كتاب مجلة نزوى عام 2010 صورةً واضحة عن علاقة الأسرة فيما بينها، وعلاقة الأسرة بالمجتمع لتُظهر لنا مجموعة من الأنساق المضمرة في الخطاب السردي حاول المجتمع إخفاءها وعدم التطرق لها في مجتمعاتنا، أو طمرها بالإعراض عنها. تكشفُ الرواية عن المضمرات النسقية للمجتمع القروي بتناول أُسَرٍ مجتمعية تمثل حضور القيم في حياتها، وتنطلق الرواية مع كل من (أمل ومنى ومحسن) إلى عالم السرد وإلى تحديد مضمراته النسقية.
تتصارع الأسرة في مواجهة المجتمع، فتنطلق الأحداث من صراع عنصري تقذفه الطفلة حنان في وجه صديقتها أمل متخذة من العنصرية والطبقية حدثاً لتوسعِ الأحداث وانتقالها من مجرد ألفاظ تدور بين أفراد المجتمع إلى أيديولوجيا خاصة وقواعد يتمسك بها أفراد المجتمع، نجد ذلك في اختيار منى ذات الأصل الطيب زوجة لمحسن بالرغم من ميله إلى أمل ذات الأصل الأقل في نظر المجتمع.
ويظهر الصراع بأشكاله المختلفة واضحا في الأسرة الواحدة، مما يدفع الأحداث ويسيّرها، كما ترسم الرواية صورة للأبوين من زاوية رؤية الأبناء لهم، وإعادة تشكيلها وتداخلها في العمل السردي.
ترسم «منى» في الرواية صورة مختلفة لأمها؛ فالأم هنا مسيطرة على جميع أفراد البيت، وتتدخل في حياة أبنائها، وفي شرائهم للهدايا، وفي خروجهم من المنزل، وتُظهر صرامة كبيرة في تربية الأبناء، فهي تعاقبُ بشدة، وتنفرد برأي قوي خلاف الأب الذي تختفي شخصيته كليا في المنزل. تتذكر منى أنّ أمها ذات طبع حاد فقد كوت فخذها بالميسم فقط لأنها اكتشفت أنّ ابنتها تمتلك صورة رسمتها لحمود ابن جيرانهم، وضربتها يوما ضربا مبرحا بسبب تأخرها في المزرعة لما بعد صلاة المغرب، إضافة إلى حبسها في البيت بعد البلوغ.
إنّ سبب هذه الصورة المتسلطة للأم في نظر منى هو الخوف من العار والفضيحة، فالأم تخشى من لسان المجتمع، تقول منى عن أمها: «أمي لم ترث من جدي أكثر من تلك الخشية من عيون الفضيحة».
وتكبرُ صورة الأم المتسلطة بين الأبناء لا سيما في غياب شخصية الأب الهادئة، التي لا تملك أي قرار يواجه قرار الأم، حتى في اختيار الزوج (محسن) الذي تقدّم للزواج من ابنتها منى، فقد رفضته في بداية الأمر معلّلة ذلك بأنه يشبه صورة والد منى أي إنه «رجل لا يهش ولا ينش» على حد تعبيرها. وتعقد منى مقارنة بين أمها المتسلطة على الدوام وأم صديقتها أمل التي أعطت ابنتها مساحة من الحرية، الاثنتان تختلفان في التفكير وفرض القرارات.
لقد ظهر التأثير الكبير لشخصية الأم على شخصية البنت، كما أثّر ذلك نفسيا في حياتها الزوجية، ففي كل لحظة تقوم منى باسترجاع الماضي في حياتها نجد أمها قد زرعت بذرتها القوية في نفس ابنتها مما أحدث شرخا نفسيا في حياتها، وفي علاقتها بزوجها، وفي علاقتها بالآخر المتخيَّل. تسترجع منى حياة الطفولة والعقوبات المستمرة من والدتها، تسترجع لحظات التبوّل المستمر مع كل عقوبة تنفذها الأم عليها، تعترف منى بذلك قائلة: «أفقتُ على أمي وهي تضع الكمادات على رأسي، والحزن يغلف ملامحها، لماذا تفعل هذا الآن؟ لماذا؟ ضربتْني إلى أنْ تبوَّلْتُ في ثيابي دون أن تشفق عليّ، والآن ترشقني بكل هذا الاهتمام المتكلف؟ لماذا تدعي أنها الأم الحنونة المرتبكة لحرارتي المرتفعة، لماذا نضطر لأن نتعامل بنزاهة مع الأم أيا كانت طباعها؟ علينا دائما أن نقول في المدرسة أنَّ الأم هي أهم شخص في حياتي! يا إلهي، في المرة القادمة لن أكون جبانة، سأقول بأني لا أحب أمي وبأنها عبء كبير على أحلامي، سأقول أشياء كثيرة ولن أشعر بالخجل كالأخريات اللواتي يدعين أنّ أمهاتهن صالحات. أمي لا تفعل شيئا سوى إسداء الأوامر والتنبيهات، تتعامل معي وكأني لا أجيد فعل أي شيء في الحياة دون تلك المراقبة التي تقترفها كل يوم، وهي تقرر كل شيء بالنيابة عني». كما تظهر في الرواية صورتان مختلفتان للأب، صورة لوالد أمل، وصورة لوالد صديقتها منى. والد أمل فقيرٌ، يمدّ يده لأهل الحارة حتى يزودوه ببعض الريالات آخر الشهر. فتُظهر أمل امتعاضها من الفقر الذي عليه والدها، فهو يكدّ عليهم من العمل في النخيل ويجازف رغم كبر سنه بطلوع النخلات الطويلات، تشير أمل إلى الحال التي عليها والدها: «وفي العيد كان يعود إلينا فرحـا بالـريالات التي يأخـذها كالصـغار عيـدية من الأهـالي.
وهنالك من يمنحه أكياس الطحين، أو حب القهوة، أو بعض «الإزارات» الجديدة، أو المصار المستعملة التي أتعبها الالتفاف على الرؤوس، كما أتلف خيوطها الغسيل المتكرر».
إنّ الحال التي عليها أمل وامتعاضها من عمل والدها البسيط وراءه سبب آخر، وهو أنّ أسرتها تنتمي طبقيا في نظر المجتمع إلى فئة ذات مستوى طبقي أقل، وهو الذي شكّل حالة نفسية أخرى تضاف إلى الحالات التي هي عليها: اللون، فقر الأب، قبول منى في الجامعة وعدم قبولها، كل ذلك جعلها ترسم صورة لأبيها لحظة حديثها عن الشَّقّة (عش الغرام) التي تلتقي فيها بمحسن. إنّ والد أمل كان من البساطة والفقر حيث كان يشعر بالرضا كلما أرسلتْ له ابنته آخر الشهر نصف مرتبها، ورغم فقره فإنه كان يجتهد في توفير احتياجات ابنته حتى لا تشعر بالنقص أمام زميلاتها، فكان المبلغ الذي ترسله له رغبة منها ليترك العمل في النخيل في هذه السن.
ترتبط صورة الأب في ذهن ابنته لحظة التقائها مع محسن في الشقة، مما يحيل على الحالة النفسية التي وصلت إليها تجاه المجتمع بسبب لونها وتمييزها العنصري، والتي بسببها قرّرتْ تفريغ هذه المكبوتات عن طريق إقامة علاقة مع خلّوف، ثم بعد ذلك مع محسن، فما قيمة هذا الجسد –كما ترى- والمجتمع ينظر إليه كونه شيئا محتقرا؟
وتتشكّل صورة أخرى للأب لدى منى صديقة أمل؛ وذلك برسم صورة الأب الذي لا دور له في حياة الأسرة، وتكون الأم بديلة للأب في البيت. والد منى كان طيباً، وحنوناً، لكنه يجيد الانسحاب من حياة ابنته وإخوتها، وتشعر دائماً أنّ وجوده طارئ على الأسرة. لذا كان لا بدّ من ظهور الأب البديل حتى تستقر الحياة الأسرية، فكان أنْ تحوّل الدور القيادي من الأب إلى الأم، تروي منى قائلة في حوار بينها وبين أمها:
- «وأبي؟
- وهل أبوكِ رجل؟ إما في سفره أو في منزله، لا يعرفه أحد في الحارة، لا أحد يحترمه أبدا، لولا أني أقدّم الخير، وأتواصل مع الآخرين، لما وضع لنا الناس أي قدر أو أي اعتبار».
لقد شكّلتْ صورة الأب لدى كل من أمل ومنى هاجساً يتردد في مخيلة كل واحدة منهما، فأمل رغم حياة اللهو التي تعيشها بعيدا عن أهلها فإنّ ذاكرتها مليئة بصورة الأب الفقيرة الجريحة بعادات المجتمع، ومنى رغم زواجها بمحسن واستقرارها بعيداً عن القرية فإنّ شخصية الأم المتمثلة في الأب البديل، وسلبية شخصية الأب ظلّت حاضرة في ذاكرتها مما أوجد لها صراعاً نفسياً مع الشخصيات في العمل السردي.
ــ المقالة جزءٌ من كتاب سيُنشرُ قريبا للكاتب.
تتصارع الأسرة في مواجهة المجتمع، فتنطلق الأحداث من صراع عنصري تقذفه الطفلة حنان في وجه صديقتها أمل متخذة من العنصرية والطبقية حدثاً لتوسعِ الأحداث وانتقالها من مجرد ألفاظ تدور بين أفراد المجتمع إلى أيديولوجيا خاصة وقواعد يتمسك بها أفراد المجتمع، نجد ذلك في اختيار منى ذات الأصل الطيب زوجة لمحسن بالرغم من ميله إلى أمل ذات الأصل الأقل في نظر المجتمع.
ويظهر الصراع بأشكاله المختلفة واضحا في الأسرة الواحدة، مما يدفع الأحداث ويسيّرها، كما ترسم الرواية صورة للأبوين من زاوية رؤية الأبناء لهم، وإعادة تشكيلها وتداخلها في العمل السردي.
ترسم «منى» في الرواية صورة مختلفة لأمها؛ فالأم هنا مسيطرة على جميع أفراد البيت، وتتدخل في حياة أبنائها، وفي شرائهم للهدايا، وفي خروجهم من المنزل، وتُظهر صرامة كبيرة في تربية الأبناء، فهي تعاقبُ بشدة، وتنفرد برأي قوي خلاف الأب الذي تختفي شخصيته كليا في المنزل. تتذكر منى أنّ أمها ذات طبع حاد فقد كوت فخذها بالميسم فقط لأنها اكتشفت أنّ ابنتها تمتلك صورة رسمتها لحمود ابن جيرانهم، وضربتها يوما ضربا مبرحا بسبب تأخرها في المزرعة لما بعد صلاة المغرب، إضافة إلى حبسها في البيت بعد البلوغ.
إنّ سبب هذه الصورة المتسلطة للأم في نظر منى هو الخوف من العار والفضيحة، فالأم تخشى من لسان المجتمع، تقول منى عن أمها: «أمي لم ترث من جدي أكثر من تلك الخشية من عيون الفضيحة».
وتكبرُ صورة الأم المتسلطة بين الأبناء لا سيما في غياب شخصية الأب الهادئة، التي لا تملك أي قرار يواجه قرار الأم، حتى في اختيار الزوج (محسن) الذي تقدّم للزواج من ابنتها منى، فقد رفضته في بداية الأمر معلّلة ذلك بأنه يشبه صورة والد منى أي إنه «رجل لا يهش ولا ينش» على حد تعبيرها. وتعقد منى مقارنة بين أمها المتسلطة على الدوام وأم صديقتها أمل التي أعطت ابنتها مساحة من الحرية، الاثنتان تختلفان في التفكير وفرض القرارات.
لقد ظهر التأثير الكبير لشخصية الأم على شخصية البنت، كما أثّر ذلك نفسيا في حياتها الزوجية، ففي كل لحظة تقوم منى باسترجاع الماضي في حياتها نجد أمها قد زرعت بذرتها القوية في نفس ابنتها مما أحدث شرخا نفسيا في حياتها، وفي علاقتها بزوجها، وفي علاقتها بالآخر المتخيَّل. تسترجع منى حياة الطفولة والعقوبات المستمرة من والدتها، تسترجع لحظات التبوّل المستمر مع كل عقوبة تنفذها الأم عليها، تعترف منى بذلك قائلة: «أفقتُ على أمي وهي تضع الكمادات على رأسي، والحزن يغلف ملامحها، لماذا تفعل هذا الآن؟ لماذا؟ ضربتْني إلى أنْ تبوَّلْتُ في ثيابي دون أن تشفق عليّ، والآن ترشقني بكل هذا الاهتمام المتكلف؟ لماذا تدعي أنها الأم الحنونة المرتبكة لحرارتي المرتفعة، لماذا نضطر لأن نتعامل بنزاهة مع الأم أيا كانت طباعها؟ علينا دائما أن نقول في المدرسة أنَّ الأم هي أهم شخص في حياتي! يا إلهي، في المرة القادمة لن أكون جبانة، سأقول بأني لا أحب أمي وبأنها عبء كبير على أحلامي، سأقول أشياء كثيرة ولن أشعر بالخجل كالأخريات اللواتي يدعين أنّ أمهاتهن صالحات. أمي لا تفعل شيئا سوى إسداء الأوامر والتنبيهات، تتعامل معي وكأني لا أجيد فعل أي شيء في الحياة دون تلك المراقبة التي تقترفها كل يوم، وهي تقرر كل شيء بالنيابة عني». كما تظهر في الرواية صورتان مختلفتان للأب، صورة لوالد أمل، وصورة لوالد صديقتها منى. والد أمل فقيرٌ، يمدّ يده لأهل الحارة حتى يزودوه ببعض الريالات آخر الشهر. فتُظهر أمل امتعاضها من الفقر الذي عليه والدها، فهو يكدّ عليهم من العمل في النخيل ويجازف رغم كبر سنه بطلوع النخلات الطويلات، تشير أمل إلى الحال التي عليها والدها: «وفي العيد كان يعود إلينا فرحـا بالـريالات التي يأخـذها كالصـغار عيـدية من الأهـالي.
