أردوغان ووهم وحدة الناتو
الاحد / 3 / ذو الحجة / 1443 هـ - 18:36 - الاحد 3 يوليو 2022 18:36
ترجمة : أحمد شافعي -
وقد أشاد كل من ينس ستولنبرج أمين عام حلف الناتو ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الأمريكي جو بايدن بالمذكرة بوصفها انعطافة محورية من شأنها أن تعزز الأمن في أوروبا وأن تقوي التحالف. وبدا أن فنلندا والسويد ـ بعد عقود من سياسة عدم الانحياز العسكري ـ على وشك الانضمام إلى الناتو، في ضربة حاسمة لروسيا ولحظة وحدة للحلف.
غير أن وحدة الحلف الآن تبدو وهما: ففي الثلاثين من يونيو، وهو آخر يوم من أيام القمة، ارتد رجب طيب أردوغان عن المسار معلنا أنه ما لم تقم السويد بطرد ثلاثة وسبعين شخصا ترى أنقرة أنهم إرهابيون فإن الانضمام «لن يحدث».
لقد كان اعتراض أردوغان الأصلي على عضوية السويد يرتكز على دعم ستوكهولم المفترض لجماعة كردية تزعم تركيا أنها التي خططت لانقلاب فاشل على الحكم في عام 2016.
وفي حين أن المذكرة التي جرى توقيعها في الثامن والعشرين من يونيو لم تحدد أي اشتراطات بالطرد، فإنها أوضحت أن كلا من السويد وفنلندا لن «تقدما دعما» للجماعة التركية.
والآن يستغل أردوغان هذه اللغة المبهمة.
يمكن أن يكسب الرئيس التركي الكثير باعتراضه على توسع الناتو في لحظة أزمة حقيقية تعيشها أوروبا.
فلأن الانضمام إلى الناتو يقتضي موافقة بالإجماع، فلا بد لجميع الدول الأعضاء - بالإضافة إلى السويد وفنلندا ـ من أن تسترضي تركيا طلبا للمضي قدما.
ولقد تمكن أردوغان حتى الآن من حمل السويد وفنلندا على النظر في معالجة مخاوفه الأمنية: فضمن التزاما من كلا البلدين برفع حظر التسليح القائم حاليا على تركيا، كما أنه مضى قدما بقضيته لدى جو بايدن من أجل دعم بيع طائرات إف 16 المقاتلة الأمريكية للجيش التركي.
ومن خلال الإشارة إلى أنه لم يزل عازما على منع عمليات التوسعة برمتها، فمن الواضح أن أردوغان يستعمل ما يمتلكه من نفوذ كبير لدعم مصالحه سواء الخارجية منها أو الداخلية حيث إنه يحرص على تحسين موقفه استعدادا لانتخابات منتظرة خلال العام القادم (وليست هذه بالمرة الأولى التي يلعب فيها أردوغان دور المشاكس داخل حلف شمال الأطلسي: إذ إن لدى تركيا نزاعا مستمرا مع دولة زميلة في عضوية الحلف هي اليونان على المياه الإقليمية في البحر المتوسط).
يكشف عدم اليقين هذا عن هشاشة الحلف، ويثير أسئلة حول ما يمكن أن يحتمله. فمن ناحية، أثبتت حرب روسيا في أوكرانيا صلاحية سبب وجود حلف شمال الأطلسي، فالدول الغربية ذات الجيوش القوية تتكالب اليوم على الانضمام إليه والدول قديمة العضوية فيه تضخ التمويلات في جيوشها، ومن ناحية أخرى، يجب التعامل مع العناد التركي بمثابة إنذار.
ففي نهاية المطاف، ثمة حدثان في المستقبل القريب يمكن أن يزعزعا استقرار التحالف، ربما على نحو يتعذر إصلاحه.
الأول منهما هو احتمال رجوع دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإنه لمن المستحيل أن نتنبأ بما يمكن أن يفعله ترامب بعد أن يجترئ بفوزه بجولة أخرى في السلطة.
فترامب لم يكن فقط معاديا بوضوح لحلف الناتو خلال رئاسته ـ وقد اشتهر عنه وصفه للحلف في يناير 2017 بأنه حلف «عفا عليه الزمن» ولكنه أيضا هدد مرارا بالانسحاب من الحلف تماما.
فقد كان من منغصاته الأساسية في الحلف أن الدول الأوروبية لا تقوم بـ«اقتسام العبء» فلا تحقق الحد الأدنى من أهداف الإنفاق الدفاعي السنوي البالغ 2% من إجمالي الناتج المحلي.
