العولمة انتهت.. والحروب الثقافية بدأت
الاحد / 8 / رمضان / 1443 هـ - 20:12 - الاحد 10 أبريل 2022 20:12
ترجمة: أحمد شافعي -
أنتمي إلى جيل سعيد الحظ. فلم يزل بوسعي أن أتذكر عهدا ـ لم يمض عليه إلا قرابة ربع قرن ـ بدا فيه أن العالم يتلاقى. بدا أن نزاع الحرب الباردة الكبرى بين الشيوعية والرأسمالية انتهى. كانت الديمقراطية لم تزل تنتشر. والبلاد تصبح أكثر ترابطا من الناحية الاقتصادية. وبدت شبكة الإنترنت مستعدة لتعزيز الاتصالات في شتى أرجاء العالم. بدا كأننا سنشهد تقاربا عالميا حول مجموعة من القيم المطلقة: هي الحرية والمساواة والكرامة الشخصية والتعددية وحقوق الإنسان.
أطلقنا على عملية التقارب تلك اسم العولمة. وقد كانت في بدايتها عملية اقتصادية ثقافية تتعلق بتزايد التبادل التجاري والاستثمار بين البلاد وانتشار التكنولوجيات التي جعلت ويكبديا مثلا على أهبة الاستعداد عند أطراف أصابعنا. لكن العولمة كانت أيضا عملية سياسية واجتماعية وأخلاقية.
في تسعينيات القرن الماضي، ذهب عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جيدنز إلى أن العولمة 'تحوُّل في ظروف حياتنا نفسها. فهي الطريقة التي نحيا بها الآن'. وهي تتعلق بـ'تأكيد العلاقات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم'. تعلقت العولمة بدمج رؤى العالم والمنتجات والأفكار والثقافة.
تلاءم هذا مع نظرية أكاديمية كانت تطفو في الأجواء وتعرف بنظرية التحديث. وفكرتها أنه مع تطور الأمم، تصبح أشبه بنا في الغرب، نحن الأمم التي تحدثت بالفعل.
في الحوار العام الأوسع، كان يفترض في بعض الأحيان أن أمم العالم سوف تعجب بنجاح الديمقراطيات الغربية وتسعى إلى محاكاتنا. وكان يفترض أحيانا أنه مع تحدُّث' الشعوب ستصبح أكثر برجوازية واستهلاكية وسلمية، مثلنا بالضبط. وكان يفترض أحيانا أنه مع تحدُّث المجتمعات ستصبح أكثر علمانية، شأن الحال بالضبط في أوروبا وأجزاء من الولايات المتحدة. وتصبح أكثر انسياقا لرغبة في الإثراء أكبر من الرغبة في غزو الآخرين. وتصبح أكثر انسياقا لرغبة في الاستقرار في بيوت في الضواحي تفوق رغبة الانسياق لأيديولوجيات متعصبة أو لجوع ما إلى المكانة والغزو الذي كبَّد الإسانية قرونا من الحرب.
هذه كانت رؤية متفائلة لطريقة تطور التاريخ، رؤية للتقدم والتقارب. ومن سوء الطالع أن هذه الرؤية لا تصف العالم مثلما نعيشه اليوم. فالعالم لم يعد يتقارب، بل يتشعب. وعملية العولمة تباطأت، بل انقلب مسارها، في بعض الحالات، إلى عكسه. ويُبرز غزو روسيا لأوكرانيا هذه الاتجاهات. وفي حين أن قتال أوكرانيا الباسل للعدوان الاستبدادي ملهم للغرب فإن أغلب العالم لم يتأثر به، بل هو متعاطف مع فلاديمير بوتين.
تورد الإيكونوميست أنه في ما بين 2008 و2019، انخفض التبادل التجاري العالمي بالنسبة إلى الإجمالي العالمي للناتج المحلي بقرابة خمسة في المائة. واستحدث عدد ضخم من التعريفات والحواجز التي تعوق التبادل التجاري. تباطأت تدفقات الهجرة. وانخفضت التدفقات العالمية للاستثمار بعيد المدى بنحو النصف في ما بين 2016 و2019. وأسباب اللاعولمة هذه واسعة وعميقة. فقد نزعت أزمة 2008 المالية الشرعية عن الرأسمالية العالمية بالنسبة لكثير من الناس. ويبدو أن الصين قد أظهرت أن المذهب التجاري صالح لأن يكون استراتيجية اقتصادية فعالة. وصعدت شتى الحركات المناهضة للعولمة، فهناك دعاة البريكست، والقوميون المصابون برهاب الأجانب، والشعبويون الترامبيون، واليسار المناهض للعولمة.
هناك من الصراع العالمي أكثر مما كان في إجازة التاريخ الصغيرة في تسعينيات القرن الماضي. باتت التجارة، والسفر، بل والاتصالات في ما بين الكتل السياسية أكثر إجهادا من النواحي الأخلاقية والسياسية والاقتصادية. وانسحبت مئات الشركات من روسيا مع انفصال الغرب جزئيا عن آلة الحرب البوتينية. وكثير من المستهلكين في الغرب لا يريدون تبادلا تجاريا مع الصين بسبب اتهامها بالعمالة القسرية والإبادة الجماعية. وكثير من رؤساء الشركات التنفيذيين في الغرب يعيدون النظر في عملياتهم في الصين مع ازدياد عداوة النظام الحاكم هناك للغرب ومع تعرض سلاسل التوريد للخطر بسبب اضطرابات سياسية. في 2014 حظرت الولايات المتحدة شركة هواوي التكنولوجية الصينية من التقدم لمناقصات العقود الحكومية. وزاد جو بايدن من قوة قواعد 'شراء المنتج الأمريكي' ليزداد شراء حكومة الولايات المتحدة من المنتجات المحلية.
