أسعار العقارات المرتفعة يمكن أن تؤذي الاقتصاد
الجمعة / 13 / محرم / 1444 هـ - 19:01 - الجمعة 12 أغسطس 2022 19:01
اهتمامُ الاقتصاديين بالأرض تَقَلَّبَ بين الزيادة والنقصان على مر الزمن. بالنسبة لعلماء الاقتصاد السياسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت الأرض تلعب دورا مركزيا في فهم العالم. لقد اعتقدوا أن توزيع الريوع (عوائد التأجير) المتحققة من ملكية الأراضي يمكنه تفسير الفجوات المتسعة بين الأغنياء والفقراء وكل أنواع العلل الاقتصادية الأخرى، كان خبراء الاقتصاد أقل اهتماما بالأرض في القرن العشرين، ولكن منذ حلول الألفية الثانية اشتد الجدل بينهم حول أثر القوانين المقيدة لاستخدامات الأراضي على الإنتاج الاقتصادي للمدن، وقادت الأزمة المالية العالمية إلى تزايد الأبحاث حول عواقب الركود العقاري. فموازنات البنوك تضعف ويقل إنفاق ملاك المنازل القلقين. وذلك ما يمكن أن يقود إلى انكماش اقتصادي. لقد خضع انهيار القطاع السكني الأمريكي أثناء الفترة 2007-2009 خصوصا لدراسات كثيرة، ففي السنوات الأخيرة ظهر صنف جديد من الأبحاث والذي، على نحو ما فعل علماء الاقتصاد السياسي في الأيام الخوالي، يعزو العديد من العلل الاقتصادية المتطاولة الأمد إلى الأرض.
يستكشف هذا النوع من الأبحاث الكيفية التي تؤثر بها أسعار الأراضي المرتفعة والمتزايدة في ارتفاعها على الإقراض والاستثمار وعلى الإنتاجية في نهاية المطاف، ويركز في معظمه على الازدهار العقاري الطويل الأمد في الصين. النتيجة المقلقة التي توصل لها القائمون بهذه الدراسات هي أن أسعار العقارات المرتفعة والمتزايدة يمكن أن تترتب عنها آثار اقتصادية ضارة: فهي تحرم الاستثمار المنتج من التمويل (بمزاحمته في الاقتراض) وتقود إلى سوء تخصيص رأس المال (تحويل الموارد المالية في الاقتصاد من القطاعات المنتجة الأخرى إلى القطاع العقاري- المترجم) وفي الحالات الأكثر تطرفا ربما تتحول أسعار الأراضي المتضخمة إلى سبب للتباطؤ المتطاول في نمو الإنتاجية، فالعقارات أكبر فئة أصول في العالم، ففي عام 2020 شكلت حوالي 68% من أصول العالم غير المالية والتي تشمل المصانع والآلات وأيضا الأصول غير المادية (غير المحسوسة) مثل حقوق الملكية الفكرية.
وتمثل الأرض وليس المنشآت المقامة عليها ما يزيد قليلا عن نصف تلك النسبة (68% من أصول الثروة غير المالية في العالم) ومع تضخم وانتفاخ قيمة الأرض زادت حصتها من الأصول غير المالية بشكل حادّ في بعض البلدان رغم أن القليل من هذه البلدان يورد البيانات الخاصة بهذه الزيادة، ففي بريطانيا على سبيل المثال ارتفع نصيب الأرض من هذه الأصول من 39% في عام 1995 إلى 56% في عام 2020، ولأن الأرض يمكن تقييمها بسهولة ولا يمكن إخفاؤها أو تجزئتها فهي ضمانة جيدة للاقتراض. لذلك عندما ترتفع الأسعار كما كان يحدث في أغلب البلدان خلال معظم العقود القليلة الماضية يكون أول أثر لهذا الارتفاع تعزيزُ الإقراض والنشاط الاقتصادي. فالعائلات يمكنها استخدام عقارها الذي تتزايد قيمته باطراد للاقتراض عند أسعار فائدة أكثر انخفاضا مما لو لم تكن تملك عقارا، والشركات المالكة للأراضي يمكنها أيضا الحصول على التمويل بسهولة أكثر، ووفرة الأصول العقارية تجعل مالكيها أكثر قدرة على إنفاق المال، لكن استخدام الأرض كضمانة للاقتراض له آثار ضارة أيضا خصوصا في البلدان التي تلعب البنوك فيها دورا كبيرا في تمويل الشركات، فقدرة الشركات على الاقتراض تحددها في الغالب أصولها الموجودة وليس قدراتها الإنتاجية. ويجد أولئك الذين يملكون الأراضي سهولةً أكبر في الاقتراض من البنوك مقارنة، مثلا، بمن ليس لديهم الكثير من الأصول غير المادية، وجدت دراسة نشرت في عام 2018 بواسطة سيباستيان دوَيْر الخبير الاقتصادي ببنك التسويات الدولية أن الشركات الأمريكية المدرجة في البورصات والتي لديها عدد أكبر من الضمانات العقارية كانت أكثر قدرة على الاقتراض والاستثمار من منافساتها على الرغم من أنها أقل إنتاجية.