كما زعم أيضا أن الحلف ينبغي أن يحافظ على علاقات أدفأ مع روسيا ـ وقد بدا ذلك الاقتراح سخيفا في حينه ثم ازداد سوءا بمرور الزمن.
غير أن حلف الناتو احتمل سنوات ترامب وتجاوزها مثلما احتملتها وتجاوزتها عضوية الولايات المتحدة فيه. وأغلب الفضل في ذلك يرجع إلى الأمين العام ينس ستولنبرج، وهو دبلوماسي بارع عمل في هدوء ولكن بشكل استراتيجي على مداهنة نرجسية الرئيس الأمريكي على نحو جعل ترامب يشعر بالسلطة. فوفقا لدراسة لقيادة ستولنبرج ـ نشرت في العام الماضي في مجلة إنترناشونال أفيرز ـ بعد زيادة بعض الدول الأوروبية إنفاقها، فإن «الأمين العام حرص دائما أن يقارن أرقام الإنفاق في عام 2016 ـ أي عام انتخاب ترامب ـ وليس أرقام عام 2015، حينما ظهرت أولى الزيادات في ميزانيات الدول المتحالفة، لكي يخفي احتمال أن تكون عناصر أخرى عدا ترامب هي المسؤولة عن الزيادة».
وهذا ما يرجع بنا إلى الحدث الثاني الذي يمكن أن يقوض أي مظهر من مظاهر وحدة الناتو: وهو أن فترة ستولنبرج كأمين عام للحلف تنتهي في سبتمبر من عام 2023.
إن تمديد عقده لسنتين في عام 2019 ثم لسنة أخرى في مارس الماضي يبين أنه يمثل قوة استقرار كبيرة للحلف. ولا أحد يعرف إن كان بوسع الحلف أن يحتمل فقدان ستولنبرج في وقت لا تتورع فيه تركيا عن إحراق حسن النية من أجل دعم مصالحها الخاصة أو أن يحتمل عودة رئيس أمريكي موال لروسيا إلى البيت الأبيض، لكن هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابة، ويحتاج إليها بسرعة.
ميجان جيبسن محررة تنفيذية في نيوستيتسمان وكاتبة في الشؤون الدولية
ترجمة خاصة لـ عمان
وقد أشاد كل من ينس ستولنبرج أمين عام حلف الناتو ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الأمريكي جو بايدن بالمذكرة بوصفها انعطافة محورية من شأنها أن تعزز الأمن في أوروبا وأن تقوي التحالف. وبدا أن فنلندا والسويد ـ بعد عقود من سياسة عدم الانحياز العسكري ـ على وشك الانضمام إلى الناتو، في ضربة حاسمة لروسيا ولحظة وحدة للحلف.
غير أن وحدة الحلف الآن تبدو وهما: ففي الثلاثين من يونيو، وهو آخر يوم من أيام القمة، ارتد رجب طيب أردوغان عن المسار معلنا أنه ما لم تقم السويد بطرد ثلاثة وسبعين شخصا ترى أنقرة أنهم إرهابيون فإن الانضمام «لن يحدث».
لقد كان اعتراض أردوغان الأصلي على عضوية السويد يرتكز على دعم ستوكهولم المفترض لجماعة كردية تزعم تركيا أنها التي خططت لانقلاب فاشل على الحكم في عام 2016.
وفي حين أن المذكرة التي جرى توقيعها في الثامن والعشرين من يونيو لم تحدد أي اشتراطات بالطرد، فإنها أوضحت أن كلا من السويد وفنلندا لن «تقدما دعما» للجماعة التركية.
والآن يستغل أردوغان هذه اللغة المبهمة.
يمكن أن يكسب الرئيس التركي الكثير باعتراضه على توسع الناتو في لحظة أزمة حقيقية تعيشها أوروبا.
فلأن الانضمام إلى الناتو يقتضي موافقة بالإجماع، فلا بد لجميع الدول الأعضاء - بالإضافة إلى السويد وفنلندا ـ من أن تسترضي تركيا طلبا للمضي قدما.
ولقد تمكن أردوغان حتى الآن من حمل السويد وفنلندا على النظر في معالجة مخاوفه الأمنية: فضمن التزاما من كلا البلدين برفع حظر التسليح القائم حاليا على تركيا، كما أنه مضى قدما بقضيته لدى جو بايدن من أجل دعم بيع طائرات إف 16 المقاتلة الأمريكية للجيش التركي.