يبدو أن الاقتصاد العالمي ينفصل تدريجيا إلى منطقتين ناشئتين: غربية وصينية. لقد بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين الصين وأمريكا قرابة ثلاثين مليار دولار سنويا منذ خمس سنوات. ولكنها انخفضت الآن إلى خمسة مليارات دولار.
ومثلما كتب جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج في مقالتهما الممتازة في بلومبرج فإن 'الأوضاع الجيوسياسية تتحرك بلا شك في اتجاه مضاد للعولمة، نحو عالم خاضع لسيطرة كتلتين تجاريتين ضخمتين أو ثلاثة كتل'. هذا السياق الأوسع، وبخاصة غزو أوكرانيا، 'يهيل التراب على أغلب الافتراضات الأساسية للتفكير التجاري في العالم خلال السنوات الأربعين الماضية'.
مؤكد أن العولمة سوف تستمر بوصفها تدفقات للتبادل التجاري. لكن يبدو أن العولمة بوصفها المنطق المحرك للشؤون العالمية قد انتهت. اندمجت الآن الخصومات الاقتصادية مع الخصومات السياسية والأخلاقية وغيرها في نزاع عالمي على الهيمنة. وحل محل العولمة شي يبدو كبير الشبه بحرب ثقافية.
حينما نرجع النظر، قد نركز كثيرا على فاعلية القوى المادية من قبيل الاقتصاد والتكنولوجيا في دفع الأحداث الإنسانية والتقريب بيننا جميعا. وليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، ففي مطلع القرن العشرين، كتب نورمان أنجيل كتابا بات شهيرا الآن عنوانه 'الوهم الكبير'، ذهب فيه إلى أن الأمم الصناعية في زمنه قد بلغت من الترابط الاقتصادي ملبغا يمنعها كبره من التحارب، فوقعت بدلا من ذلك حربان عالميتان.
واقع الأمر أن السلوك البشري كثيرا ما تحركه قوى أعمق كثيرا من المصلحة الشخصية الاقتصادية والسياسية، على الأقل حسبما يفهم العقلانيون الغربيون هذه الأمور. ولا يحرك الأحداث في الوقت الراهن إلا هذه الدوافع العميقة، وهي التي توجه التاريخ وجهات جامحة العصيان على التنبؤ.
أولا، البشر مدفوعون بقوة احتياجات الإنسان إلى الرؤية والاحترام والتقدير. فلو أنكم أعطيتم الناس الانطباع بأنهم غير مرئيين وغير محترمين وغير مقدَّرين فسوف تملؤهم مشاعر الغضب والاستياء والانتقام. وسوف ينظرون إلى هذا التقليل باعتباره ظلما ويردون عليه بسخط عدواني.
كانت السياسات العولمية على مدار العقود القليلة الماضية بمثابة آلة للتفاوت الاجتماعي الهائل. ففي البلد تلو البلد، صعدت جماعات من النخب الحضرية ذات التعليم العالي للسيطرة على الإعلام والجامعات وكذلك السلطة السياسية في كثير من الحالات. وتشعر قطاعات واسعة من الناس بأنها موضع ازدراء وتجاهل. وفي البلد تلو البلد صعد قادة شعبويون لاستغلال هذه المشاعر المستاءة، فدونالد ترامب في الولايات المتحدة وناريندرا مودي في الهند ومارين لوبان في فرنسا.
في الوقت نفسه، يمارس المستبدون سياسات الاستياء على نطاق عالمي. فيعاملون الغرب جماعيا معاملة نخب عالمية ويعلنان ثورتهما الصريحة عليه. فيحكي بوتين قصص إذلال عما يفترض أن الغرب اقترفه في حق روسيا في تسعينيات القرن الماضي. ويعد بالعودة إلى الاستثنائية الروسية والمجد الروسي، وبأن تسترد روسيا دور الصدارة في التاريخ العالمي.
يتحدث القادة الصينيون عن 'قرن المذلة'. ويشتكون من غطرسة الغربيين في محاولتهم فرض قيمهم على من عداهم. وبرغم أن الصين قد تصبح في نهاية المطاف أضخم اقتصاد في العالم، لم يزل شي جينبنج يتكلم عن الصين باعتبارها بلدا ناميا.
ثانيا، أغلب الناس لديهم ولاء قوي لمكانهم ولأمتهم. لكن على مدار العقود القليلة الماضية شعر كثير من الناس بأن أماكنهم هجرت وبأن شرفهم الأممي مهدد. في ذروة العولمة، بدت منظمات عديدة الأطراف وشركات عالمية تطغى على الدول القومية.
في البلد تلو البلد، صعدت حركات قومية لتصر على السيادة الوطنية وتسترد الكبرياء الوطنية: مودي في الهند، ورجب طيب إردوجان في تركيا، وترامب في الولايات المتحدة، وبوريس جونسن في بريطانيا. ولتذهب الكوزموبوليتانية إلى الجحيم، ومعها التقارب العالمي، حسبما يقولون، فسوف نسترد عظمة بلدنا من جديد ونصنعه على طريقتنا. واستهان كثير من دعاة العولمة تمام الاستهانة بقوة القومية وقدرتها على توجيه التاريخ.
ثالثا، الناس يتحركون بدافع من أشواق معنوية ـ بدافع من ارتباطهم بقيمهم الثقافية الخاصة، ورغبتهم في الدفاع بضراوة عن قيمهم حينما تبدو معرضة للهجوم. وعلى مدار العقود القليلة الماضية بدت لكثير من الناس أن العولمة هي هذا الهجوم بالذات.
