مرفأ قراءة... عن تراثنا السردي "البحري" (قراءة أولى)
السبت / 20 / صفر / 1444 هـ - 17:41 - السبت 17 سبتمبر 2022 17:41
- 1 -
على مدى عام أو يزيد وأنا غارق حتى النخاع في إعادة اكتشاف وقراءة عشرات النصوص التي يزخر بها تراثنا السردي في موضوع 'البحر' و'القصص البحري' والحكايات والمرويات التي وصلتنا ويدور موضوعها حول عوالم البحر المرجعي منها والمتخيل، وما انعكاس هذا الموضوع على مخيلة القاص الشعبي الذي أبدع فيه أيما إبداع وترك لنا روائع وكنوزا هي في الحقيقة إبداعات إنسانية خالدة.
منذ شاركت في الدورة الماضية من الملتقى الدولي السنوي الذي ينظمه معهد الشارقة للتراث بدراسة عن «تناولات قصص الحيوان في التراث العربي ـ قراءة استكشافية»، وأعلن موضوع الدورة التالية عن 'البحر'، وأنا أعكف على دراسة هذا الموضوع من منظور نصي خالص بمعنى أن أحاول استكشاف حدود هذا التراث السردي الذي تمحور حول البحر، معتقدا أو هكذا ظننت أن الأمر لن يتعدى أكثر من ورقة بحثية أشارك بها في جلسات الملتقى العلمية ولن يكون الموضوع مرهقا بحال ولن يتجاوز جهد شهر أو شهرين أو ثلاثة على الأكثر لأنتهي من الورقة بصورة لائقة!
ولدائما نكتشف أننا مهما قدرنا محدودية المادة أو ظننا القدرة على تأطير موضوع للبحث بما يسمح بالظن بتقديم رؤية كاملة له، نكتشف أننا واهمون! فما لدينا كثير جدا! وتراثنا هائل فعلا وزاخر وغني وخصب لدرجة تذهل وتثير الإعجاب. لم أكن أتصور هذا الثراء وهذا التنوع وهذا التباين وهذا الخيال المبدع المحلق! وتحول ما كنت أظنه ورقة بحثية إلى دراسة وكتاب استغرقني بالكلية لما يشارف على العام وصرت على قناعة بأنه مجرد (قراءة استشكافية) أولى وليس نهاية.
- 2 -
وهكذا عالج الكتاب موضوع أو ثيمة 'البحر' كما تجسدت في الكتب والنصوص التراثية السردية القديمة، منذ أقدم نص وصل إلينا (وأنا هنا أعني بالتراثية 'العربية'؛ أي التي أنتجت في ظل الثقافة العربية والإسلامية خلال القرون العشرة الأولى من الهجرة). وتشمل هذه النصوص المدون منها والشفاهي، الرسمي والشعبي، النثر الخالص وما كان يصنف على أنه كتابة علمية وصفية (أطلق عليها علماء الجغرافيا والبلدان فيما بعد اسم كتب الجغرافيا الوصفية)، كما تشمل مجموعات من القصص والحكايات التي زخرت بها كتب الرحلة والارتحال وتحديد مسارات التجارة والملاحة البحرية، وكتب الحيوان والطبائع وكتب الأدب والتاريخ والجغرافيا.. إلخ. بالجملة ستجد عشرات بل مئات النصوص التي تدور في فلك البحار وعوالمها والسير فيها واكتشافها والتعرف على الجزر النائية والأمم البعيدة والغرائب والطباع في الأماكن التي تتاخم البر والشواطئ والموانئ.. يا ربِ إنه عالم بل عوالم أخرى عجيبة وغريبة ومدهشة!
أثناء البحث الذي اتسعت رقعته وامتد زمنه وتوسعت حدوده، وأثناء جمع المادة التي أخذت تتدفق كالسيل الذي لا ينقطع، وشيئًا فشيئًا، وجدتني أغوص بنعومةٍ ويسر وانغماس كامل في عالم ممتع مدهش من الخيال والتخييل والسرديات العجائبية والغرائبية والنصوص التي يزخر بها تراثنا الحكائي بدءًا من النص السردي الأكبر والأعظم «ألف ليلة وليلة» في تراثنا العربي، وحتى كتب 'الجغرافيا' الوصفية والفلكية، وكتب تقويم البلدان وترسيم الحدود الطبيعية، وكتب 'المسالك والممالك'، ونصوص 'الرحلات' التي ستكون فيما بعد تراثا رائعا من كتب أدب الرحلة في التراث العربي، والاكتشافات البحرية، والجزر النائية، هذا عدا كتب 'العجائب' و'الغرائب' و'المخلوقات البحرية'، وبالجملة كل ما تناول من قريب أو بعيد حضور 'البحر'؛ فضاء وجغرافيا، وتخييلا وخيالا، وعوالم نائية ومكتشفة... إلخ في تراثنا السردي المهيب.
- 3 -
وكان المحصول هائلا وعظيما وباذخا للدرجة التي اضطرتني اضطرارا إلى أن أقوم بتصفية منهجية ضرورية ولازمة، للاختيار والتصنيف والقراءة. وذلك كله قبل أن تتبلور في ذهني الخطاطة النهائية والهيكل الأخير لمحتوى الدراسة عن سرديات البحر في التراث العربي. فمع ضخامة المادة وشساعتها، وتعددها وتنوعها كذلك، بين مخطوط ومطبوع ومبثوث في كتاب المجاميع والقصص والحكايات والأخبار التي لم تصنف بعد، فلم يكن بد من الاقتصار على نماذج مختارة للعرض والقراءة والتحليل والدراسة.
وكان من حظي أن سبقني إلى اكتشاف هذا العالم الزاخر باحثون ودارسون عظام تركوا لنا مؤلفات رائعة لم يكن من الممكن تجاوزها أو التغافل عنها، بل قد صار من الضروري الوقوف عندها والتنويه بها بدورها، وإعادة اكتشاف ما تسلطه من أضواء على هذا الموضوع الفريد في تراثنا الزاخر؛ ومن هنا كان الوقوف وقفات متأنية وعارضة ومحللة لكتاب حسين فوزي على سبيل المثال «حديث السندباد القديم» أحد أفضل الكتب التي قرأتها عن سرديات وأدبيات وفنون البحر والبحار والرحلة والقصص المتخيل في تراثنا البحري الزاخر، وقد عرضنا له هنا في (مرفأ قراءة) وأدرنا حوله مقالا كاملا بمناسبة صدور طبعة جديدة منه قبل عامين (صدر عن سلسلة ذاكرة الكتابة، الكتاب رقم 225، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2020)
وكذلك لم يكن ممكنا أبدا التغافل عن الموسوعة التي لم يكتب مثلها في الثقافة العربية «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» التي أنجزها المستشرق الروسي الكبير إغناطيوس كراتشكوفسي (توفي 1951)، وهي موسوعة فريدة ونادرة في بابها؛ وفي منهجها وغزارة مادتها وقدرة مؤلفها المثابرة على الحصر والجمع والاستقصاء والتتبع (صدرت الترجمة العربية لعمل إغناطيوس كراتشكوفسكي الفذ بعنوان تاريخ الأدب الجغرافي العربي؛ من ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، بالتعاون مع الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، القاهرة، 1963)
- 4 -
ولا بد أن أتوقف قليلا أمام هذا العمل الموسوعي الاستقصائي الفذ، الذي لم أكن أتصور أبدًا قبل مطالعته وقراءته بالكامل (تقع الترجمة العربية في مجلدين يقترب عدد صفحاتهما معا من الألف أو يزيد!) ويكفي للإشارة فقط إلى قيمة هذه الموسوعة الكبرى التنويه بما قاله عنها أستاذ الجغرافيا عاطف معتمد؛ في تعليقٍ له عنها:
'هذا الكتاب هو جزء من مجموعة أعمال المستشرق الروسي الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكي والذي صدر في 1957 في أوج مجد الاتحاد السوفيتي، ونشر في المدينتين العاصمتين: موسكو وليننجراد. وتمكنت الجامعة العربية من تكليف المترجم بنقله للعربية. وأما لماذا حمل الكتاب عنوان «تاريخ الأدب الجغرافي العربي».. بما يحمل على السؤال: وهل الجغرافيا أدب؟! يجيب معتمد نفسه عن سؤاله: فقد عرفت إجابة هذا السؤال حينما تعلمت اللغة الروسية، ذلك لأن الكلمة التي جاءت في عنوان الكتاب هي تاريخ الـ'ليتراتورا' والتي نُقلت للعربية 'أدب' والمقصود بها تاريخ 'التراث المعرفي المنتج في فترات سابقة'.
ولم يكن ذلك خطأ من المترجم بل اختيار موفق أيضا، فإلى اليوم لو سألت الباحثين في علوم طبيعية مثل الجيولوجيا أو الفيزياء سيقولون لك: لا يمكن أن نبدأ دراسة جديدة إلا بمراجعة 'الأدب السابق previous literature'، ويقصدون بذلك التعرف على 'الدراسات السابقة '. وعلى هذا النحو قدم لنا كراتشكوفسكي الجغرافية العربية باعتبارها تراثا إنسانيا عالميا وليس درسا في الأدب أو في جغرافية الأدب أو أدب الجغرافيا'.
- 5 -
من هنا، أحسب أن هذه الدراسة التي استغرقتني عاما كاملا قد جاءت لتغطي عبر أبوابها وفصولها حضور 'البحر' سرديا أو حضوره في تراثنا السردي، بالوقوف عند نماذج متعينة ومختارة من نصوصه ومروياته وسردياته، والتركيز على إبراز القيمة الإبداعية لهذه النصوص والمخيلة التي أنتجتها في وقت شاع فيه أو أريد أن يشاع فيه أن العقلية العربية وما أنتجته من أدب ونصوص عقلية فقيرة، ولم يكن خيالها بالثراء والخصوبة اللذين يمكنانها من إبداع نصوص وسرديات تقف جنبا إلى جنب أعظم النصوص التي أنتجتها البشرية في أي ثقافة من الثقافات وتراث الأمم السابقة واللاحقة على السواء.
على مدى عام أو يزيد وأنا غارق حتى النخاع في إعادة اكتشاف وقراءة عشرات النصوص التي يزخر بها تراثنا السردي في موضوع 'البحر' و'القصص البحري' والحكايات والمرويات التي وصلتنا ويدور موضوعها حول عوالم البحر المرجعي منها والمتخيل، وما انعكاس هذا الموضوع على مخيلة القاص الشعبي الذي أبدع فيه أيما إبداع وترك لنا روائع وكنوزا هي في الحقيقة إبداعات إنسانية خالدة.
منذ شاركت في الدورة الماضية من الملتقى الدولي السنوي الذي ينظمه معهد الشارقة للتراث بدراسة عن «تناولات قصص الحيوان في التراث العربي ـ قراءة استكشافية»، وأعلن موضوع الدورة التالية عن 'البحر'، وأنا أعكف على دراسة هذا الموضوع من منظور نصي خالص بمعنى أن أحاول استكشاف حدود هذا التراث السردي الذي تمحور حول البحر، معتقدا أو هكذا ظننت أن الأمر لن يتعدى أكثر من ورقة بحثية أشارك بها في جلسات الملتقى العلمية ولن يكون الموضوع مرهقا بحال ولن يتجاوز جهد شهر أو شهرين أو ثلاثة على الأكثر لأنتهي من الورقة بصورة لائقة!
ولدائما نكتشف أننا مهما قدرنا محدودية المادة أو ظننا القدرة على تأطير موضوع للبحث بما يسمح بالظن بتقديم رؤية كاملة له، نكتشف أننا واهمون! فما لدينا كثير جدا! وتراثنا هائل فعلا وزاخر وغني وخصب لدرجة تذهل وتثير الإعجاب. لم أكن أتصور هذا الثراء وهذا التنوع وهذا التباين وهذا الخيال المبدع المحلق! وتحول ما كنت أظنه ورقة بحثية إلى دراسة وكتاب استغرقني بالكلية لما يشارف على العام وصرت على قناعة بأنه مجرد (قراءة استشكافية) أولى وليس نهاية.
