المواطنان علي وسالم .. يرويان لـ «عمان» حكاية 10 أيام في بحر العرب
وصلا إلى أحضان الوطن وقرّت أعين ذويهم بعودتهم سالمين
الاثنين / 20 / ذو القعدة / 1443 هـ - 20:08 - الاثنين 20 يونيو 2022 20:08
حافظنا على 4 لترات من الماء لتبقينا على قيد الحياة لعشرة أيام دون طعام
كانت السفن تمر علينا ولا تنقذنا.. نسلي أنفسنا بالحكايات ونشد على بعضنا بالأمل في الله
تعطل بنا محرك القارب.. ودفعتنا الرياح والأمواج إلى المياه الباكستانية
بعد غياب دام أكثر من 10 أيام في وسط بحر العرب، استبشر أهالي وذوو المفقودين علي بن سالم الجعفري وسالم بن سعيد الجعفري من نيابة الأشخرة، بوصولهم إلى مطار مسقط الدولي قادمين من مدينة كراتشي الباكستانية، وسط بهجة مقرونة بالدعاء شكرا لله تعالى على سلامتهم وعودتهم إلى أحضان ذويهم.
وكان المفقودان قد وصلا صباح أمس إلى ميناء كراتشي عبر سفينة تابعة لوكالة الأمن البحري الباكستاني التي أقلتهم أمس الأول من سفينة الصيد الباكستانية التي عثرت عليهم في عرض البحر بعد 10 أيام من فقدانهم.
وفور وصولهم إلى ميناء كراتشي البحري، استقبلتهم القنصلية العمانية في، والتقى فيهم سعادة محمد بن ناصر المبسلي القنصل العام والعميد شاهين محمد رئيس وكالة الأمن البحري الباكستاني وأعضاء القنصلية العامة لسلطنة عمان في كراتشي، وقد رحب بهم قائد السفينة الباكستانية المقدم عاطف شاهد الذي قاد السفينة التي أقلت المفقودين من السفينة الخشبية التي عثرت على الصيادين أمس الأول.
وقال حمود بن ناصر النهدي نائب القنصل العام لسلطنة عمان في كراتشي: بعد وصول المفقودين إلى الميناء تم إجراء الفحوصات الطبية لهم من قبل طبيب مختص من الأمن البحري الباكستاني الذي أكد أن صحتهم جيدة وبإمكانهم السفر في أقرب فرصة ممكنة، وعلى ضوء ذلك باشرنا إصدار جوازات مرور وتذاكر سفر لهم والتنسيق مع الهجرة والإقامة الباكستانية لتسهيل مغادرتهم عبر مطار كراتشي الدولي.
وأعرب نائب القنصل العام لسلطنة عمان في كراتشي عن بالغ تقديره لوزارة الخارجية الباكستانية ووكالة الأمن البحري في باكستان على تعاونهم في البحث عن المفقودين ونقلهم من سفينة الصيد والعودة بهم إلى ميناء كراتشي بسرعة كبيرة عبر التنسيق والاتصالات مع السفينة التي عثرت عليهم في البداية، مؤكدا أن كافة الإجراءات لسفر المفقودين تم إكمالها وتوديعهم في مطار كراتشي الدولي.
10 أيام
لم يكن المفقودان علي وسالم اللذان عاشا 10 أيام في قاربهم الذي تعطل وسط البحر، بحديثي العهد بركوب الأمواج مهما كان ارتفاعها، ولكن محرك القارب خذلهم عصر التاسع من يونيو الجاري، وهم في وسط أمواج بحر العرب الهادرة مع هبوب الرياح الموسمية، التي دفعت بقاربهم إلى جهة الشرق وأبعدتهم عن سواحل الأشخرة، لتبدأ قصة 10 أيام في القارب وسط مياه بحر العرب.