هذه الآثار كانت واضحة أيضا في إسبانيا قبل الأزمة المالية العالمية بفترة وجيزة، ففي بحث نشر العام الماضي أشار سيرجي باسكو أستاذ الاقتصاد بجامعة برشلونه وديفيد لوبيز- رودجريز وإنريك مورال- بينيتو من بنك إسبانيا إلى أن الشركات الصناعية المالكة للعقارات في إسبانيا أوفر حظا في الحصول على الائتمان المصرفي من الشركات الأخرى (التي ليست لديها أصول عقارية) أسعار العقارات المرتفعة يمكن أيضا ألا تشجع على الإقراض المنتج وتقود إلى سوء تخصيص رأس المال. وعندما تزدهر أسواق المساكن تميل البنوك إلى إقراض المزيد من الأموال بضمان الرهونات العقارية، لكن لأن المقرضين يواجهون قيودا رأسمالية كثيرا ما يقترن ذلك بخفض الإقراض إلى مؤسسات الأعمال.
هذه الآثار أوضحتها دراسة نشرها عام 2018 إندرانيل شاكرابورتي من جامعة ميامي وإيتاي جولدستين من مدرسة وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا وآندرو مكينلي من جامعة فيرجينيا للتكنولوجيا. وجدت الورقة التي درست بيانات من أمريكا عن الفترة من 1988 إلى 2006 أن زيادة 'انحراف معياري واحد' في أسعار المساكن في المناطق التي توجد بها فروع لأحد البنوك خفَّضت نمو الإقراض إلى الشركات التي تقترض من نفس البنك بنسبة بلغت حوالي 42%، وهبط إجمالي استثمار الشركات المتأثرة بحوالي 21%. هذه الآثار الناجمة عن المزاحمة والإزاحة (في التمويل) قد تكون كبيرة في بلدان أخرى أيضا بالنظر إلى أن البنوك حول العالم الغني زادت بشكل حاد حجم إقراض الرهونات العقارية.
ففي 17 بلدا من بلدان الاقتصادات المتقدمة ارتفعت حصة هذه الرهونات من جملة القروض المصرفية من 32% في 1952 إلى 58% في 2016 (وهو آخر عام تتوافر عنه بيانات بهذا الخصوص). ومهما كانت آثار أسعار الأرض المرتفعة في الغرب إلا أن حجم المشكلة في الصين يبدو أكبر بالنظر إلى ضخامة اهتمام المستثمرين باقتناء العقار، وتشير سلسلة من الدراسات التي أجريت مؤخرا إلى أن أسعار الأراضي المرتفعة في الصين تحوِّل وجهة الإقراض المصرفي وتقلل الإنفاق على البحث والتطوير لدى الشركات المتداولة أسهمها في البورصات. كما يبدو أيضا أنها تقود إلى سوء تخصيص المواهب الإدارية لصالح القطاع العقاري. إحدى النتائج المفاجئة على نحو خاص وردت في ورقة نشرت عام 2019 وأعدها كل من هاراد هاو من جامعة جنيف وديفي أويانغ من جامعة الأعمال الدولية والاقتصاد في بكين استنادا إلى بيانات من شركات صناعية في 172 مدينة صينية. توصلت الورقة إلى أن ارتفاعا بنسبة 50% في أسعار العقارات يزيد تكاليف الاقتراض ويقلل الاستثمار والإنتاجية ويترتب عنه تدهور بنسبة 35.5% في إنتاج الشركات للقيمة المضافة.
