أعمدة

نوافذ.. رقص حتى الموت

 
توافق يوم الغد الذكرى الأربعين لمذبحة صبرا وشاتيلا، المذبحة التي نفذتها مليشيات الكتائب اللبنانية مدعومة بجيش العدو الصهيوني.

لا أعرف إن كان القراء الأعزاء يتذكرون ذلك، لكن بالنسبة لامرأة في مثل عمري فإن ذلك أمرا لا ينسى، فهذه واحدة من أشنع المذابح التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، إذ هاجمت قوات الكتائب اللبنانية المخيمين تحت تغطية من القوات الإسرائيلية، بحجة البحث عن مسلحين، ثم أعملت في النساء والأطفال والشيوخ والرجال القتل بالسلاح الأبيض وبالرصاص، بقروا بطون النساء، اغتصبوا الفتيات وقتلوا الأطفال للتسلية.

قبل أيام بدأت بقراءة رواية الياس خوري 'أولاد الغيتو، اسمي آدم'، للمرة الثانية، قرأتها متعمدة بحثا عن مشهد معين علق في ذاكرتي منذ قراءتي الأولى للرواية، مشهد لا أعرف إن كان تخييلا كله أم أن خوري نقله بحذق من ذاكرة أحد الناجين، لكن بإمكان الرواية أن تدعي هذا أو ذاك، وكلاهما سيكون حقيقيا.

'كنا نرقص ونموت يا دكتور، ولم نشعر بجروح الروح إلا بعدما انتهى كل شيء، واكتشفنا أننا متنا جميعا، نعم، لا يحق لأحد أن يحول الموت إلى أرقام، مات هنا ١٥٠٠ إنسان، هكذا يقولون، لكن الرقم لا يقول شيئا، لأنه هنا مات كل الناس، كل البشرية ماتت في لحظة الرقص تلك، حين كان يساق بعضنا إلى حائط الإعدام وهو يرقص'.

أقف أمام هذا المشهد بالذات، أحاول تخيل المشهد وكأنني فيه، أشعر بارتباك في أمعائي، وتعتريني رجفة، تخذلني ساقي وأنا أتخيل نقلة القدم من خطوة إلى خطوة، وأتساءل ما معنى أن يطلب منك الرقص وأنت تقاد إلى الموت، وهل ظن الضحايا أنهم إن استجابوا لأوامر قاتليهم سينجون؟

يورد خوري مشهدا آخر يجرب فيه الرئيس جوزيف مسدسه الجديد بصف رؤوس ثلاثة أطفال مرتجفين، الرئيس جوزيف يطلق الرصاص ليختبر قدرة مسدس الماجنوم على اختراق الجماجم الثلاث.

كان القتلة يقتلون للمتعة، للتجريب، للعبث، كانوا يقتلون لأنهم لم يجدوا من يتصدى لهم، فقد كان سكان المخيمات عزل، متروكين بلا حماية، بعد مغادرة المسلحين الفلسطينيين وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية بيروت إلى تونس في أواخر أغسطس وفق اتفاق وقع مع فيليب حبيب، المبعوث الأمريكي، كجزء من اتفاقية رفع الحصار عن بيروت، وما أن خرجت منظمة التحرير حتى سقطت المخيمات كلقمة سائغة في يدي الوحوش.

أربعون عاما منذ صبرا وشاتيلا، والمذابح لم تنته وأكمل العالم رقصه على أشلاء الضحايا.

بعد أربعين عاما يعود القتلة ليأمروا ضحاياهم بالرقص مرة أخرى، والضحايا يرقصون طربا، مأخوذين بالوعد الاقتصادي، والتعاون الاستراتيجي، يبيعون لمواطنيهم التعايش والتسامح وأناشيد السلام في جرعات عالية، فيشتريها الواهمون واليائسون والحمقى، متناسين بأنهم من الشعوب الفائضة عن الحاجة، من الأغيار، وأنه لا بأس أبدا من تصفيتهم لإفساح المجال لشعب الله المختار، حتى يسود الأرض، أرضه الموعودة.