نوافذ.. باقي الوشم أو في انتظار ربيع حمضة السحاب
الأربعاء / 1 / ربيع الأول / 1444 هـ - 15:28 - الأربعاء 28 سبتمبر 2022 15:28
بشرى خلفان-01
تخيل أن ينقضي عمرك في الانتظار، انتظار زوال الخوف، وفقدان القليل الذي بين يديك، تخيل أن تقضي حياتك منتظرا أن يعترف بميلادك وبموتك وبزواجك وبحقك في التعليم والحصول على شهادتك التي اجتهدت لأجلها، تخيل أنك غير موجود في أي سجل من سجلات العالم لكنك مع ذلك موجود، وموجود جدا بكل صخب وجودك وقلقه وجراحه وأسئلته وعذاباته وعبثيته، تخيل أنك تعيش في مكان تشعر بالانتماء الكامل إليه وتكون شاعره وجنديه، لكنه يصر مع كل ذلك على إشعارك بأنك منبت وفائض وغير مرغوب فيك ومرفوض بكل تفاصيلك ووشومك، فتصبح معلق دوما بخيط من الرجاء لا يكف اليأس عن حكه.
هذه حكاية ذرية حمضة السحاب، جدة عبدالله الراوي داخل رواية باقي الوشم، للروائي الكويتي عبدالله الحسيني، الصادرة عن دار تكوين قبل شهر تقريبا، والتي تعالج قضية 'البدون' من داخل البيت بالمعنى الحرفي لا المجازي، ذلك البيت الذي ابتني في أطراف الصحراء وظل عالقا فيها بكلا المعنيين، هذا الانتظار كان له وجهان أو فلنقل نغمتان، نغمة حمضة السحاب ونغمة أحفادها مع تباين توترها وحدتها.
لكن الرواية ليست الحكاية، الرواية تكمن فيما هو أبعد من الحكاية، أبعد من قضيتها، ومن الأحداث وتسلسلها الزمني ومكان وقوعها، الرواية تكمن في التفاصيل، نعم هناك حيث يختبئ الخير والشر معا، وهناك حيث نحتاج كروائيين قياسا دقيقا لما يحتاجه النص وما يفيض عليه، الرواية تكمن في لعبة تباين الضوء والظلال، أليس كذلك؟ كما تكمن في طبقات السرد وما يندس بينها.
ذكاء الحسيني في 'باقي الوشم' هو ليس في التحكم في ذلك كله فقط، ليخلق عملا أشبه بجرح، بل أيضا في القدرة على خلق المعادل الموضوعي للحكاية منسوجا في داخل التفاصيل مثل نجوم يهتدى بها، هذا المعادل يجعل من الكتابة فنا، فخلق البرد والانتظار والأغطية والربيع ومطالع النجوم والوشوم والثلج، لتحاكي تفاصيل حكاية 'البدون' الممتدة والموجعة.
نسج عبدالله حمضة السحاب بمهارة فائقة، أعطاها ظلا فصرت أراها، حتى صارت صورتها موشومة في قلبي، إذ رأيتها ملتفة في دثارها وهي ترقص وتمشي وتضحك وهي تغلق بابها على نفسها لتبكي، وهي ترتجف من برد لا يشعر به غيرها، ومع مضي السرد صرت أخاف عليها وأريد أن أجنبها انكسار القلب ومرارة حزن الأمهات، ومثلها أيضا صرت ارتجف في انتظار الربيع.
ما استطاعه عبدالله الحسيني في هذه الرواية وبجدارة، هو سرد كل شيء بحقيقية، بصدق شديد، بصوت الراوي الشاب الذي يراقب ويحكي حكاية جدته، بحياد تام، حياد الذي يرى ويعرف لكنه يدرك أيضا أنه لا يملك إلا أن يحكيه كما هو وبأقل قدر من التورط، وبهدوء الروائي الذي يفهم أن القضايا الكبيرة لا تحب الصراخ بقدر ما تحب الصدق والوضوح ومخاتلة الضوء والظلال، وأن السرد، الفن في السرد يأتي من الاستغناء عن الفائض في كل ما يعوق رشاقة العبارة وذكائها، وأن هذا الذكاء لا يظهر في الكثير بل في القليل المركز الذاهب إلى غايات المعنى، تلك الغايات التي جمعتها حمضة السحاب في حياتها الطويلة والشقية بالانتظار.
هذه حكاية ذرية حمضة السحاب، جدة عبدالله الراوي داخل رواية باقي الوشم، للروائي الكويتي عبدالله الحسيني، الصادرة عن دار تكوين قبل شهر تقريبا، والتي تعالج قضية 'البدون' من داخل البيت بالمعنى الحرفي لا المجازي، ذلك البيت الذي ابتني في أطراف الصحراء وظل عالقا فيها بكلا المعنيين، هذا الانتظار كان له وجهان أو فلنقل نغمتان، نغمة حمضة السحاب ونغمة أحفادها مع تباين توترها وحدتها.
لكن الرواية ليست الحكاية، الرواية تكمن فيما هو أبعد من الحكاية، أبعد من قضيتها، ومن الأحداث وتسلسلها الزمني ومكان وقوعها، الرواية تكمن في التفاصيل، نعم هناك حيث يختبئ الخير والشر معا، وهناك حيث نحتاج كروائيين قياسا دقيقا لما يحتاجه النص وما يفيض عليه، الرواية تكمن في لعبة تباين الضوء والظلال، أليس كذلك؟ كما تكمن في طبقات السرد وما يندس بينها.
ذكاء الحسيني في 'باقي الوشم' هو ليس في التحكم في ذلك كله فقط، ليخلق عملا أشبه بجرح، بل أيضا في القدرة على خلق المعادل الموضوعي للحكاية منسوجا في داخل التفاصيل مثل نجوم يهتدى بها، هذا المعادل يجعل من الكتابة فنا، فخلق البرد والانتظار والأغطية والربيع ومطالع النجوم والوشوم والثلج، لتحاكي تفاصيل حكاية 'البدون' الممتدة والموجعة.
نسج عبدالله حمضة السحاب بمهارة فائقة، أعطاها ظلا فصرت أراها، حتى صارت صورتها موشومة في قلبي، إذ رأيتها ملتفة في دثارها وهي ترقص وتمشي وتضحك وهي تغلق بابها على نفسها لتبكي، وهي ترتجف من برد لا يشعر به غيرها، ومع مضي السرد صرت أخاف عليها وأريد أن أجنبها انكسار القلب ومرارة حزن الأمهات، ومثلها أيضا صرت ارتجف في انتظار الربيع.
ما استطاعه عبدالله الحسيني في هذه الرواية وبجدارة، هو سرد كل شيء بحقيقية، بصدق شديد، بصوت الراوي الشاب الذي يراقب ويحكي حكاية جدته، بحياد تام، حياد الذي يرى ويعرف لكنه يدرك أيضا أنه لا يملك إلا أن يحكيه كما هو وبأقل قدر من التورط، وبهدوء الروائي الذي يفهم أن القضايا الكبيرة لا تحب الصراخ بقدر ما تحب الصدق والوضوح ومخاتلة الضوء والظلال، وأن السرد، الفن في السرد يأتي من الاستغناء عن الفائض في كل ما يعوق رشاقة العبارة وذكائها، وأن هذا الذكاء لا يظهر في الكثير بل في القليل المركز الذاهب إلى غايات المعنى، تلك الغايات التي جمعتها حمضة السحاب في حياتها الطويلة والشقية بالانتظار.