أفكار وآراء

إيران والولايات المتحدة والاتفاق النووي.. ما المطلوب؟

ترجمة - قاسم مكي

قبل عام بدأت طهران وواشنطن جهودا دبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي الذي قوضته إدارة ترامب. أعانت جهود «دبلوماسية المكوك» المكثفة بواسطة الحكومات الأوروبية طوال الاثني عشر شهرا الماضية طهران وإدارة بايدن على اتخاذ الخطوات الفنية المطلوبة لعودتهما إلى التقيد بالاتفاق. رغما عن ذلك تواجه إيران والولايات المتحدة انسدادا حول عدة قضايا سياسية آخرها ما يجب فعله بتصنيف إدارة ترامب الحرسَ الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية.

لن أسرد القائمة الطويلة من الأسباب التي تجعل الاتفاق النووي لعام 2015 أفضل الخيارات المطروحة. الخلاصة هي أنه يتيح مسارا يمكن التحقق منه لوقف أية عملية إيرانية محتملة لإنتاج القنبلة النووية والرد عليها بسرعة.

هذا الاتفاق ليس مثاليا ولا يوجد شك أن متخذي القرارات السياسية في كل من إيران والولايات المتحدة سيواجهون معارضة سياسية إذا عادوا إليه. لكنهم يمضون في هذا الاتجاه لأن شروطه تمثل أفضل تسوية متاحة.

في كل الأحوال، خلف الكواليس، يعلم من يتولون المسؤولية في طهران وواشنطن والعواصم الأوروبية أن خططهم البديلة (ب) تبدو شنيعة.

بالنظر إلى هذا سيكون من الغباء بالنسبة لواشنطن المخاطرة بإهدار فرصة احتواء البرنامج النووي الإيراني بسبب تصنيف الحرس الجمهوري منظمة إرهابية أجنبية. وهو توصيف رمزي أساسا.

لقد أوضح المسؤولون الأمريكيون مرارا أن الحرس الجمهوري سيظل رهينَ قائمةٍ طويلة من العقوبات التي ترجِّح إلى حد بعيد تعطيلَ أنشطته الاقتصادية الجديدة.

إلى ذلك قرار تصنيف الحرس الجمهوري منظمةً إرهابية أجنبية لم يفعل شيئا يذكر لتأمين مصالح الولايات المتحدة. بل في الحقيقة أقرّ المسؤولون الأمريكيون بارتفاع معدل هجمات الجماعات الموالية لإيران في المنطقة بنسبة 400% منذ إعلان ذلك التصنيف. وإذا فشل المسار الدبلوماسي الآن من المرجح أن يكون الحرس الثوري أكثر تأكيدا لدوره في المنطقة مع وجود برنامج نووي متمدد تحت تصرفه.

ظلت إيران تكرر منذ مدة طويلة أنها تريد كمسألة مبدأ ومن باب الكرامة الوطنية سحبَ هذا التصنيف ضد مكوِّن حيوي من مكونات قواتها المسلحة قبل العودة إلى الاتفاق النووي. يجب ألا يكون هذا مفاجئا للإدارة الأمريكية. والصراع يدور حول ما الذي يمكن أن تحصل عليه واشنطن من طهران وعما إذا كان بايدن مستعدا لتحمّل النقد الذي يترتب عن ذلك.

على الولايات المتحدة عدم توقع صدور بادرة علنية كبيرة من إيران مقابل رفع التصنيف الإرهابي للحرس الجمهوري. مثلا غالبا ما سترفض إيران مقترحاتٍ بأن تصرح علنا أنها لن تنتقم لاغتيال الجنرال قاسم سليماني أثناء إدارة ترامب. فلا تزال الولايات المتحدة تخشى من احتمال تنفيذ إيران اغتيالا مضادا ضد مسؤولين كبار سابقين شاركوا في اتخاذ قرار قتل سليمان.

لكنَّ هنالك قلقا في إيران بأن مثل هذا التعهد العلني سيشكل سابقة خطيرة تمهد للولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ اغتيالات في المستقبل دون أن يدفعا ثمنا لذلك.

تعتقد إيران أنها تنازلت عن بعض شروطها التفاوضية الحيوية مثل طلبها من واشنطن جبر الضرر الناجم عن خسارة معاملات تجارية ببلايين الدولارات بسبب تخلي الولايات المتحدة عن اتفاق صادق عليه مجلس الأمن.

تراجعت إيران أيضا كما يبدو عن المطالبة بضمانات مكتوبة بعدم انسحاب أي رئيس أمريكي في المستقبل من الاتفاق مرة أخرى.

الحقيقة هي أن بايدن سيواجه معارضة في الكونجرس وردَّ فعلٍ سياسيا قويا من جانب إسرائيل بصرف النظر عن نوع الاتفاق الذي يتوصل إليه وذلك فقط لأنه يعقد صفقة مع جمهورية إيران الإسلامية.

وبالنسبة لرئيس الولايات المتحدة فهو كلما أجّل اتخاذ القرار النهائي حول الاتفاق اقترب من انتخابات نصف الفترة البرلمانية في نوفمبر حيث ستضعف رغبته في إزعاج الديمقراطيين المتشددين في الكونجرس.

في الأثناء ستستمر إيران في توسيع برنامجها وخبرتها النووية. ومع تحوُّل الصراع في أوكرانيا إلى نقطة اشتعال جيوسياسية للغرب لن يكون هذا الوقت مناسبا لإضافة المزيد من الأزمات بفتح جبهة نووية جديدة في الشرق الأوسط غالبا ما ستستثير ردا عسكريا إسرائيليا.

بالنسبة لإيران سيكون تأجيل العودة إلى الاتفاق النووي مكلِفا لاقتصادها من حيث الفرص المفقودة. في طهران تركزت السلطة الآن إلى حد كبير في أيدي المجموعة السياسية المحافظة التي تتلهف إلى إثبات أنها قادرة على إدارة الاقتصاد أفضل ممن يعتبرهم أفرادُها أسلافا منحازين للغرب وسذَّجا. لكن حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي بعد ما يقرب من عام تقريبا في الحكم لم تتمكن من تحسين الأوضاع الاقتصادية بقدر مهم للإيرانيين العاديين.

كذلك أشعل الصراع الأوكراني جدلا داخليا في إيران حول أفضل السبل لحماية مصالحها الوطنية.

في تباين حاد مع منافسيها في العالم العربي، يعني الانسداد حول الاتفاق النووي لإيران أنها لن يكون بمقدورها الاستفادة الكاملة من ارتفاع أسعار النفط عقب فرض العقوبات الغربية على روسيا. حقا، لم تتوقف الصين عن شراء النفط الإيراني رغم عقوبات الولايات المتحدة. لكنها تفعل ذلك بثمن بخس. وطالما ظلت إيران داخل صندوق العقوبات الأمريكية لا يمكن أن تجد المزيد من المشترين لنفطها كالهند وكوريا الجنوبية والبلدان الأوروبية التي تسعى لتقليل اعتمادها على موارد الطاقة الروسية. كما لا يمكن لإيران إيجاد سبيل للحصول على مدفوعات مبيعات نفطها طالما ظلت العقوبات الأمريكية الثانوية تحول دون انسياب المعاملات المالية الدولية معها.

على الأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي تعزيز جهودها لدفع كل من طهران وواشنطن لتخطي آخر عقبة سياسية.

يجري تداول عدد من التسويات المعقولة. يدعو أحد المقترحات قيد الدراسة حسبما ذُكِر إلى سحب الحرس الثوري من قائمة المنظمات الأجنبية الإرهابية لكن مع الإبقاء على فيلق القدس (نُخبتِه) الذي ينشط في الشرق الأوسط. هنالك مسار آخر محتمل عبر مجلس الأمن الذي اعتمد الاتفاق النووي بموجب القرار رقم 2231.

كجزء من عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي وإزالة الحرس الثوري من قائمة الإرهاب يمكن إصدار تعهد جانبي وعلني بواسطة كل أطراف الاتفاق على مستوى مجلس الأمن ينص على أن الأعضاء الدائمين بالمجلس سيعملون إلى جانب إيران على تخفيف التوترات العسكرية في الشرق الأوسط.

مثل هذا التعهد من شأنه مساعدة الولايات المتحدة على خفض وجودها العسكري في الشرق الأوسط كما يمكن بتلطيف التوترات إتاحة مجال أرحب لإجراء محادثات إقليمية.

ليس هنالك من سبيل لضمان استمرار هذا التخفيف للتوترات كما لا يوجد ضمان بعدم نكوص الإدارة الأمريكية الحالية أو أية إدارة أخرى في المستقبل عن الاتفاق النووي على نحو ما فعل ترامب.

عند الوصول إلى اتفاق نهائي سيلزم إيران والولايات المتحدة القبول بهذه الحقائق وتوظيف إرادتهما السياسية لهذا المسعى.

تمت الآن تسوية الخلافات الجوهرية والمهمة حول كيفية تطبيق الاتفاق النووي. بل تمكنت الأطراف من الإبقاء على المفاوضات في مسارها بعدما أوقفت روسيا المحادثات تقريبا (وهي طرف رئيسي في الاتفاق) عقب تدهور علاقاتها مع الغرب حول العقوبات المرتبطة بحرب أوكرانيا. وكلما طال انتظار واشنطن وطهران صار مخرِّبو العملية التفاوضية أكثر قدرة على تقويضها، وقَوِي إحساس كل جانب بعدم قدرته على التنازل عن «بوصة» حفاظا على ماء وجهه في الداخل.

إيلي جيرانمايا نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وزميل أول سياسات بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية