أفكار وآراء

عشر سنوات من "القيام بكل ما يلزم"

نجح البنك المركزي الأوروبي منذ فترة طويلة في تجنب الأسئلة غير المريحة حول دوره الضمني في تحديد الشروط اللازمة لصنع السياسات المحلية داخل الدول الأعضاء المثقلة بالديون، ولكن مع وجود أداة جديدة لشراء الأصول، سيكون من السهل تمييز السياسات الأساسية لهذا النهج التكنوقراطي الواضح

يصادف هذا الشهر ذكرى سنوية على جانب كبير من الأهمية، في السادس والعشرين من يوليو، أعلن الرئيس الجديد نسبيا للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي أن 'البنك المركزي الأوروبي على استعداد للقيام بكل ما يلزم للحفاظ عل اليورو. وصدقوني، سيكون ذلك كافيا'. كانت خطوة بارعة (ومرتجلة غالبا)، حيث زودت دراجي بسمعته المستحقة كمنقذ لليورو.

الآن -قبل خمسة أيام فقط من الذكرى السنوية التي تحل هذا الشهر- أعلن البنك المركزي الأوروبي عن خطوة أخرى من المحتمل أن تغير كل القواعد، من خلال أداة حماية النقل الجديدة، سيسعى البنك إلى تقليص الفوارق بين سندات البلدان الأعضاء الحكومية في الحالات، حيث ترتفع العائدات بسبب ضغوط السوق أو المضاربة، وليس بسبب مشكلات جوهرية ترتبط بالاستدامة الاقتصادية. من قبيل المصادفة أن دراجي استقال من منصب رئيس وزراء إيطاليا في ذات اليوم. في شهر يوليو من عام 2012، سعى البنك المركزي الأوروبي إلى الالتفاف حول سؤال أساسي: ما هي الشروط التي ينبغي لأي بنك مركزي أن يفرضها عندما يشتري سندات حكومية؟ هل ينبغي لمؤسسة غير منتخبة تحمل تفويضا لضمان استقرار الأسعار أن تقرر أيضا أي الحكومات والمؤسسات الوطنية التي يجب أن تتلقى التمويل؟ ألقت هذه التساؤلات بثقلها على أذهان المنتقدين الذين يخشون أن يطمس البنك المركزي الأوروبي التمييز بين صنع السياسات المالية والنقدية. لكن فرض شروط صارمة على الحكومات ينطوي على مخاطر أيضا، لأنه عمل لا يخلو من إذلال في حقيقة الأمر. الواقع أن الحكومة التي يُـنـظَـر إليها على أنها تخضع لوكالة فوق وطنية قد تفقد شرعيتها بسهولة. تقدم لنا كلمة 'kowtow' (الانحناء بخضوع) دليلا إلى السبب وراء ذلك: يشير هذا المصطلح، المأخوذ من اللغة الصينية إلى اللغة الإنجليزية، إلى طقس يتسم بالخضوع العميق ويرتبط بقوة بالتاريخ الاستعماري. وفرضت القوى الإمبريالية في القرن التاسع عشر على نحو منتظم التزامات مرهقة على مستعمراتها وأنشأت أنظمة شاملة لمراقبة الوفاء بهذه الالتزامات. من الأمثلة الكلاسيكية هنا إدارة الجمارك الصينية التي كان الغرب يديرها وعمليات تحصيل الإيرادات التي فرضتها بريطانيا وفرنسا على الإمبراطورية العثمانية تحت إشراف إدارة الدين العام العثمانية. اليوم، لا تزال إيطاليا في قلب أزمة الديون التي طال أمدها في منطقة اليورو، بسبب تركيبة تجمع بين ضخامة حجم هذه الديون، وارتفاع التزاماتها، والغياب شبه التام للنمو. عندما بدأت أزمة اليورو في اليونان في عام 2010، كان من الممكن التعامل معها بسرعة من خلال إعادة جدولة أو هيكلة الديون. لكن هذا لم يحدث، لأن صناع السياسات كانوا راغبين في تجنب انتقال العدوى بين اقتصادات منطقة اليورو الأكبر حجما والتي تعاني أيضا من مستويات عالية من الديون وبالتحديد، إيطاليا.

في قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة كان في عام 2011، ضَـغَـطَ الرئيس الأمريكي باراك أوباما على إيطاليا لحملها على التقدم لبرنامج رسمي مع صندوق النقد الدولي أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي لضمان استمرارها إلى النهاية في تنفيذ السياسات اللازمة لجعل أعباء ديونها مستدامة. لكن رئيس وزراء إيطاليا الجديد، ماريو مونتي، التكنوقراطي الذي حظي بقدر كبير من الاحترام، قاوم بشدة هذا المطلب، لأنه كان يريد إثبات أن إيطاليا ناضجة بالقدر الذي يسمح لها بالتعامل مع الإصلاحات المعقدة دون الاستعانة بأحد.

تكمن عبقرية الحل الذي أتى به دراجي في عام 2012 في برنامج البنك المركزي الأوروبي الذي حمل مسمى غريبا، 'المعاملات النقدية الصريحة'، والذي يمكنه فعليا فرض شروط بعينها على البلدان الأعضاء بدون تطبيقه فعليا على الإطلاق. قال المنتقدون مازحين إن الكلمات التي يتألف منها اسم البرنامج خالية من أي معنى أو منطق: ذلك أن الدعم كان غير مباشر وماليا، وليس صريحا ونقديا؛ وفي النهاية، لم تتم بموجبه أي معاملات على الإطلاق، مع ذلك، حمل برنامج المعاملات النقدية الصريحة إمكانية تقديم دعم شديد الشروط في حالة الطوارئ.