علي بن سالم الجعفري وعبر اتصال هاتفي أمس روى لـ($) حكاية 10 أيام وسط البحر.. وإليكم الحكاية:
خرجنا عند الساعة الخامسة صباح يوم التاسع من يونيو في رحلة صيد أنا وسالم بقارب صغير، وكانت الرحلة اعتيادية فنحن بحّارة ومهنة الصيد نمارسها منذ سنوات، وكانت الرياح شديدة والأمواج تصل إلى 30 عقدة تقريبا ولكن نحن معتادون على هذه الأجواء، وبدأنا الصيد إلى الخامسة عصرا حينها تعطل المحرك وحاولنا قرابة ساعة كاملة إعادة تشغيله ولم تفلح كل المحاولات، حينها كنا على بعد 60 ميلا بحريا تقريبا من الأشخرة، حاولنا الاتصال بأي أحد ولكن لم تكن هناك شبكة اتصالات.
بعدها بدأنا ندرك أن المحرك لن يشتغل بعد كل تلك المحاولات، وحفاظا على صمود القارب قمنا بإفراغ كمية الأسماك التي اصطدناها في البحر، والرياح تشتد وتبعدنا أكثر وأكثر والرياح الموسمية (الكوس) لم تهدأ لثلاثة أيام متتالية، برد وخوف ورياح.
أنقذونا
في اليوم الرابع هدأت الرياح، ولكن نحن بعيدون عن اليابسة.. نشاهد العديد من السفن بعضها تجارية وأخرى عسكرية تمر على مسافة ليست ببعيدة منا، نلوح بأيدينا إليهم نحاول لفت انتباههم، وفي الليل نشعل بعض المشاعل للاستغاثة، ونحاول بكل طاقتنا ولكن كل السفن تمر دون أن تعيرنا أي اهتمام رغم أننا متأكدون من أنهم يروننا.
4 لترات ماء
لم يكن لدينا أي غذاء نأكل منه، وعندما أدركنا منذ أول يوم صعوبة وضعنا حافظنا على بقاء 4 لترات من مياه الشرب لأكبر مدة زمنية، حيث كنا نشرب لـ(بل الريق) فقط جرعات بسيطة تبلل ريقنا وتخفف العطش، أما الطعام فقد استغنينا عنه نهائيا، حتى نفذت آخر قطرة من المياه في صباح نفس اليوم الذي أنقذتنا فيه سفينة الصيد الباكستانية.
شراع وحوض
في النهار عندما تشتد حرارة الطقس كنا نغرف من مياه البحر كمية تتناسب مع قوة تحمل القارب لنبرد أجسادنا، ورفعنا شراعا على القارب ليرانا البحارة ونستظل به عن الشمس ويوفر لنا حماية من حرارتها وأشعتها.
الأمل بالله
الأمل بالله كان موجودا لدينا منذ البداية، وقلوبنا متعلقة بذلك الأمل، كنا نشعر بالقلق على أسرنا وخوفهم علينا، لدينا رغبة كبيرة في الاتصال بهم وطمأنتهم، نقوم بين فترة وأخرى بتشغيل هواتفنا النقالة لفترة بسيطة لنبحث عن شبكة اتصال، ولكن سرعان ما نعيد إطفاءها مجددا عندما يتعذر ذلك للحفاظ على طاقة الأجهزة، فقد نعثر على شبكة اتصال في أي لحظة ونتصل بذوينا، ولكن الأيام تمر ومع كل يوم يذهب بنا القارب أبعد باتجاه الشرق نحو باكستان، ومعه يتضاءل الأمل بالعثور على شبكة اتصال، وكنا نشد من عزيمة بعضنا ويزيد إيماننا بالله، وكنا نقص بعض الحكايات بيننا التي أخبرنا عنها آباؤنا عن قصص فقدان الصيادين في البحر وعودتهم مرة أخرى، فهذه الحكايات كانت تعيد إلينا الأمل بالحياة والعودة إلى الديار.
مشهد معتاد
مشهد السفن العابرة دون أن تلتفت إلينا يتكرر كل يوم، ولكن كنا نستمر في إرسال الاستغاثة، لا نعلم هوية السفن وأي الدول تتبع، ولكن تمر علينا كما مرت غيرها العشرات بين مدنية وعسكرية وتجارية وأخرى للصيد، متنوعة ووجه الشبه بينها هو العبور دون إنقاذنا أو الحديث معنا ومعرفة هويتنا وأننا مفقودان! ربما يعتقدون أننا قراصنة ؟ ربما.