بعد الحرب الباردة، باتت القيم الغربية تسيطر على العالم ـ من خلال أفلامنا وموسيقانا وحوارنا السياسي وإعلامنا الاجتماعي. وكان من نظريات العولمة ما يذهب إلى أن الثقافة العالمية سوف تتقارب حول القيم الليبرالية بصفة أساسية.
والمشكلة هي أن القيم الغربية ليست قيم العالم. وواقع الأمر أننا في الغرب غرباء ثقافيا تمام الغربة. في كتابه 'أغرب شعوب العالم' يحشد جوزيف هنريتش مئات الصفحات من البيانات ليبين مدى غرابة قيم الغرب المتعلم الصناعي الثري الديمقراطي.
يكتب قائلا 'نحن غرباء؛ شديدو الفردية، والهوس بالذات، والسعي إلى السيطرة، والانفلات والتحيل. ينصب تركيزنا على أنفسنا ـ على خصالنا ومنجزاتنا ومطامحنا ـ أكثر مما ينصب على علاقاتنا وأدوارنا الاجتماعية'.
من الممكن تماما أن نطرب للاستماع إلى بيلي إيليش أو ميجان ثي ستاليو ونظل نجد القيم الغربية غريبة أو ربما كريهة. فكثير من الناس في العالم ينظرون إلى أفكارنا عن الأدوار الجندرية فيجدونها غريبة أو كريهة. فكرة حق كل شخص في اختيار هويته وقيمه تبدو فكرة سخيفة للكثيرين. فكرة أن الغرض من التعليم هو غرس مهارات التفكير النقدي بحيث يحرر الطلبةُ أنفسَهم من الأفكار التي يتلقونها من آبائهم ومجتمعاتهم تبدو للكثيرين فكرة حمقاء.
وفي ظل أن 44% من طلاب التعليم الثانوي الأمريكيين تنتابهم مشاعر حزن أو يأس، فليست ثقافتنا أفضل إعلاما عن قيمنا الغربية في الوقت الراهن.
وبرغم افتراضات العولمة، لا يبدو أن الثقافة العالمية تتقارب بل يبدو في بعض الحالات أنها تتباعد. لقد درس العالمان الاقتصاديان فرناندو فيريرا وجويل وولدفوجل جداول الموسيقى الشعبية في اثنين وعشرين بلدا بين 1960 و2007، وتبين لهما أن الناس تنحاز إلى موسيقى بلدها وأن هذا الانحياز تزايد منذ أواخر التسعينيات. فالناس لا تريد الاندماج في ثقافة عالمية متجانسة، وإنما يريدون الحفاظ على ثقافتهم النوعية.
كل بضع سنوات يوجه (استطلاع القيم العالمية) أسئلة للناس من مختلف أنحاء العالم عن معتقداتهم الأخلاقية والثقافية. وفي كل بضع سنوات، تستنبط من نتائج تلك الاستطلاعات خريطة تبين مدى اختلاف تلك المناطق الثقافية عن بعضها بعضا. في عام 1996 اندمجت المنطقة الثقافية لأوربا البروتستنتية والمنطقة الناطقة بالإنجليزية وسط مناطق العالم الأخرى. فقد اختلفت القيم الغربية عن القيم التي تم العثور عليها في أمريكا اللاتينية أو المنطقة الكونفشيوسية مثلا، لكنها تماست.
لكن خريطة 2020 تبدو مختلفة. إذ ابتعدت منطقة أوروبا البروتستنتية والمنطقة الناطقة بالإنجليزية عن بقية ثقافات العالم فبدت الآن أشبه بشبه جزيرة ثقافية غريبة.
في ملخص للنتائج والرؤى أشارت الرابطة العالمية لاستطلاع القيم إلى أنه فيما يتعلق بقضايا من قبيل الزواج والأسرة والجنس والميل الجنسي، 'كان هناك اختلاف متزايد بين القيم السائدة في البلاد منخفضة الدخل والبلاد ذات الدخل المرتفع'، ولطالما كنا غرباء في الغرب، لكن بعدنا الآن عن بقية العالم يزداد شسوعا.
أخيرا، يتحرك الناس بدافع قويٍّ من رغبة في النظام. فلا شيء أسوأ من الفوضى والتخبط. وقد يبدو وقع هذه التغيرات السياسية، والانهيارات المتزامنة في كثير من الأحيان للحكم الفعال كوقع الفوضى الاجتماعية، والتخبط، بما يفضي بالناس إلى السعي إلى النظام مهما يكن ثمنه.
نحن في أمم العالم الديمقراطية محظوظون بعيشنا في مجتمعات لديها نظم قائمة على قواعد، تنعم فيها الحقوق الشخصية بحماية تخول لنا اختيار زعمائنا. لكن في المزيد بعد المزيد من مناطق العالم لا يحظى الناس بمثل هذا النظام.
وكما أن لتباعد العالم على المستوى الاقتصادي دلائل، فثمة دلائل على تباعده سياسيا. في تقرير فريدم هاوس عن 'الحرية في العالم سنة 2022' تلاحظ المؤسسة أن العالم مر بستة عشر عاما متعاقبة من تراجع الديمقراطية. وقد ذكرت العام الماضي أن 'البلاد التي تمر بتدهور [ديمقرطي] تفوق في عددها البلاد الي تشهد تطورات بهامش هو الأكبر منذ تسجيل هذه النزعة في عام 2006. وهذا الانحسار الديمقراطي الطويل يزداد عمقا'. وليس هذا ما حسبنا في عصر العولمة الذهبي أنه سيحدث.
