ثقافة

المرجعية في الأدب العماني (5) من القرية إلى المدينة على درّاجة الشكيلي الهوائية

 
تتفاعل النصوص الإبداعية مع الواقع منتجة دلالة نصية مقصودة، وشفرات محدّدة يقوم عليها النص. ولعلّ حمود الشكيلي واحد من الذين يتفاعلون مع الواقع، ويوظّفونه في كتاباتهم السردية معتمدا على إثارة مزج بين الواقع والمتخيّل في الكتابة.

في المقالة السابقة تناولت صورة القرية عند حمود الشكيلي كونها مرجعية ينطلق منها الكاتب في تأسيس نصوصه الإبداعية، ومرحلة أولى في الكتابة عند كثير من الكتّاب. في هذه المقالة ثمة ما يجعل هذا التأسيس مرتبطا بالواقع الاجتماعي ومتكاملا في سيرورته الكتابية؛ إذ يربط حمود عالم القرية في ذاكرته الأولى ويصله بذاكرة المدينة، إنه ارتباط الماضي بالحاضر، وارتباط الطفولة بالشباب، ونبش الذاكرة واستعادتها بكتابة التفاصيل اليومية.

يعيدنا حمود إلى عوالم الطفولة والشباب في كتابيه: (كلعبة فوق الماء تطفو) الذي تحدّثنا عنه في المقالة السابقة، و(كتاب الدراجة الهوائية) الصادر عن دار نثر عام 2021م من خلال الدراجة الهوائية. إنّ المتأمل لحضور الدراجة الهوائية في الكتابين سيجد أنها ليست مجرد موضوع يتناوله الكاتب، أو ذاكرة يستعيدها في نصوصه، إنما هي منجز كتابي دقيق قائم على اتجاهين متضادين: اتجاه قائم على دلالات البراءة والتشكيل الذهني وصياغة الأسئلة الطفولية بما تمثّله قيمة الدرّاجة في المكان القروي، وبما تمثّله من قيمة في مخيلة طفل يرى الفقر مانعا عن امتلاك دراجة. أليس ذلك دافع لانطلاقة مبكرة للكتابة والتأليف والغوص في أسرار إبداعية كبرى؟ هذا بالضبط ما تمثّله قيمة الدراجة في كتاب (كلعبة فوق الماء تطفو).

الاتجاه الآخر يتمثّل في رصد الثقافة المعاصرة، ووصف أولويات المكان القائم على تغيّرات الفكر والثقافة عند إنسان المدينة، الناظر إلى المفهوم الشامل للحياة المعاصرة وما تمليه عليه حياة المدينة خلافا لحياة القرية.

يقدّم لنا حمود الشكيلي صورتين مختلفتين عن حضور الدراجة الهوائية؛ ففي كتابه (كلعبة فوق الماء تطفو) يقدّم نصين سرديين عن هذا الحضور متمثلين في النصين السادس والسابع. يقول في النص السادس: 'الولد، ابن الفقير المعدم لا يملك دراجة. أفرط في عشق الدراجات الهوائية، كعاشق يدمن في التلصص على حبيبته.

كان يرسم الحمراء والخضراء منها على ورقة بيضاء، قبل أن يلتهم النوم أحلامه المستبدلة بالرسم. أن تعشق شيئا وأنت لا تستطيع إليه سبيلا! تخيل معي كيف أن الحياة ناقصة ستكون؟ خاصة إن كان الآخر صديقا يملك ما تحبّ، ولا تملك أنت شيئا!

... وهو في شارع الشقاوات صباحا، مرّ صبيّ من الجيران بدراجته الهوائية، أحمر لونها، مزينة بسلة بلاستيكية بيضاء، يرفرف منها علم، فيها تجلس أخته البالغة من العمر خمس سنوات، كملكة على عرش دراجة جميلة.

ظلت تلك الدراجة تمرّ على الولد -الذي لا يملك دراجة- مرارا وتكرارا. في كل مرور على طرف شارع الشقاوات كانت كلمات -منسية في هذه اللحظة- تخرج من فم جاره الصغير الراكب ظهر دراجته الحمراء.

حدث إثر سماع تلك الكلمة، أو بعد إعادة صياغتها بحروف ممدودة أو ممجوجة، أن خلع الولد سيد الشارع حذاءه؛ قذف به من في تلك الدراجة.