التوصل إلى أن أسعار العقارات المرتفعة والمتزايدة في ارتفاعها يمكنها خنق النشاط الاقتصادي ينطوي على نتائج مهمة حول الكيفية التي يجب أن يتعامل بها واضعو السياسات مع الاستثمار في الأراضي والإسكان. فالتشجيع على بناء المزيد والمزيد من المساكن على سبيل المثال من شأنه أن يساعد على انكماش (انخفاض) قيمة ضمانات القروض. وتقييد ملكية العقارات المتعددة سيحدث تغييرا في توزيع ضمانات القروض. كما أن تحديد حجم الإقراض بضمان الرهن العقاري الذي يمكن أن تقدمه البنوك قد يقود إلى انسياب المزيد من الائتمان إلى أغراض إنتاجية. أما الفكرة الأكثر طموحا فهي فرض ضريبة على قيمة الأرض. فهي بخفضها القيمة السوقية للأرض قد تقلل جاذبيتها كضمانة للقروض. من الطريف أن مثل هذه الضريبة كانت هدفا للعديد من الإصلاحيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مساعيهم لإيجاد مجتمع أكثر مساواة، ومن الممكن جدا أن يُحْيي الهوسُ الجديد بالأرض فكرةً قديمة.
يستكشف هذا النوع من الأبحاث الكيفية التي تؤثر بها أسعار الأراضي المرتفعة والمتزايدة في ارتفاعها على الإقراض والاستثمار وعلى الإنتاجية في نهاية المطاف، ويركز في معظمه على الازدهار العقاري الطويل الأمد في الصين. النتيجة المقلقة التي توصل لها القائمون بهذه الدراسات هي أن أسعار العقارات المرتفعة والمتزايدة يمكن أن تترتب عنها آثار اقتصادية ضارة: فهي تحرم الاستثمار المنتج من التمويل (بمزاحمته في الاقتراض) وتقود إلى سوء تخصيص رأس المال (تحويل الموارد المالية في الاقتصاد من القطاعات المنتجة الأخرى إلى القطاع العقاري- المترجم) وفي الحالات الأكثر تطرفا ربما تتحول أسعار الأراضي المتضخمة إلى سبب للتباطؤ المتطاول في نمو الإنتاجية، فالعقارات أكبر فئة أصول في العالم، ففي عام 2020 شكلت حوالي 68% من أصول العالم غير المالية والتي تشمل المصانع والآلات وأيضا الأصول غير المادية (غير المحسوسة) مثل حقوق الملكية الفكرية.
وتمثل الأرض وليس المنشآت المقامة عليها ما يزيد قليلا عن نصف تلك النسبة (68% من أصول الثروة غير المالية في العالم) ومع تضخم وانتفاخ قيمة الأرض زادت حصتها من الأصول غير المالية بشكل حادّ في بعض البلدان رغم أن القليل من هذه البلدان يورد البيانات الخاصة بهذه الزيادة، ففي بريطانيا على سبيل المثال ارتفع نصيب الأرض من هذه الأصول من 39% في عام 1995 إلى 56% في عام 2020، ولأن الأرض يمكن تقييمها بسهولة ولا يمكن إخفاؤها أو تجزئتها فهي ضمانة جيدة للاقتراض. لذلك عندما ترتفع الأسعار كما كان يحدث في أغلب البلدان خلال معظم العقود القليلة الماضية يكون أول أثر لهذا الارتفاع تعزيزُ الإقراض والنشاط الاقتصادي. فالعائلات يمكنها استخدام عقارها الذي تتزايد قيمته باطراد للاقتراض عند أسعار فائدة أكثر انخفاضا مما لو لم تكن تملك عقارا، والشركات المالكة للأراضي يمكنها أيضا الحصول على التمويل بسهولة أكثر، ووفرة الأصول العقارية تجعل مالكيها أكثر قدرة على إنفاق المال، لكن استخدام الأرض كضمانة للاقتراض له آثار ضارة أيضا خصوصا في البلدان التي تلعب البنوك فيها دورا كبيرا في تمويل الشركات، فقدرة الشركات على الاقتراض تحددها في الغالب أصولها الموجودة وليس قدراتها الإنتاجية. ويجد أولئك الذين يملكون الأراضي سهولةً أكبر في الاقتراض من البنوك مقارنة، مثلا، بمن ليس لديهم الكثير من الأصول غير المادية، وجدت دراسة نشرت في عام 2018 بواسطة سيباستيان دوَيْر الخبير الاقتصادي ببنك التسويات الدولية أن الشركات الأمريكية المدرجة في البورصات والتي لديها عدد أكبر من الضمانات العقارية كانت أكثر قدرة على الاقتراض والاستثمار من منافساتها على الرغم من أنها أقل إنتاجية.