في أيام ذروتها، بدت الديمقراطيات مستقرة، والأنظمة الحاكمة الاستبدادية في طريقها إلى كومة رفات التاريخ. اليوم، يبدو أن كثيرا من البلاد الديمقراطية أقل استقرارا مما كانت ويبدو أن كثيرا من الأنظمة الاستبدادية أكثر استقرارا. فالديمقراطية الأمريكية على سبيل المثال انزلقت إلى الاستقطاب والخلل. في حين أظهرت الصين أن الأمم شديدة المركزية يمكن أن تضارع الغرب في التقدم التكنولوجي. ولدى الأمم الاستبدادية الحديثة الآن تكنولوجيات تتيح لها سيطرة شاملة على مواطنيها بطرق كانت تفوق الخيال قبل عقود.
الأنظمة الحاكمة الأوتقراطية الآن تنافس الغرب في الاقتصاد منافسة جادة. فهم يمثلون 60% من طلبات براءات الاختراعات. في 2020، استثمرت الحكومات والقطاع الخاص في تلك البلاد تسعة ترليونات دولار في أشياء من قبيل الميكنة والمعدات والبنية الأساسية، فيما استثمرت الأمم الديمقراطية 12 ترليونا. وحينما تمضي الأمور على نحو طيب، يتسنى للحكومات الاستبدادية أن تنعم بتأييد شعبي مدهش.
ما أصفه الآن هو تباعد على العديد من الأصعدة. ومثلما ذكر الباحثون هيذر بيري وماورو جويلين وآرون هندي في دراسة للتقارب الدولي فإن 'الدول القومية في النظام العالمي على مدار نصف القرن الماضي لم تتطور كثيرا إلى التقارب (أو التماثل) من بعضها بعضا في عدد من الأبعاد'. فنحن في الغرب نعتنق سلسلة القيم المطلقة المتعلقة بالحرية والديمقراطية والكرامة الشخصية. والمشكلة أن هذه القيم المطلقة ليست مطلقة القبول ويتزايد رفضها.
في ما يلي أصف عالما يتحول فيه التباعد إلى تصارع، وبخاصة في ظل تنافس القوى العظمى على الموارد والسيطرة. تريد الصين وروسيا بوضوح تأسيس مناطق إقليمية تسيطران عليها. وبعض من هذا الصراع هو القائم تاريخيا بين الأنظمة السياسية المتعارضة، وهو مماثل لما رأيناه خلال الحرب الباردة. هذا هو الصراع العالمي بين قوى نشر الاستبداد وقوى نشر الديمقراطية. إذ تقيم الأنظمة الحاكمة غير الليبرالية تحالفات مع بعضها بعضا. وتستثمر المزيد في اقتصادات بعضها بعضا. في المقابل، تقيم الحكومات الديمقراطية تحالفات أقرب ببعضها بعضا. وتقام الأسوار. كانت كوريا أول ميدان معركة كبيرة في الحرب الباردة. وقد تكون أوكرانيا أول ميدان معركة فيما يتحول إلى صراع طويل بين نظامين سياسيين متعارضين تمام التعارض.
لكن أمرا أكبر يجري اليوم، ويختلف عن صراعات القوة الكبيرة في الماضي، أي يختلف عن الحرب الباردة. فهذا ليس صراعا سياسيا أو اقتصاديا وحسب. إنه صراع سياسة واقتصاد ثقافة ومكانة وسيكولوجيا وأخلاق ودين في آن واحد. وبمزيد من التحديد، هو رفض لأساليب الغرب من مئات ملايين البشر على نطاق عريض من الأصعدة.
وتحديدا لهذا الصراع بمزيد من الأريحية، أقول إن الاختلاف قائم بين تركيز الغرب على الكرامة الشخصية وتركيز أغلب العالم على التماسك الاجتماعي. ولكن ليس ذلك هو غاية ما يجري هنا. فالمهم هو طريقة انتقاد تلك الاختلافات الثقافية الطبيعية قديمة العهد من قبل الاستبداديين الراغبين في توسيع سلطتهم وبذر أسباب الفوضى في العالم الديمقراطي. فالحكام الاستبداديون يقومون روتينيا بتحويل الاختلافات الثقافية والتوترات الدينية واستياءات المكانة إلى أسلحة بهدف تجييش الأنصار واجتذاب الحلفاء وتوسيع سلطاتهم الشخصية. هذا هو الاختلاف الثقافي إذ تحوله استياءات المكانة إلى حرب ثقافية.
لقد أعاد بعض الناس إحياء نظرية صمويل هنتنجتن الخاصة بصدام الحضارات لفهم ما يجري. ولقد كان هنتنجتن محقا في أن الأفكار والسيكولوجيا والقيم تحرك التاريخ بقدر ما تحركه المصالح المادية. لكن هذه الانقسامات لا تتسق والخطوط الحضارية التي وصفها هنتنجتن.
أشد ما يزعجني في واقع الأمر هو أن هذا الرفض لليبرالية والفردية والتعددية والمساواة الجندرية وكل القيم الغربية لا يحدث فقط بين أمم وأمم وإنما داخل أمم. فاستياء المكانة الموجه إلى النخب الثقافية والاقتصادية والسياسية الغربية التي تتدفق من أفواه القادة غير الليبراليين أمثال بوتين ومودي والبرازيلي جاير بولسونارو تبدو شديدة الشبه باستياء المكانة الذي يتدفق من أفواه اليمين الترامبي، واليمين الفرنسي، واليمين الإيطالي والمجري.