أطلقت الطفلة صيحة من قفص سلتها، توارى الولد صاعدا نخلة تختبئ خلف البيت، ظل خائفا، يختبئ كديك ينتظر ذئبا يأتيه ليضحك له ويغني؛ حتى يسقط من رأس النخلة، ليؤكل بخدعة العواء المغنى في الليل'. (ص:25)

يرتبط حضور الدراجة هنا ارتباطا وثيقا بدلالات الفقر، بل إنّ النص يقوم على استدعاء دلالات الفقر غير مرة، كما يقوم على الحفر في الذاكرة حتى يسترعيه منظر دراجة ابن الجيران، ويظل المنظر يعبر أمامه مستعيدا علاقة الحب المنقطعة بسبب الفقر، الأمر الذي دفعه إلى إعلان شقاوته كونه سيد الشارع بخلع حذائه وقذفه من على الدراجة.

في النص الذي يليه (السابع) يكمل حمود إلحاحه في طلب الدراجة حتى حصوله على مراده. لم تكن الدراجة وسيلة ترفيه فقط، إنها أيضا علاقة وارتباط وثيق بين الطفل وعالمه المتخيل، وبين الطفل وطرق قريته وحكاياته الأولى.

هل انتهت العلاقة بالحصول على الدراجة؟ لقد كانت البداية التي عزّزت هذه العلاقة، وأصبحت الانطلاقة إلى عالم الدراجات، وإلى عالم أوسع متمثل في المدينة وشوارعها وأسلوب حياتها. يصرّ حمود على حضور الدراجة بشكل أكبر في (كتاب الدراجة الهوائية)، وهنا تصبح الدراجة فكرة، وأنثى، ومشروع حياة، وقصيدة وإن كان هو قاصا، وبطريقة أو بأخرى: يربط حمود بين موضوع الدراجة وبين عوالمه الخارجية: الأدب، والثقافة، والذاكرة، والقهوة... فهي عالم مواز للعالم الذي يعيشه، يقول عن دراجته/ أنثاه: 'منذ أيام لم أعتلِ دراجتي؛ أتكاسل أحيانا، حدث أن تركتها يومين أو أكثر قليلا، لكنها حاضرة كل ساعة. أذهب إليها بالقراءة والكتابة، أظل فيهما على مقعدها، يصل أمر بعض الساعات أن أطمئن عليها واقفة مستندة على قطعة تميل بها، ولا تسقطها على الأرض.

أتحدّث مع دراجتي، أكلمها مثل صديقة. لا يتحملك إلا من يحبّك، لا يشعر أحد أنك بخير وعافية إلا الحبيب، وصارت الدراجة كذلك. أقضي أسبوعي وحيدا، عازبا إلا من دراجتي، بدا أني نويت أن أطلق عليها اسما، منذ الأمس مهموم باختيار اسم خاص بها'. (كتاب الدراجة الهوائية، ص118)

هنا يصنع حمود من الدراجة أنثى متخيلة، يحادثها ويطلق عليها اسما، ويرتبط بها ارتباطا عاطفيا، ويدخلها في بيته، ويعمل على إصلاحها باستمرار، هي ليست جمادا كما نتصور، وحده الكاتب من يرى الأشياء بغير صورتها؛ لذا فإنّ حمود يبتكر من محبوبته صورة أخرى يمكن نقل تفاصيلها للقارئ. في هذا الكتاب تقدّم الدراجة صورة مهمة عن المكان/ المدينة، وعن الحياة فيها، وعن نمط الثقافة وتفكير الإنسان؛ إذ تخرج الدراجة من كونها ثيمة وموضوعا لتصير عينا راصدة شاهدة على التحولات المكانية والزمانية، لذا يفتتح حمود يومياته بمدخل تاريخي بالحديث عن الدراجة، وتاريخ صنعها مستعيدا معها ذاكرة قريته بسيا من (دكان الدراجات الهوائية)، فيصف القرية الصغيرة في معرض حديثه عن الدراجة، فيقول: 'يبعد بيت حميد البيماني -رحمة الله تعالى عليه- عن بيت حمد بن صالح بكيلومتر واحد، وقد اتخذ جزءا منه دكانا على واجهة شارع يؤدي إلى مفترق ثلاثة طرق في قرية بسيا، شرقا إلى المقبرة، غربا إلى شريعة فلج البسياني/ الجامع الكبير/ مصلى العيد، شمالا إلى حارات الطين القديمة'. (ص:20) كما يربط حمود بين تحصيله الدراسي وبين شرائه للدراجة. ولشدة تعلّقه بها فإنها تسيطر على مخيلته حتى يقول عنها: 'في بعض الأيام أصير جروا صغيرا، أخرج في الظهيرة إلى دكان الدراجات الهوائية، أقضي ساعة أشم زجاج المحل، ولا أغادر المكان حتى يسيل لعابي، ثم آخذ نفسا طويلا متخيلا رائحة إطار العجلات تلتصق بأنفي، ألحس زجاج الدكان كما لو أني ألعق دراجة. لا ينام جرو القرية في ساعات القيلولة المستريحة داخل البيوت، يحلم بدراجة تنطلق نحو أحلامه البعيدة'. (ص:22) لكن 'كيف لأب فلاح فجرا، ثم سائق سيارة أجرة صباحا أن يشتري دراجة لابنه؟'. إنه السؤال الأهم في ذاكرة الطفل، السؤال الذي انتقل عبر زمنين وعبر مكانين وعبر كتابين، الفقر مقابل الدراجة، والحلم مقابل الحقيقة، إنها الذاكرة.