سفن الأمل
في صبيحة اليوم العاشر ونحن في البحر، اقتربت منا 3 سفن صيد خشبية، وكانت قبالتنا طوال اليوم وهم يصيدون ويشاهدون استغاثتنا ومحاولاتنا للاقتراب منهم، ولكن لم يحاولوا إنقاذنا ولا التحدث معنا، عند الظهر نفذت لدينا آخر قطرة ماء للشرب، والخوف بدأ يتسلل إلينا وأمامنا ثلاث سفن هي الأمل الوحيد لإنقاذنا من بعد الله سبحانه وتعالى، ولكن عند الساعة الثالثة عصرا تقريبا وبينما كانت سفينة واحدة من بين السفن الثلاث تستعد لمغادرة تلك المنطقة البحرية، اقتربت منا رويدا رويدا وعرضت علينا المساعدة، وعلى الفور أكدنا رغبتنا وحاجتنا لذلك وحاولنا التحدث معهم ولكن كان عائق اللغة بيننا وبينهم وقف حاجزا ليس بالصعب، سرعان ما تجاوزناه وفهموا أننا مجرد صيادين وتائهين في البحر ونحتاج إلى مساعدة وعرفنا أيضا أنهم باكستانيون ومتوجهون إلى كراتشي.
سجدة شكر
بعد أن صعدنا إلى سفينة الصيد الباكستانية التي أنقذتنا من موت كان يقترب منا كل يوم، سجدنا شكرا لله على نعمته وتسخير هذه السفينة لتنقذنا، رحب بنا ربان السفينة وطاقمها، ووفروا لنا سبل الراحة، وعلى الفور طلبنا منهم توفير وسيلة اتصال نتصل بها لذوينا وأهلنا، ولله الحمد اتصلت بأخي عند الساعة السادسة عصرًا، وهو الخبر الذي أعاد الفرحة على وجوه الأهالي وكل المجتمع العماني.
إلى كراتشي
أثناء الرحلة من وسط البحر إلى ميناء كراتشي عاملنا البحارة بكل لطف بينهم الكبار في السن والشباب جميعهم كانوا لطفاء معنا، قدموا لنا كل سبل الراحة من غذاء ومأكل ومشرب وملابس وأماكن للاستحمام، إلى أن سمعنا أن مركز الأمن البحري الباكستاني يحاول الاتصال بالسفينة لتحديد موقعنا، وبعد أن تمكن من ذلك عرفنا بأنهم قادمون إلينا والذهاب معهم بشكل أسرع للوصول إلى كراتشي بدل سفينة الصيد الخشبية.
استقبال وترحيب
وصلت سفينة مركز الأمن البحري الباكستانية أمس الأول (الأحد) وركبنا على متنها، واتجهت بنا بسرعة إلى ميناء كراتشي، حيث كان في استقبالنا مسؤولون بالقنصلية العامة لسلطنة عمان ومسؤولون باكستانيون، اتصلنا بأهلنا وبدأت صور وصولنا تجوب فضاء التواصل الاجتماعي، شعورنا امتزج بالفرحة مع الامتنان لكل من قدم لنا المساعدة ووفر لنا السبل لعوتنا للحياة، مرّ الوقت بطيئا ونحن نستشعر لذة العودة لأحضان الوطن والأهل، واستشعر ذلك أعضاء القنصلية وبادروا على الفور بتخليص إجراءات حصولنا على جوازات المرور والتنسيق مع السلطات الباكستانية وقبل كل ذلك أجريت لنا فحوصات طبية للتأكد من سلامتنا وقدرتنا على السفر، ودعنا الجميع هناك وعيوننا اغرورقت بالدموع ونحن نصعد لطائرة الخطوط الباكستانية، طارت بنا وحلقنا إلى مسقط ومن على نافذة الطائرة نشاهد زرقة البحر الذي حمل قاربنا المعطل 10 أيام، ورغم كل شيء يبقى البحر رؤوفًا بنا ولم يبتلعنا بفضل الله.