ومن خلال الإشارة إلى أنه لم يزل عازما على منع عمليات التوسعة برمتها، فمن الواضح أن أردوغان يستعمل ما يمتلكه من نفوذ كبير لدعم مصالحه سواء الخارجية منها أو الداخلية حيث إنه يحرص على تحسين موقفه استعدادا لانتخابات منتظرة خلال العام القادم (وليست هذه بالمرة الأولى التي يلعب فيها أردوغان دور المشاكس داخل حلف شمال الأطلسي: إذ إن لدى تركيا نزاعا مستمرا مع دولة زميلة في عضوية الحلف هي اليونان على المياه الإقليمية في البحر المتوسط).
يكشف عدم اليقين هذا عن هشاشة الحلف، ويثير أسئلة حول ما يمكن أن يحتمله. فمن ناحية، أثبتت حرب روسيا في أوكرانيا صلاحية سبب وجود حلف شمال الأطلسي، فالدول الغربية ذات الجيوش القوية تتكالب اليوم على الانضمام إليه والدول قديمة العضوية فيه تضخ التمويلات في جيوشها، ومن ناحية أخرى، يجب التعامل مع العناد التركي بمثابة إنذار.
ففي نهاية المطاف، ثمة حدثان في المستقبل القريب يمكن أن يزعزعا استقرار التحالف، ربما على نحو يتعذر إصلاحه.
الأول منهما هو احتمال رجوع دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإنه لمن المستحيل أن نتنبأ بما يمكن أن يفعله ترامب بعد أن يجترئ بفوزه بجولة أخرى في السلطة.
فترامب لم يكن فقط معاديا بوضوح لحلف الناتو خلال رئاسته ـ وقد اشتهر عنه وصفه للحلف في يناير 2017 بأنه حلف «عفا عليه الزمن» ولكنه أيضا هدد مرارا بالانسحاب من الحلف تماما.
فقد كان من منغصاته الأساسية في الحلف أن الدول الأوروبية لا تقوم بـ«اقتسام العبء» فلا تحقق الحد الأدنى من أهداف الإنفاق الدفاعي السنوي البالغ 2% من إجمالي الناتج المحلي.
كما زعم أيضا أن الحلف ينبغي أن يحافظ على علاقات أدفأ مع روسيا ـ وقد بدا ذلك الاقتراح سخيفا في حينه ثم ازداد سوءا بمرور الزمن.
غير أن حلف الناتو احتمل سنوات ترامب وتجاوزها مثلما احتملتها وتجاوزتها عضوية الولايات المتحدة فيه. وأغلب الفضل في ذلك يرجع إلى الأمين العام ينس ستولنبرج، وهو دبلوماسي بارع عمل في هدوء ولكن بشكل استراتيجي على مداهنة نرجسية الرئيس الأمريكي على نحو جعل ترامب يشعر بالسلطة. فوفقا لدراسة لقيادة ستولنبرج ـ نشرت في العام الماضي في مجلة إنترناشونال أفيرز ـ بعد زيادة بعض الدول الأوروبية إنفاقها، فإن «الأمين العام حرص دائما أن يقارن أرقام الإنفاق في عام 2016 ـ أي عام انتخاب ترامب ـ وليس أرقام عام 2015، حينما ظهرت أولى الزيادات في ميزانيات الدول المتحالفة، لكي يخفي احتمال أن تكون عناصر أخرى عدا ترامب هي المسؤولة عن الزيادة».
وهذا ما يرجع بنا إلى الحدث الثاني الذي يمكن أن يقوض أي مظهر من مظاهر وحدة الناتو: وهو أن فترة ستولنبرج كأمين عام للحلف تنتهي في سبتمبر من عام 2023.
إن تمديد عقده لسنتين في عام 2019 ثم لسنة أخرى في مارس الماضي يبين أنه يمثل قوة استقرار كبيرة للحلف. ولا أحد يعرف إن كان بوسع الحلف أن يحتمل فقدان ستولنبرج في وقت لا تتورع فيه تركيا عن إحراق حسن النية من أجل دعم مصالحها الخاصة أو أن يحتمل عودة رئيس أمريكي موال لروسيا إلى البيت الأبيض، لكن هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابة، ويحتاج إليها بسرعة.
ميجان جيبسن محررة تنفيذية في نيوستيتسمان وكاتبة في الشؤون الدولية
ترجمة خاصة لـ عمان