- 2 -
وهكذا عالج الكتاب موضوع أو ثيمة 'البحر' كما تجسدت في الكتب والنصوص التراثية السردية القديمة، منذ أقدم نص وصل إلينا (وأنا هنا أعني بالتراثية 'العربية'؛ أي التي أنتجت في ظل الثقافة العربية والإسلامية خلال القرون العشرة الأولى من الهجرة). وتشمل هذه النصوص المدون منها والشفاهي، الرسمي والشعبي، النثر الخالص وما كان يصنف على أنه كتابة علمية وصفية (أطلق عليها علماء الجغرافيا والبلدان فيما بعد اسم كتب الجغرافيا الوصفية)، كما تشمل مجموعات من القصص والحكايات التي زخرت بها كتب الرحلة والارتحال وتحديد مسارات التجارة والملاحة البحرية، وكتب الحيوان والطبائع وكتب الأدب والتاريخ والجغرافيا.. إلخ. بالجملة ستجد عشرات بل مئات النصوص التي تدور في فلك البحار وعوالمها والسير فيها واكتشافها والتعرف على الجزر النائية والأمم البعيدة والغرائب والطباع في الأماكن التي تتاخم البر والشواطئ والموانئ.. يا ربِ إنه عالم بل عوالم أخرى عجيبة وغريبة ومدهشة!
أثناء البحث الذي اتسعت رقعته وامتد زمنه وتوسعت حدوده، وأثناء جمع المادة التي أخذت تتدفق كالسيل الذي لا ينقطع، وشيئًا فشيئًا، وجدتني أغوص بنعومةٍ ويسر وانغماس كامل في عالم ممتع مدهش من الخيال والتخييل والسرديات العجائبية والغرائبية والنصوص التي يزخر بها تراثنا الحكائي بدءًا من النص السردي الأكبر والأعظم «ألف ليلة وليلة» في تراثنا العربي، وحتى كتب 'الجغرافيا' الوصفية والفلكية، وكتب تقويم البلدان وترسيم الحدود الطبيعية، وكتب 'المسالك والممالك'، ونصوص 'الرحلات' التي ستكون فيما بعد تراثا رائعا من كتب أدب الرحلة في التراث العربي، والاكتشافات البحرية، والجزر النائية، هذا عدا كتب 'العجائب' و'الغرائب' و'المخلوقات البحرية'، وبالجملة كل ما تناول من قريب أو بعيد حضور 'البحر'؛ فضاء وجغرافيا، وتخييلا وخيالا، وعوالم نائية ومكتشفة... إلخ في تراثنا السردي المهيب.
- 3 -
وكان المحصول هائلا وعظيما وباذخا للدرجة التي اضطرتني اضطرارا إلى أن أقوم بتصفية منهجية ضرورية ولازمة، للاختيار والتصنيف والقراءة. وذلك كله قبل أن تتبلور في ذهني الخطاطة النهائية والهيكل الأخير لمحتوى الدراسة عن سرديات البحر في التراث العربي. فمع ضخامة المادة وشساعتها، وتعددها وتنوعها كذلك، بين مخطوط ومطبوع ومبثوث في كتاب المجاميع والقصص والحكايات والأخبار التي لم تصنف بعد، فلم يكن بد من الاقتصار على نماذج مختارة للعرض والقراءة والتحليل والدراسة.