شكرًا للجميع، كلمة شكر لا توفي حق كل من ساعدنا واستقبلنا وبحث عنا، كانت هذه الكلمات التي قالها علي بن سالم الجعفري قبل أن ننهي الاتصال به مستمعين لقصة 10 أيام وسط البحر لن تغيب عن الذاكرة.
كانت السفن تمر علينا ولا تنقذنا.. نسلي أنفسنا بالحكايات ونشد على بعضنا بالأمل في الله
تعطل بنا محرك القارب.. ودفعتنا الرياح والأمواج إلى المياه الباكستانية
بعد غياب دام أكثر من 10 أيام في وسط بحر العرب، استبشر أهالي وذوو المفقودين علي بن سالم الجعفري وسالم بن سعيد الجعفري من نيابة الأشخرة، بوصولهم إلى مطار مسقط الدولي قادمين من مدينة كراتشي الباكستانية، وسط بهجة مقرونة بالدعاء شكرا لله تعالى على سلامتهم وعودتهم إلى أحضان ذويهم.
وكان المفقودان قد وصلا صباح أمس إلى ميناء كراتشي عبر سفينة تابعة لوكالة الأمن البحري الباكستاني التي أقلتهم أمس الأول من سفينة الصيد الباكستانية التي عثرت عليهم في عرض البحر بعد 10 أيام من فقدانهم.
وفور وصولهم إلى ميناء كراتشي البحري، استقبلتهم القنصلية العمانية في، والتقى فيهم سعادة محمد بن ناصر المبسلي القنصل العام والعميد شاهين محمد رئيس وكالة الأمن البحري الباكستاني وأعضاء القنصلية العامة لسلطنة عمان في كراتشي، وقد رحب بهم قائد السفينة الباكستانية المقدم عاطف شاهد الذي قاد السفينة التي أقلت المفقودين من السفينة الخشبية التي عثرت على الصيادين أمس الأول.
وقال حمود بن ناصر النهدي نائب القنصل العام لسلطنة عمان في كراتشي: بعد وصول المفقودين إلى الميناء تم إجراء الفحوصات الطبية لهم من قبل طبيب مختص من الأمن البحري الباكستاني الذي أكد أن صحتهم جيدة وبإمكانهم السفر في أقرب فرصة ممكنة، وعلى ضوء ذلك باشرنا إصدار جوازات مرور وتذاكر سفر لهم والتنسيق مع الهجرة والإقامة الباكستانية لتسهيل مغادرتهم عبر مطار كراتشي الدولي.
وأعرب نائب القنصل العام لسلطنة عمان في كراتشي عن بالغ تقديره لوزارة الخارجية الباكستانية ووكالة الأمن البحري في باكستان على تعاونهم في البحث عن المفقودين ونقلهم من سفينة الصيد والعودة بهم إلى ميناء كراتشي بسرعة كبيرة عبر التنسيق والاتصالات مع السفينة التي عثرت عليهم في البداية، مؤكدا أن كافة الإجراءات لسفر المفقودين تم إكمالها وتوديعهم في مطار كراتشي الدولي.
10 أيام
لم يكن المفقودان علي وسالم اللذان عاشا 10 أيام في قاربهم الذي تعطل وسط البحر، بحديثي العهد بركوب الأمواج مهما كان ارتفاعها، ولكن محرك القارب خذلهم عصر التاسع من يونيو الجاري، وهم في وسط أمواج بحر العرب الهادرة مع هبوب الرياح الموسمية، التي دفعت بقاربهم إلى جهة الشرق وأبعدتهم عن سواحل الأشخرة، لتبدأ قصة 10 أيام في القارب وسط مياه بحر العرب.
علي بن سالم الجعفري وعبر اتصال هاتفي أمس روى لـ($) حكاية 10 أيام وسط البحر.. وإليكم الحكاية:
خرجنا عند الساعة الخامسة صباح يوم التاسع من يونيو في رحلة صيد أنا وسالم بقارب صغير، وكانت الرحلة اعتيادية فنحن بحّارة ومهنة الصيد نمارسها منذ سنوات، وكانت الرياح شديدة والأمواج تصل إلى 30 عقدة تقريبا ولكن نحن معتادون على هذه الأجواء، وبدأنا الصيد إلى الخامسة عصرا حينها تعطل المحرك وحاولنا قرابة ساعة كاملة إعادة تشغيله ولم تفلح كل المحاولات، حينها كنا على بعد 60 ميلا بحريا تقريبا من الأشخرة، حاولنا الاتصال بأي أحد ولكن لم تكن هناك شبكة اتصالات.
بعدها بدأنا ندرك أن المحرك لن يشتغل بعد كل تلك المحاولات، وحفاظا على صمود القارب قمنا بإفراغ كمية الأسماك التي اصطدناها في البحر، والرياح تشتد وتبعدنا أكثر وأكثر والرياح الموسمية (الكوس) لم تهدأ لثلاثة أيام متتالية، برد وخوف ورياح.
أنقذونا
في اليوم الرابع هدأت الرياح، ولكن نحن بعيدون عن اليابسة.. نشاهد العديد من السفن بعضها تجارية وأخرى عسكرية تمر على مسافة ليست ببعيدة منا، نلوح بأيدينا إليهم نحاول لفت انتباههم، وفي الليل نشعل بعض المشاعل للاستغاثة، ونحاول بكل طاقتنا ولكن كل السفن تمر دون أن تعيرنا أي اهتمام رغم أننا متأكدون من أنهم يروننا.
4 لترات ماء
لم يكن لدينا أي غذاء نأكل منه، وعندما أدركنا منذ أول يوم صعوبة وضعنا حافظنا على بقاء 4 لترات من مياه الشرب لأكبر مدة زمنية، حيث كنا نشرب لـ(بل الريق) فقط جرعات بسيطة تبلل ريقنا وتخفف العطش، أما الطعام فقد استغنينا عنه نهائيا، حتى نفذت آخر قطرة من المياه في صباح نفس اليوم الذي أنقذتنا فيه سفينة الصيد الباكستانية.
شراع وحوض
في النهار عندما تشتد حرارة الطقس كنا نغرف من مياه البحر كمية تتناسب مع قوة تحمل القارب لنبرد أجسادنا، ورفعنا شراعا على القارب ليرانا البحارة ونستظل به عن الشمس ويوفر لنا حماية من حرارتها وأشعتها.
الأمل بالله
الأمل بالله كان موجودا لدينا منذ البداية، وقلوبنا متعلقة بذلك الأمل، كنا نشعر بالقلق على أسرنا وخوفهم علينا، لدينا رغبة كبيرة في الاتصال بهم وطمأنتهم، نقوم بين فترة وأخرى بتشغيل هواتفنا النقالة لفترة بسيطة لنبحث عن شبكة اتصال، ولكن سرعان ما نعيد إطفاءها مجددا عندما يتعذر ذلك للحفاظ على طاقة الأجهزة، فقد نعثر على شبكة اتصال في أي لحظة ونتصل بذوينا، ولكن الأيام تمر ومع كل يوم يذهب بنا القارب أبعد باتجاه الشرق نحو باكستان، ومعه يتضاءل الأمل بالعثور على شبكة اتصال، وكنا نشد من عزيمة بعضنا ويزيد إيماننا بالله، وكنا نقص بعض الحكايات بيننا التي أخبرنا عنها آباؤنا عن قصص فقدان الصيادين في البحر وعودتهم مرة أخرى، فهذه الحكايات كانت تعيد إلينا الأمل بالحياة والعودة إلى الديار.
مشهد معتاد
مشهد السفن العابرة دون أن تلتفت إلينا يتكرر كل يوم، ولكن كنا نستمر في إرسال الاستغاثة، لا نعلم هوية السفن وأي الدول تتبع، ولكن تمر علينا كما مرت غيرها العشرات بين مدنية وعسكرية وتجارية وأخرى للصيد، متنوعة ووجه الشبه بينها هو العبور دون إنقاذنا أو الحديث معنا ومعرفة هويتنا وأننا مفقودان! ربما يعتقدون أننا قراصنة ؟ ربما.