وثمة تعقيد كبير هنا ـ فمن الواضح أن الترامبيين لا يكنون محبة للصين، لكنني في بعض الأحيان أنظر إلى الشؤون العالمية فأرى نسخة عالمية عملاقة من المنافسة الأمريكية المألوفة بين الديمقراطيين والجمهوريين. في أمريكا لدينا، يقوم الانقسام على أسس إقليمية وتعليمية ودينية وثقافية وجيلية وحضرية/ريفية، والعالم الآن متشرذم على أنحاء تبدو محاكية لنا. فقد تختلف المسارات التي يفضلها العديد من الشعبويين، وكثيرا ما تتصارع مشاعرهم القومية، لكن ما يتمردون عليه هو الشيء نفسه في كثير من الأحيان.
كيف يتحقق لك الانتصار في حرب ثقافية رؤاها المختلفة للعلمانية ومسيرات حقوق المثليين تتضافر مع الأسلحة النووية، وتدفقات التجارة العالمية، واستياءات المكانة، والذكورية المذمومة، والتشبث الاستبدادي بالسلطة؟ ذلك هو المأزق الذي نجد أنفسنا فيه اليوم.
إنني أرجع النظر إلى العقود القليلة الماضية من التفكير الاجتماعي بفهم. لقد كنت أصغر من أن أعرف حقا توتر الحرب الباردة، لكن لا بد أنه كان قاسيا. أفهم لماذا تشبث الكثيرون عند سقوط الاتحاد السوفييي في نسخة من المستقبل واعدة بنهاية الصراع الوجودي.
وإنني أنظر إلى الصراع الراهن بتواضع. فالانتقادات التي يوجهها الكثير من الناس للغرب، وللثقافة الأمريكية، باعتبارها مفرطة الفردية، مفرطة المادية، مفرطة التعالي ـ غير خاطئة. فأمامنا عمل كثير لو شئنا أن نبلغ من القوة الاجتماعية ما يمكننا من النهوض للتحديات المنتظرة خلال السنوات العديدة القادمة، ولو شئنا أن نقنع الشعوب في البلاد المتأرجحة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبقية العالم بأن عليهم أن يعلقوا آمالهم على الديمقراطيات لا على الاستبداديين، لأن طريقتنا في الحياة هي الأفضل.
وإنني أنظر إلى الموقف الراهن بثقة. ففي نهاية المطاف، يريد الناس التميز والمواءمة. يريدون الإحساس بأن لحياتهم كرامة، وأن لهم احتراما مهما كانوا. يريدون أيضا الإحساس بالانتماء إلى مجتمعات أخلاقية. في الوقت الراهن، يشعر كثير من الناس بقلة الاحترام في الغرب. ويعلقون آمالهم على القادة الاستبداديين الذين يعبرون عن استيائهم وعن كبريائهم الوطنية. لكن هؤلاء القادة في حقيقة الأمر لا يعترفون بهم. وبالنسبة لهؤلاء القادة ـ من ترامب إلى بوتين ـ لا يمثل أتباعهم إلا أدوات في سعيهم الخاص إلى تعظيم أنفسهم.
في نهاية المطاف، ليس سوى الديمقراطية والليبرالية قائما على احترام كرامة كل شخص. وفي نهاية المطاف، ليس سوى هذين النظامين ورؤيتنا للعالم يعرض أعلى تحقق للدوافع والرغبات التي حاولت وصفها في هذا المقال.
ولدي الكثير من الثقة في قدرتنا على التنبؤ بالوجهة التي يتخذها التاريخ وفي فكرة أنه مع 'تحدُّث' الأمم فإنها تتطور في خط يمكن التنبؤ به. وأعتقد أن الوقت قد حان لأن تنفتح أذهاننا على احتمال أن المستقبل قد يكون شديد الاختلاف عن أي شيء توقعناه.
يبدو أن النظام الصيني شديد الثقة في أن تحالفنا ضد بوتين سوف ينهار. وأن المستهلكين الغربيين لن يقدروا على التسامح مع التضحية الاقتصادية. وأن تحالفنا سوف يتشرذم. يبدو الصينيون أيضا مقتنعين بأنه لن يطول الزمن قبل أن يهيلوا التراب على أنظمتنا المتعفنة. وهذه احتمالات لا يمكن استبعادها.
لكن لدي إيمان بالأفكار والأنظمة الأخلاقية التي ورثناها. وليس ما نطلق عليه 'الغرب' بتسمية عرقية أو بناد ريفي نخبوي. وإن أبطال أوكرانيا يبينون لنا أنه في أفضل حالاته منجز أخلاقي، وأنه ـ على خلاف خصومنا ـ يطمح إلى منح الجميع الكرامة وحقوق الإنسان وتقرير المصير. وهذا ما يستحق إصلاحه، والعمل عليه، والدفاع عنه، ومشاركته في العقود القادمة.
• ديفيد بروكس صحفي أمريكي من أصول كندية
• خدمة نيويورك تايمز، ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'
أنتمي إلى جيل سعيد الحظ. فلم يزل بوسعي أن أتذكر عهدا ـ لم يمض عليه إلا قرابة ربع قرن ـ بدا فيه أن العالم يتلاقى. بدا أن نزاع الحرب الباردة الكبرى بين الشيوعية والرأسمالية انتهى. كانت الديمقراطية لم تزل تنتشر. والبلاد تصبح أكثر ترابطا من الناحية الاقتصادية. وبدت شبكة الإنترنت مستعدة لتعزيز الاتصالات في شتى أرجاء العالم. بدا كأننا سنشهد تقاربا عالميا حول مجموعة من القيم المطلقة: هي الحرية والمساواة والكرامة الشخصية والتعددية وحقوق الإنسان.