وهنالك من يمنحه أكياس الطحين، أو حب القهوة، أو بعض «الإزارات» الجديدة، أو المصار المستعملة التي أتعبها الالتفاف على الرؤوس، كما أتلف خيوطها الغسيل المتكرر».
إنّ الحال التي عليها أمل وامتعاضها من عمل والدها البسيط وراءه سبب آخر، وهو أنّ أسرتها تنتمي طبقيا في نظر المجتمع إلى فئة ذات مستوى طبقي أقل، وهو الذي شكّل حالة نفسية أخرى تضاف إلى الحالات التي هي عليها: اللون، فقر الأب، قبول منى في الجامعة وعدم قبولها، كل ذلك جعلها ترسم صورة لأبيها لحظة حديثها عن الشَّقّة (عش الغرام) التي تلتقي فيها بمحسن. إنّ والد أمل كان من البساطة والفقر حيث كان يشعر بالرضا كلما أرسلتْ له ابنته آخر الشهر نصف مرتبها، ورغم فقره فإنه كان يجتهد في توفير احتياجات ابنته حتى لا تشعر بالنقص أمام زميلاتها، فكان المبلغ الذي ترسله له رغبة منها ليترك العمل في النخيل في هذه السن.
ترتبط صورة الأب في ذهن ابنته لحظة التقائها مع محسن في الشقة، مما يحيل على الحالة النفسية التي وصلت إليها تجاه المجتمع بسبب لونها وتمييزها العنصري، والتي بسببها قرّرتْ تفريغ هذه المكبوتات عن طريق إقامة علاقة مع خلّوف، ثم بعد ذلك مع محسن، فما قيمة هذا الجسد –كما ترى- والمجتمع ينظر إليه كونه شيئا محتقرا؟
وتتشكّل صورة أخرى للأب لدى منى صديقة أمل؛ وذلك برسم صورة الأب الذي لا دور له في حياة الأسرة، وتكون الأم بديلة للأب في البيت. والد منى كان طيباً، وحنوناً، لكنه يجيد الانسحاب من حياة ابنته وإخوتها، وتشعر دائماً أنّ وجوده طارئ على الأسرة. لذا كان لا بدّ من ظهور الأب البديل حتى تستقر الحياة الأسرية، فكان أنْ تحوّل الدور القيادي من الأب إلى الأم، تروي منى قائلة في حوار بينها وبين أمها:
- «وأبي؟
- وهل أبوكِ رجل؟ إما في سفره أو في منزله، لا يعرفه أحد في الحارة، لا أحد يحترمه أبدا، لولا أني أقدّم الخير، وأتواصل مع الآخرين، لما وضع لنا الناس أي قدر أو أي اعتبار».
لقد شكّلتْ صورة الأب لدى كل من أمل ومنى هاجساً يتردد في مخيلة كل واحدة منهما، فأمل رغم حياة اللهو التي تعيشها بعيدا عن أهلها فإنّ ذاكرتها مليئة بصورة الأب الفقيرة الجريحة بعادات المجتمع، ومنى رغم زواجها بمحسن واستقرارها بعيداً عن القرية فإنّ شخصية الأم المتمثلة في الأب البديل، وسلبية شخصية الأب ظلّت حاضرة في ذاكرتها مما أوجد لها صراعاً نفسياً مع الشخصيات في العمل السردي.
ــ المقالة جزءٌ من كتاب سيُنشرُ قريبا للكاتب.