سفن الأمل
في صبيحة اليوم العاشر ونحن في البحر، اقتربت منا 3 سفن صيد خشبية، وكانت قبالتنا طوال اليوم وهم يصيدون ويشاهدون استغاثتنا ومحاولاتنا للاقتراب منهم، ولكن لم يحاولوا إنقاذنا ولا التحدث معنا، عند الظهر نفذت لدينا آخر قطرة ماء للشرب، والخوف بدأ يتسلل إلينا وأمامنا ثلاث سفن هي الأمل الوحيد لإنقاذنا من بعد الله سبحانه وتعالى، ولكن عند الساعة الثالثة عصرا تقريبا وبينما كانت سفينة واحدة من بين السفن الثلاث تستعد لمغادرة تلك المنطقة البحرية، اقتربت منا رويدا رويدا وعرضت علينا المساعدة، وعلى الفور أكدنا رغبتنا وحاجتنا لذلك وحاولنا التحدث معهم ولكن كان عائق اللغة بيننا وبينهم وقف حاجزا ليس بالصعب، سرعان ما تجاوزناه وفهموا أننا مجرد صيادين وتائهين في البحر ونحتاج إلى مساعدة وعرفنا أيضا أنهم باكستانيون ومتوجهون إلى كراتشي.
سجدة شكر
بعد أن صعدنا إلى سفينة الصيد الباكستانية التي أنقذتنا من موت كان يقترب منا كل يوم، سجدنا شكرا لله على نعمته وتسخير هذه السفينة لتنقذنا، رحب بنا ربان السفينة وطاقمها، ووفروا لنا سبل الراحة، وعلى الفور طلبنا منهم توفير وسيلة اتصال نتصل بها لذوينا وأهلنا، ولله الحمد اتصلت بأخي عند الساعة السادسة عصرًا، وهو الخبر الذي أعاد الفرحة على وجوه الأهالي وكل المجتمع العماني.
إلى كراتشي
أثناء الرحلة من وسط البحر إلى ميناء كراتشي عاملنا البحارة بكل لطف بينهم الكبار في السن والشباب جميعهم كانوا لطفاء معنا، قدموا لنا كل سبل الراحة من غذاء ومأكل ومشرب وملابس وأماكن للاستحمام، إلى أن سمعنا أن مركز الأمن البحري الباكستاني يحاول الاتصال بالسفينة لتحديد موقعنا، وبعد أن تمكن من ذلك عرفنا بأنهم قادمون إلينا والذهاب معهم بشكل أسرع للوصول إلى كراتشي بدل سفينة الصيد الخشبية.
استقبال وترحيب
وصلت سفينة مركز الأمن البحري الباكستانية أمس الأول (الأحد) وركبنا على متنها، واتجهت بنا بسرعة إلى ميناء كراتشي، حيث كان في استقبالنا مسؤولون بالقنصلية العامة لسلطنة عمان ومسؤولون باكستانيون، اتصلنا بأهلنا وبدأت صور وصولنا تجوب فضاء التواصل الاجتماعي، شعورنا امتزج بالفرحة مع الامتنان لكل من قدم لنا المساعدة ووفر لنا السبل لعوتنا للحياة، مرّ الوقت بطيئا ونحن نستشعر لذة العودة لأحضان الوطن والأهل، واستشعر ذلك أعضاء القنصلية وبادروا على الفور بتخليص إجراءات حصولنا على جوازات المرور والتنسيق مع السلطات الباكستانية وقبل كل ذلك أجريت لنا فحوصات طبية للتأكد من سلامتنا وقدرتنا على السفر، ودعنا الجميع هناك وعيوننا اغرورقت بالدموع ونحن نصعد لطائرة الخطوط الباكستانية، طارت بنا وحلقنا إلى مسقط ومن على نافذة الطائرة نشاهد زرقة البحر الذي حمل قاربنا المعطل 10 أيام، ورغم كل شيء يبقى البحر رؤوفًا بنا ولم يبتلعنا بفضل الله.
شكرًا للجميع، كلمة شكر لا توفي حق كل من ساعدنا واستقبلنا وبحث عنا، كانت هذه الكلمات التي قالها علي بن سالم الجعفري قبل أن ننهي الاتصال به مستمعين لقصة 10 أيام وسط البحر لن تغيب عن الذاكرة.