وبهذا، وُجِـدَت المشروطية كَـسِـمة ضمنية، وليست رسمية، لإطار منطقة اليورو. وعملت أسعار الفائدة المنخفضة على تعزيز تعليق المشروطة الرسمية على هذا النحو وجعلت الأمر يبدو ناجحا ببراعة، ثم اندلعت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، التي ضربت إيطاليا في وقت سابق وبقدر من الشدة لم تشهده أي دولة أوروبية أخرى. وعلى عكس الأزمات السابقة، لم يكن من الممكن إلقاء اللوم على الحكومة الإيطالية أو أي إخفاقات سياسية سابقة. وأوجدت جائحة كوفيد-19 والدفع باتجاه 'التعافي الأخضر' الأوروبي الفرصة لسياسات جديدة مبنية حول ميزانية مركزية للاتحاد الأوروبي وموارد مالية جديدة، وأصبح تلقي أموال التعافي من الاتحاد الأوروبي أولوية قصوى لإيطاليا، مما مهد الطريق لصعود دراجي باعتباره رئيس وزراء تكنوقراطيا لحكومة الوحدة الوطنية الطارئة في فبراير 2021. ودعمت كل الأحزاب السياسية الرئيسية في إيطاليا حكومة دراجي، على أمل التمكن من تأمين القدرة على الوصول إلى الأموال المطلوبة بشدة، لكن مثل هذا التحالف الواسع من غير الممكن إلا أن يكون هشا، وقد استغل بعض أعضاء التحالف عناصر المشروطية عندما عادت إلى الظهور.

بدا الأمر وكأنه ضربة قوية لتقدير الذات الوطنية، حيث كان لزاما عليها أن تحرر سيارات الأجرة والنوادي الشاطئية من الضوابط التنظيمية بهدف الامتثال لسياسات المنافسة في الاتحاد الأوروبي. الآن، ستجعل أداة حماية النقل الحياة أكثر صعوبة لأي حكومة إيطالية، لأنها تعني أنه لم يعد من الممكن التلاعب بالشروط انطلاقا من معايير الأهلية التي أوضحها البنك المركزي الأوروبي في بيانه الصحفي في الحادي والعشرين من يوليو، لا توجد ببساطة ظروف يمكن في ظلها توظيف أداة حماية النقل لإدارة التداعيات التي تخلفها تطورات غير اقتصادية مثل انهيار اتفاقية الائتلاف. وهذا يعني فضلا عن ذلك أن الإيطاليين سيجدون أنفسهم أمام اختيار محير عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع في سبتمبر لانتخاب حكومة جديدة، لأن أي حكومة يمينية تأتي خلفا للحكومة الحالية من غير المرجح أن تجد أي حيز للمناورة. هناك سبب وراء تراجع الساسة اليمينيين من أمثال جورجيا ميلون من حزب إخوان إيطاليا وماثيو سالفيني من حزب الرابطة بشكل محموم عن بعض انتقاداتهم السابقة لليورو والاتحاد الأوروبي. وهم يدركون أن الانفصال الصريح عن الاتحاد الأوروبي سيكون كارثيا على المستوى الاقتصادي، وإذا وجدوا أنفسهم في الحكومة التالية فسوف يستشعرون الضغوط التي ترمي إلى حملهم على قبول أي شروط يضعها الاتحاد الأوروبي، بينما يصرون أمام ناخبيهم على أن أيديهم مقيدة. ولكن الآن بعد تقديم أداة حماية النقل، لن تكون هذه الحجة مقنعة، لأنها ستعيد إحياء الديناميكية القديمة حيث لا يؤدي إلقاء اللوم على قوى خارجية إلا إلى استدعاء البحث عن خيارات جديدة لاستعادة السيطرة. لا شك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيستمتع بكل لحظة يشاهد فيها هذه الدوافع السياسية تمزق أوروبا مرة أخرى. في الأمد البعيد، ستحتاج أوروبا إلى برنامج أكثر رسمية يعمل من خلال مؤسسات حكومية دولية وليس مؤسسات نقدية. من الممكن تحقيق هذه الغاية من خلال إسناد دور أكبر لآلية الاستقرار الأوروبية، لكن جوهر الإصلاح لن يحتاج إلى المزيد من التكامل المالي فحسب، بل يحتاج أيضا إلى قواعد أكثر دقة وشفافية حول الكيفية التي قد يتسنى من خلالها تحقيقه.

في كل الأحوال، سيكون المقصود تجاوز البنك المركزي الأوروبي وإنهاء التجربة التي دامت عقودا من الزمن من التظاهر بعدم وجود شروط في ما يرتبط بالإبقاء على أعضاء منطقة اليورو المتنوعين معا. من الواضح أن أي برنامج من هذا القبيل يتطلب موافقة سياسية صريحة من البلدان الأعضاء، وإذا اعتمد على المزيد من الخداع والتدليس، فلن يختلف إلا قليلا عما جاء من قبل.

هارولد جيمس أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون. متخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة