أفكار وآراء

الترجمة وصناعة الثقافة

يُنظَر إلى الثقافة في عصرنا الراهن باعتبارها صناعة، والواقع أن مفهوم «صناعة الثقافة» قد اكتسب دلالة سلبية من خلال بعض فلاسفة المدرسة النقدية ممن رأوا صناعة الثقافة باعتبارها «الثقافة المصنوعة أو المصطنعة» التي يتم إنتاجها من خلال عملية تسليع الثقافة بغرض تشكيل ذائقة الجماهير، لكني لا أستخدم مفهوم «صناعة الثقافة» في هذا المقال بهذا المعنى على الإطلاق، وإنما أستخدمه بمعناه البسيط والمباشر الذي يشير إلى الأدوات التي تُسهم في تكوين الوعي الثقافي.

وأود هنا التركيز على أداة واحدة من أدوات صناعة الثقافة، وهي الترجمة التي أراها من أهم هذه الأدوات، ويكفي في هذا الصدد أن نتذكر أن نهضة الحضارة العربية لم تكن بسبب كونها إسلامية، وإنما بسبب أن هذه الحضارة الإسلامية الناشئة قد حرصت على الانفتاح على سائر الثقافات والحضارات الأخرى من خلال التلاقح المعرفي والثقافي مع ثقافات الشعوب والبلدان التي دانت للفتوحات الإسلامية، وكانت الترجمة هي إحدى الأدوات الرئيسة في هذه العملية الثقافية، ولهذا فإن هذه الحضارة قد استوعبت الأجناس الأخرى في باطنها، واستعانت بعلمائها ومفكريها، لا في المناصب القيادية فحسب، وإنما أيضًا في الإسهام في حركة ترجمة قوية إلى العربية عن اليونانية والسريانية والفارسية. ولهذا كان الكثير من أعلام الفكر والمعرفة في الحضارة العربية من أصول غير عربية، وهكذا نشأت النهضة الثقافية في الحضارة العربية الإسلامية على حركة ترجمة قوية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين. ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد أن الخليفة المأمون قد أعاد إحياء البذور الأولى لحركة الترجمة، حتى أصبحت الترجمة في عهده مهنة مُربِحة، وفي عهده تم إنشاء بيت الحكمة في بغداد، وازدهرت الفلسفة والدراسات والكشوف العلمية، وتُرجمِت العديد من أمهات الكتب لأفلاطون وأرسطو وجالينوس، وغيرهم. كيف نطبق ذلك على وضعنا الراهن اليوم؟ لا يمكن أن ننكر أن هناك محاولات جادة في عالمنا العربي للإسهام في حركة الترجمة من خلال مؤسسات الترجمة الرسمية، ومنها -على سبيل المثال- المركز القومي للترجمة بمصر، ومؤسسة كلمة بالإمارات، ولكننا لا يمكن أيضًا أن ننكر أن حركة الترجمة في مجمل العالم العربي تعد ضعيفة للغاية كمًا وكيفًا بالقياس إلى حركة الترجمة في أي دولة متقدمة، كما أن إسهام دور النشر الخاصة في حركة الترجمة ضئيل تمامًا، ويقوم على مبادرات فردية لبعض المترجمين، ويضع في حسبانه مبدأ الربحية ومتطلبات السوق في المقام الأول، ومن ثم ينأى غالبًا عن ترجمة أمهات الكتب والأعمال الفكرية الرصينة والآداب الرفيعة.

ولو أننا -في مقابل ذلك- قد نظرنا إلى حركة الترجمة في الدول المتقدمة، فسوف نجد أن مراكز الترجمة منتشرة في كل جامعاتها الكبرى، وتسهم بقوة في هذه الحركة على الأصعدة كافة. ويكفي هنا أن ننظر في دور بعض الجامعات الغربية في نشر الترجمات الإنجليزية الذائعة على المستوى العالمي في مجال الفلسفة والفكر عمومًا، ومن ذلك على سبيل المثال: جامعة كمبردج Cambridge University ودار النشر بجامعة نورث ويسترن Northwestern University Press. بل ربما يندهش القارئ حينما يعرف أن هناك دُور نشر غير حكومية متخصصة في فرع معين من فروع المعرفة الفلسفية، وهيKluwer Academic Publishers، وهي أكبر دار نشر هولندية متخصصة في نشر الأصول والدراسات المتخصصة في مجال الفينومينولوجيا (أو فلسفة الظواهر الشعورية)؛ وقد شرفت بنشر بعض مقالاتي ضمن إصدارات هذه الدار المرموقة عالميًّا. هذه الدار وأمثالها تحقق ربحية عالية، لأن منتجاتها الثقافية تُباع بأسعار باهظة، بالضبط لأنها تعرف معنى صناعة الثقافة بمهنية وحِرفية عالية، بحيث توفر مُنتَجًا ثقافيًا مطلوبًا لدى المتخصصين والمهتمين بالفلسفة حول العالم.

***

ولعلنا نتساءل الآن عن أسباب ضعف حركة الترجمة في عالمنا العربي، وعن صلة ذلك بتراجع الثقافة وضعفها، وهذا ما يمكن إيجازه إجمالًا في النقاط التالية التي يحتاج كل منها إلى تفصيل لا يتسع له هذا المقال:

* الترجمة صناعة ثقافية ثقيلة يجب أن تدعمها الدولة، لأن الترجمة ليست ترفًا ثقافيًّا، وإنما هي عملية بناء حقيقي للثقافة التي لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التلاقح بين الثقافات والانفتاح على الآخر المختلف، وهذا ما يؤدي إلى تدعيم ثقافة التسامح والحوار والعيش المشترك، ومن ثم فإنه من غير المعقول تصور تعطيل إصدارات بعض الترجمات -كما يحدث في المركز القومي للترجمة بمصر- بسبب عدم الوفاء بدولارات زهيدة مطلوبة من أجل حقوق الترجمة.

* لا ينبغي للدول المعنية بشأن الثقافة أن تدعم فقط الترجمة عن الآخر، وإنما ينبغي أن تدعم أيضًا ترجمة ثقافتها إلى الآخر، فبذلك يتأسس المعنى الحقيقي للتلاقح بين الثقافات.

* الترجمة فن وعلم في الوقت ذاته، وهذا يعني أن الترجمة ليست منوطة بكل من يتقن لغة أجنبية ما، وإنما هي منوطة بمن يتقن لغة ما بشرط أن يكون على معرفة تامة بتفاصيل الموضوع الذي يخوض في ترجمته، وأن يكون متمكنًا من اللغة العربية التي يعيد تأويل النص الأصلي من خلالها. الافتقار إلى هذا الشرط وعدم الالتزام به هو أحد أسباب ضعف العديد من الترجمات في العالم العربي.

د. سعيد توفيق - أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة ومؤلف كتاب «ماهية اللغة وفلسفة التأويل»