أطلقنا على عملية التقارب تلك اسم العولمة. وقد كانت في بدايتها عملية اقتصادية ثقافية تتعلق بتزايد التبادل التجاري والاستثمار بين البلاد وانتشار التكنولوجيات التي جعلت ويكبديا مثلا على أهبة الاستعداد عند أطراف أصابعنا. لكن العولمة كانت أيضا عملية سياسية واجتماعية وأخلاقية.
في تسعينيات القرن الماضي، ذهب عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جيدنز إلى أن العولمة 'تحوُّل في ظروف حياتنا نفسها. فهي الطريقة التي نحيا بها الآن'. وهي تتعلق بـ'تأكيد العلاقات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم'. تعلقت العولمة بدمج رؤى العالم والمنتجات والأفكار والثقافة.
تلاءم هذا مع نظرية أكاديمية كانت تطفو في الأجواء وتعرف بنظرية التحديث. وفكرتها أنه مع تطور الأمم، تصبح أشبه بنا في الغرب، نحن الأمم التي تحدثت بالفعل.
في الحوار العام الأوسع، كان يفترض في بعض الأحيان أن أمم العالم سوف تعجب بنجاح الديمقراطيات الغربية وتسعى إلى محاكاتنا. وكان يفترض أحيانا أنه مع تحدُّث' الشعوب ستصبح أكثر برجوازية واستهلاكية وسلمية، مثلنا بالضبط. وكان يفترض أحيانا أنه مع تحدُّث المجتمعات ستصبح أكثر علمانية، شأن الحال بالضبط في أوروبا وأجزاء من الولايات المتحدة. وتصبح أكثر انسياقا لرغبة في الإثراء أكبر من الرغبة في غزو الآخرين. وتصبح أكثر انسياقا لرغبة في الاستقرار في بيوت في الضواحي تفوق رغبة الانسياق لأيديولوجيات متعصبة أو لجوع ما إلى المكانة والغزو الذي كبَّد الإسانية قرونا من الحرب.
هذه كانت رؤية متفائلة لطريقة تطور التاريخ، رؤية للتقدم والتقارب. ومن سوء الطالع أن هذه الرؤية لا تصف العالم مثلما نعيشه اليوم. فالعالم لم يعد يتقارب، بل يتشعب. وعملية العولمة تباطأت، بل انقلب مسارها، في بعض الحالات، إلى عكسه. ويُبرز غزو روسيا لأوكرانيا هذه الاتجاهات. وفي حين أن قتال أوكرانيا الباسل للعدوان الاستبدادي ملهم للغرب فإن أغلب العالم لم يتأثر به، بل هو متعاطف مع فلاديمير بوتين.
تورد الإيكونوميست أنه في ما بين 2008 و2019، انخفض التبادل التجاري العالمي بالنسبة إلى الإجمالي العالمي للناتج المحلي بقرابة خمسة في المائة. واستحدث عدد ضخم من التعريفات والحواجز التي تعوق التبادل التجاري. تباطأت تدفقات الهجرة. وانخفضت التدفقات العالمية للاستثمار بعيد المدى بنحو النصف في ما بين 2016 و2019. وأسباب اللاعولمة هذه واسعة وعميقة. فقد نزعت أزمة 2008 المالية الشرعية عن الرأسمالية العالمية بالنسبة لكثير من الناس. ويبدو أن الصين قد أظهرت أن المذهب التجاري صالح لأن يكون استراتيجية اقتصادية فعالة. وصعدت شتى الحركات المناهضة للعولمة، فهناك دعاة البريكست، والقوميون المصابون برهاب الأجانب، والشعبويون الترامبيون، واليسار المناهض للعولمة.
هناك من الصراع العالمي أكثر مما كان في إجازة التاريخ الصغيرة في تسعينيات القرن الماضي. باتت التجارة، والسفر، بل والاتصالات في ما بين الكتل السياسية أكثر إجهادا من النواحي الأخلاقية والسياسية والاقتصادية. وانسحبت مئات الشركات من روسيا مع انفصال الغرب جزئيا عن آلة الحرب البوتينية. وكثير من المستهلكين في الغرب لا يريدون تبادلا تجاريا مع الصين بسبب اتهامها بالعمالة القسرية والإبادة الجماعية. وكثير من رؤساء الشركات التنفيذيين في الغرب يعيدون النظر في عملياتهم في الصين مع ازدياد عداوة النظام الحاكم هناك للغرب ومع تعرض سلاسل التوريد للخطر بسبب اضطرابات سياسية. في 2014 حظرت الولايات المتحدة شركة هواوي التكنولوجية الصينية من التقدم لمناقصات العقود الحكومية. وزاد جو بايدن من قوة قواعد 'شراء المنتج الأمريكي' ليزداد شراء حكومة الولايات المتحدة من المنتجات المحلية.
يبدو أن الاقتصاد العالمي ينفصل تدريجيا إلى منطقتين ناشئتين: غربية وصينية. لقد بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين الصين وأمريكا قرابة ثلاثين مليار دولار سنويا منذ خمس سنوات. ولكنها انخفضت الآن إلى خمسة مليارات دولار.
ومثلما كتب جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج في مقالتهما الممتازة في بلومبرج فإن 'الأوضاع الجيوسياسية تتحرك بلا شك في اتجاه مضاد للعولمة، نحو عالم خاضع لسيطرة كتلتين تجاريتين ضخمتين أو ثلاثة كتل'. هذا السياق الأوسع، وبخاصة غزو أوكرانيا، 'يهيل التراب على أغلب الافتراضات الأساسية للتفكير التجاري في العالم خلال السنوات الأربعين الماضية'.