وكان من حظي أن سبقني إلى اكتشاف هذا العالم الزاخر باحثون ودارسون عظام تركوا لنا مؤلفات رائعة لم يكن من الممكن تجاوزها أو التغافل عنها، بل قد صار من الضروري الوقوف عندها والتنويه بها بدورها، وإعادة اكتشاف ما تسلطه من أضواء على هذا الموضوع الفريد في تراثنا الزاخر؛ ومن هنا كان الوقوف وقفات متأنية وعارضة ومحللة لكتاب حسين فوزي على سبيل المثال «حديث السندباد القديم» أحد أفضل الكتب التي قرأتها عن سرديات وأدبيات وفنون البحر والبحار والرحلة والقصص المتخيل في تراثنا البحري الزاخر، وقد عرضنا له هنا في (مرفأ قراءة) وأدرنا حوله مقالا كاملا بمناسبة صدور طبعة جديدة منه قبل عامين (صدر عن سلسلة ذاكرة الكتابة، الكتاب رقم 225، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2020)
وكذلك لم يكن ممكنا أبدا التغافل عن الموسوعة التي لم يكتب مثلها في الثقافة العربية «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» التي أنجزها المستشرق الروسي الكبير إغناطيوس كراتشكوفسي (توفي 1951)، وهي موسوعة فريدة ونادرة في بابها؛ وفي منهجها وغزارة مادتها وقدرة مؤلفها المثابرة على الحصر والجمع والاستقصاء والتتبع (صدرت الترجمة العربية لعمل إغناطيوس كراتشكوفسكي الفذ بعنوان تاريخ الأدب الجغرافي العربي؛ من ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، بالتعاون مع الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، القاهرة، 1963)
- 4 -
ولا بد أن أتوقف قليلا أمام هذا العمل الموسوعي الاستقصائي الفذ، الذي لم أكن أتصور أبدًا قبل مطالعته وقراءته بالكامل (تقع الترجمة العربية في مجلدين يقترب عدد صفحاتهما معا من الألف أو يزيد!) ويكفي للإشارة فقط إلى قيمة هذه الموسوعة الكبرى التنويه بما قاله عنها أستاذ الجغرافيا عاطف معتمد؛ في تعليقٍ له عنها:
'هذا الكتاب هو جزء من مجموعة أعمال المستشرق الروسي الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكي والذي صدر في 1957 في أوج مجد الاتحاد السوفيتي، ونشر في المدينتين العاصمتين: موسكو وليننجراد. وتمكنت الجامعة العربية من تكليف المترجم بنقله للعربية. وأما لماذا حمل الكتاب عنوان «تاريخ الأدب الجغرافي العربي».. بما يحمل على السؤال: وهل الجغرافيا أدب؟! يجيب معتمد نفسه عن سؤاله: فقد عرفت إجابة هذا السؤال حينما تعلمت اللغة الروسية، ذلك لأن الكلمة التي جاءت في عنوان الكتاب هي تاريخ الـ'ليتراتورا' والتي نُقلت للعربية 'أدب' والمقصود بها تاريخ 'التراث المعرفي المنتج في فترات سابقة'.
ولم يكن ذلك خطأ من المترجم بل اختيار موفق أيضا، فإلى اليوم لو سألت الباحثين في علوم طبيعية مثل الجيولوجيا أو الفيزياء سيقولون لك: لا يمكن أن نبدأ دراسة جديدة إلا بمراجعة 'الأدب السابق previous literature'، ويقصدون بذلك التعرف على 'الدراسات السابقة '. وعلى هذا النحو قدم لنا كراتشكوفسكي الجغرافية العربية باعتبارها تراثا إنسانيا عالميا وليس درسا في الأدب أو في جغرافية الأدب أو أدب الجغرافيا'.
- 5 -
من هنا، أحسب أن هذه الدراسة التي استغرقتني عاما كاملا قد جاءت لتغطي عبر أبوابها وفصولها حضور 'البحر' سرديا أو حضوره في تراثنا السردي، بالوقوف عند نماذج متعينة ومختارة من نصوصه ومروياته وسردياته، والتركيز على إبراز القيمة الإبداعية لهذه النصوص والمخيلة التي أنتجتها في وقت شاع فيه أو أريد أن يشاع فيه أن العقلية العربية وما أنتجته من أدب ونصوص عقلية فقيرة، ولم يكن خيالها بالثراء والخصوبة اللذين يمكنانها من إبداع نصوص وسرديات تقف جنبا إلى جنب أعظم النصوص التي أنتجتها البشرية في أي ثقافة من الثقافات وتراث الأمم السابقة واللاحقة على السواء.