يسترسل حمود في الحديث عن الدراجة وعن مسقط وعن المعبيلة وعن حكايات الإنسان الذي ارتبط معه بأحاديث الدراجات، فإذا به يعرض لنا قصصهم وأخبارهم ويوميات تتناول تفاصيل الحياة ودواخل الإنسان.

إنّ لـ(كتاب الدراجة الهوائية) أهمية في التصنيف الكتابي؛ فقد استطاع حمود من خلاله المزج بين اشتغالات السرد وبين التوثيق، كما قدّم لمحة عن الواقع والتبدّلات التي شهدها الإنسان العماني. إنّ الدراجة هي معادل التغيّر الزمني، ومعادل التفكير الإنساني، ومظهر الانتقال عبر الأمكنة، فكأنما عجلات هذه الدراجة في دورانها هي عجلات متنقلة بنا عبر الزمان والمكان، فهي ترصد تغيرات الإنسان في هذه الحياة. يحيلني ذلك على نص سابق للشاعر حسن المطروشي بعنوان (على دراجة صدئة)؛ إذ تعبّر الدراجة عن صورة متخيلة تتناول مشاهد من واقع الحياة المرتبطة ببيئة الإنسان القروي، وكأنّ الدراجة تمثّل كاميرا توثّق لطبيعة الإنسان وطبيعة المكان. لذا فإنّ الدراجة عند حمود تمثّل نقطة التقاء بين الواقع والتخيل لحظة الكتابة، وهذا ما عليه في كتابه (كلعبة فوق الماء تطفو) أيضا.

يظهر هذا الالتقاء في رصد مظاهر من سرد الواقع باستعراض دراجات لأصدقاء له، ينطلق من رؤيتهم الشخصية للموضوع في إنشاء نص سردي، ففي الجزء المعنون بماراثون دراجات الحرية ينقل لنا جانبا من علاقة أصدقائه بالدراجة، مثل دراجات وئام السالمي، وعمه خليفة، وأربع دراجات في بسيا، وزوان السبتي، ومازن حبيب، وسليمان المعولي، وسعيد الحاتمي، وجمال صالح، وأحمد إسماعيل، وحمد المعمري، وفي كل جزء منها يقدّم بلغته السردية وصفا للأحداث والأمكنة والشخصيات بما يخدم الحكاية.

ويظهر التقاء الدراجة بالمتخيل في نص (المصباح الخلفي: الدراجة طارت)، فيقول: 'مرة أخبرتكم أني رأيت دراجة تطير. كان ذلك يوم 18 أكتوبر من عام 2062. حلّقت أول دراجة هوائية في العالم من مطار سمائل إلى مطار عمان الدولي. رحلة قصيرة جدا، استغرقت ثلاثمائة ثانية'. (ص:144) هنا تصبح الدراجة أكثر انطلاقا في النص، وتأخذ حيّزا من التفكير لحظة الكتابة، فيتقدّم السارد إلى المستقبل واصفا صورة متقدّمة ومتطورة لدراجته.

هكذا هي دراجة حمود الشكيلي، مشروع كتابي مهم ممتد عبر الزمان والمكان، ومرجعية يستند عليها السرد في بناء نصوصه الإبداعية وإبراز أهم القيم المكانية والإنسانية والثقافية.

* خالد المعمري كاتب وشاعر عماني وباحث في مجال السرديات