مؤكد أن العولمة سوف تستمر بوصفها تدفقات للتبادل التجاري. لكن يبدو أن العولمة بوصفها المنطق المحرك للشؤون العالمية قد انتهت. اندمجت الآن الخصومات الاقتصادية مع الخصومات السياسية والأخلاقية وغيرها في نزاع عالمي على الهيمنة. وحل محل العولمة شي يبدو كبير الشبه بحرب ثقافية.
حينما نرجع النظر، قد نركز كثيرا على فاعلية القوى المادية من قبيل الاقتصاد والتكنولوجيا في دفع الأحداث الإنسانية والتقريب بيننا جميعا. وليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، ففي مطلع القرن العشرين، كتب نورمان أنجيل كتابا بات شهيرا الآن عنوانه 'الوهم الكبير'، ذهب فيه إلى أن الأمم الصناعية في زمنه قد بلغت من الترابط الاقتصادي ملبغا يمنعها كبره من التحارب، فوقعت بدلا من ذلك حربان عالميتان.
واقع الأمر أن السلوك البشري كثيرا ما تحركه قوى أعمق كثيرا من المصلحة الشخصية الاقتصادية والسياسية، على الأقل حسبما يفهم العقلانيون الغربيون هذه الأمور. ولا يحرك الأحداث في الوقت الراهن إلا هذه الدوافع العميقة، وهي التي توجه التاريخ وجهات جامحة العصيان على التنبؤ.
أولا، البشر مدفوعون بقوة احتياجات الإنسان إلى الرؤية والاحترام والتقدير. فلو أنكم أعطيتم الناس الانطباع بأنهم غير مرئيين وغير محترمين وغير مقدَّرين فسوف تملؤهم مشاعر الغضب والاستياء والانتقام. وسوف ينظرون إلى هذا التقليل باعتباره ظلما ويردون عليه بسخط عدواني.
كانت السياسات العولمية على مدار العقود القليلة الماضية بمثابة آلة للتفاوت الاجتماعي الهائل. ففي البلد تلو البلد، صعدت جماعات من النخب الحضرية ذات التعليم العالي للسيطرة على الإعلام والجامعات وكذلك السلطة السياسية في كثير من الحالات. وتشعر قطاعات واسعة من الناس بأنها موضع ازدراء وتجاهل. وفي البلد تلو البلد صعد قادة شعبويون لاستغلال هذه المشاعر المستاءة، فدونالد ترامب في الولايات المتحدة وناريندرا مودي في الهند ومارين لوبان في فرنسا.
في الوقت نفسه، يمارس المستبدون سياسات الاستياء على نطاق عالمي. فيعاملون الغرب جماعيا معاملة نخب عالمية ويعلنان ثورتهما الصريحة عليه. فيحكي بوتين قصص إذلال عما يفترض أن الغرب اقترفه في حق روسيا في تسعينيات القرن الماضي. ويعد بالعودة إلى الاستثنائية الروسية والمجد الروسي، وبأن تسترد روسيا دور الصدارة في التاريخ العالمي.
يتحدث القادة الصينيون عن 'قرن المذلة'. ويشتكون من غطرسة الغربيين في محاولتهم فرض قيمهم على من عداهم. وبرغم أن الصين قد تصبح في نهاية المطاف أضخم اقتصاد في العالم، لم يزل شي جينبنج يتكلم عن الصين باعتبارها بلدا ناميا.
ثانيا، أغلب الناس لديهم ولاء قوي لمكانهم ولأمتهم. لكن على مدار العقود القليلة الماضية شعر كثير من الناس بأن أماكنهم هجرت وبأن شرفهم الأممي مهدد. في ذروة العولمة، بدت منظمات عديدة الأطراف وشركات عالمية تطغى على الدول القومية.
في البلد تلو البلد، صعدت حركات قومية لتصر على السيادة الوطنية وتسترد الكبرياء الوطنية: مودي في الهند، ورجب طيب إردوجان في تركيا، وترامب في الولايات المتحدة، وبوريس جونسن في بريطانيا. ولتذهب الكوزموبوليتانية إلى الجحيم، ومعها التقارب العالمي، حسبما يقولون، فسوف نسترد عظمة بلدنا من جديد ونصنعه على طريقتنا. واستهان كثير من دعاة العولمة تمام الاستهانة بقوة القومية وقدرتها على توجيه التاريخ.
ثالثا، الناس يتحركون بدافع من أشواق معنوية ـ بدافع من ارتباطهم بقيمهم الثقافية الخاصة، ورغبتهم في الدفاع بضراوة عن قيمهم حينما تبدو معرضة للهجوم. وعلى مدار العقود القليلة الماضية بدت لكثير من الناس أن العولمة هي هذا الهجوم بالذات.
بعد الحرب الباردة، باتت القيم الغربية تسيطر على العالم ـ من خلال أفلامنا وموسيقانا وحوارنا السياسي وإعلامنا الاجتماعي. وكان من نظريات العولمة ما يذهب إلى أن الثقافة العالمية سوف تتقارب حول القيم الليبرالية بصفة أساسية.
والمشكلة هي أن القيم الغربية ليست قيم العالم. وواقع الأمر أننا في الغرب غرباء ثقافيا تمام الغربة. في كتابه 'أغرب شعوب العالم' يحشد جوزيف هنريتش مئات الصفحات من البيانات ليبين مدى غرابة قيم الغرب المتعلم الصناعي الثري الديمقراطي.
يكتب قائلا 'نحن غرباء؛ شديدو الفردية، والهوس بالذات، والسعي إلى السيطرة، والانفلات والتحيل. ينصب تركيزنا على أنفسنا ـ على خصالنا ومنجزاتنا ومطامحنا ـ أكثر مما ينصب على علاقاتنا وأدوارنا الاجتماعية'.