هذه الآثار كانت واضحة أيضا في إسبانيا قبل الأزمة المالية العالمية بفترة وجيزة، ففي بحث نشر العام الماضي أشار سيرجي باسكو أستاذ الاقتصاد بجامعة برشلونه وديفيد لوبيز- رودجريز وإنريك مورال- بينيتو من بنك إسبانيا إلى أن الشركات الصناعية المالكة للعقارات في إسبانيا أوفر حظا في الحصول على الائتمان المصرفي من الشركات الأخرى (التي ليست لديها أصول عقارية) أسعار العقارات المرتفعة يمكن أيضا ألا تشجع على الإقراض المنتج وتقود إلى سوء تخصيص رأس المال. وعندما تزدهر أسواق المساكن تميل البنوك إلى إقراض المزيد من الأموال بضمان الرهونات العقارية، لكن لأن المقرضين يواجهون قيودا رأسمالية كثيرا ما يقترن ذلك بخفض الإقراض إلى مؤسسات الأعمال.
هذه الآثار أوضحتها دراسة نشرها عام 2018 إندرانيل شاكرابورتي من جامعة ميامي وإيتاي جولدستين من مدرسة وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا وآندرو مكينلي من جامعة فيرجينيا للتكنولوجيا. وجدت الورقة التي درست بيانات من أمريكا عن الفترة من 1988 إلى 2006 أن زيادة 'انحراف معياري واحد' في أسعار المساكن في المناطق التي توجد بها فروع لأحد البنوك خفَّضت نمو الإقراض إلى الشركات التي تقترض من نفس البنك بنسبة بلغت حوالي 42%، وهبط إجمالي استثمار الشركات المتأثرة بحوالي 21%. هذه الآثار الناجمة عن المزاحمة والإزاحة (في التمويل) قد تكون كبيرة في بلدان أخرى أيضا بالنظر إلى أن البنوك حول العالم الغني زادت بشكل حاد حجم إقراض الرهونات العقارية.
ففي 17 بلدا من بلدان الاقتصادات المتقدمة ارتفعت حصة هذه الرهونات من جملة القروض المصرفية من 32% في 1952 إلى 58% في 2016 (وهو آخر عام تتوافر عنه بيانات بهذا الخصوص). ومهما كانت آثار أسعار الأرض المرتفعة في الغرب إلا أن حجم المشكلة في الصين يبدو أكبر بالنظر إلى ضخامة اهتمام المستثمرين باقتناء العقار، وتشير سلسلة من الدراسات التي أجريت مؤخرا إلى أن أسعار الأراضي المرتفعة في الصين تحوِّل وجهة الإقراض المصرفي وتقلل الإنفاق على البحث والتطوير لدى الشركات المتداولة أسهمها في البورصات. كما يبدو أيضا أنها تقود إلى سوء تخصيص المواهب الإدارية لصالح القطاع العقاري. إحدى النتائج المفاجئة على نحو خاص وردت في ورقة نشرت عام 2019 وأعدها كل من هاراد هاو من جامعة جنيف وديفي أويانغ من جامعة الأعمال الدولية والاقتصاد في بكين استنادا إلى بيانات من شركات صناعية في 172 مدينة صينية. توصلت الورقة إلى أن ارتفاعا بنسبة 50% في أسعار العقارات يزيد تكاليف الاقتراض ويقلل الاستثمار والإنتاجية ويترتب عنه تدهور بنسبة 35.5% في إنتاج الشركات للقيمة المضافة.
التوصل إلى أن أسعار العقارات المرتفعة والمتزايدة في ارتفاعها يمكنها خنق النشاط الاقتصادي ينطوي على نتائج مهمة حول الكيفية التي يجب أن يتعامل بها واضعو السياسات مع الاستثمار في الأراضي والإسكان. فالتشجيع على بناء المزيد والمزيد من المساكن على سبيل المثال من شأنه أن يساعد على انكماش (انخفاض) قيمة ضمانات القروض. وتقييد ملكية العقارات المتعددة سيحدث تغييرا في توزيع ضمانات القروض. كما أن تحديد حجم الإقراض بضمان الرهن العقاري الذي يمكن أن تقدمه البنوك قد يقود إلى انسياب المزيد من الائتمان إلى أغراض إنتاجية. أما الفكرة الأكثر طموحا فهي فرض ضريبة على قيمة الأرض. فهي بخفضها القيمة السوقية للأرض قد تقلل جاذبيتها كضمانة للقروض. من الطريف أن مثل هذه الضريبة كانت هدفا للعديد من الإصلاحيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مساعيهم لإيجاد مجتمع أكثر مساواة، ومن الممكن جدا أن يُحْيي الهوسُ الجديد بالأرض فكرةً قديمة.