من الممكن تماما أن نطرب للاستماع إلى بيلي إيليش أو ميجان ثي ستاليو ونظل نجد القيم الغربية غريبة أو ربما كريهة. فكثير من الناس في العالم ينظرون إلى أفكارنا عن الأدوار الجندرية فيجدونها غريبة أو كريهة. فكرة حق كل شخص في اختيار هويته وقيمه تبدو فكرة سخيفة للكثيرين. فكرة أن الغرض من التعليم هو غرس مهارات التفكير النقدي بحيث يحرر الطلبةُ أنفسَهم من الأفكار التي يتلقونها من آبائهم ومجتمعاتهم تبدو للكثيرين فكرة حمقاء.
وفي ظل أن 44% من طلاب التعليم الثانوي الأمريكيين تنتابهم مشاعر حزن أو يأس، فليست ثقافتنا أفضل إعلاما عن قيمنا الغربية في الوقت الراهن.
وبرغم افتراضات العولمة، لا يبدو أن الثقافة العالمية تتقارب بل يبدو في بعض الحالات أنها تتباعد. لقد درس العالمان الاقتصاديان فرناندو فيريرا وجويل وولدفوجل جداول الموسيقى الشعبية في اثنين وعشرين بلدا بين 1960 و2007، وتبين لهما أن الناس تنحاز إلى موسيقى بلدها وأن هذا الانحياز تزايد منذ أواخر التسعينيات. فالناس لا تريد الاندماج في ثقافة عالمية متجانسة، وإنما يريدون الحفاظ على ثقافتهم النوعية.
كل بضع سنوات يوجه (استطلاع القيم العالمية) أسئلة للناس من مختلف أنحاء العالم عن معتقداتهم الأخلاقية والثقافية. وفي كل بضع سنوات، تستنبط من نتائج تلك الاستطلاعات خريطة تبين مدى اختلاف تلك المناطق الثقافية عن بعضها بعضا. في عام 1996 اندمجت المنطقة الثقافية لأوربا البروتستنتية والمنطقة الناطقة بالإنجليزية وسط مناطق العالم الأخرى. فقد اختلفت القيم الغربية عن القيم التي تم العثور عليها في أمريكا اللاتينية أو المنطقة الكونفشيوسية مثلا، لكنها تماست.
لكن خريطة 2020 تبدو مختلفة. إذ ابتعدت منطقة أوروبا البروتستنتية والمنطقة الناطقة بالإنجليزية عن بقية ثقافات العالم فبدت الآن أشبه بشبه جزيرة ثقافية غريبة.
في ملخص للنتائج والرؤى أشارت الرابطة العالمية لاستطلاع القيم إلى أنه فيما يتعلق بقضايا من قبيل الزواج والأسرة والجنس والميل الجنسي، 'كان هناك اختلاف متزايد بين القيم السائدة في البلاد منخفضة الدخل والبلاد ذات الدخل المرتفع'، ولطالما كنا غرباء في الغرب، لكن بعدنا الآن عن بقية العالم يزداد شسوعا.
أخيرا، يتحرك الناس بدافع قويٍّ من رغبة في النظام. فلا شيء أسوأ من الفوضى والتخبط. وقد يبدو وقع هذه التغيرات السياسية، والانهيارات المتزامنة في كثير من الأحيان للحكم الفعال كوقع الفوضى الاجتماعية، والتخبط، بما يفضي بالناس إلى السعي إلى النظام مهما يكن ثمنه.
نحن في أمم العالم الديمقراطية محظوظون بعيشنا في مجتمعات لديها نظم قائمة على قواعد، تنعم فيها الحقوق الشخصية بحماية تخول لنا اختيار زعمائنا. لكن في المزيد بعد المزيد من مناطق العالم لا يحظى الناس بمثل هذا النظام.
وكما أن لتباعد العالم على المستوى الاقتصادي دلائل، فثمة دلائل على تباعده سياسيا. في تقرير فريدم هاوس عن 'الحرية في العالم سنة 2022' تلاحظ المؤسسة أن العالم مر بستة عشر عاما متعاقبة من تراجع الديمقراطية. وقد ذكرت العام الماضي أن 'البلاد التي تمر بتدهور [ديمقرطي] تفوق في عددها البلاد الي تشهد تطورات بهامش هو الأكبر منذ تسجيل هذه النزعة في عام 2006. وهذا الانحسار الديمقراطي الطويل يزداد عمقا'. وليس هذا ما حسبنا في عصر العولمة الذهبي أنه سيحدث.
في أيام ذروتها، بدت الديمقراطيات مستقرة، والأنظمة الحاكمة الاستبدادية في طريقها إلى كومة رفات التاريخ. اليوم، يبدو أن كثيرا من البلاد الديمقراطية أقل استقرارا مما كانت ويبدو أن كثيرا من الأنظمة الاستبدادية أكثر استقرارا. فالديمقراطية الأمريكية على سبيل المثال انزلقت إلى الاستقطاب والخلل. في حين أظهرت الصين أن الأمم شديدة المركزية يمكن أن تضارع الغرب في التقدم التكنولوجي. ولدى الأمم الاستبدادية الحديثة الآن تكنولوجيات تتيح لها سيطرة شاملة على مواطنيها بطرق كانت تفوق الخيال قبل عقود.
الأنظمة الحاكمة الأوتقراطية الآن تنافس الغرب في الاقتصاد منافسة جادة. فهم يمثلون 60% من طلبات براءات الاختراعات. في 2020، استثمرت الحكومات والقطاع الخاص في تلك البلاد تسعة ترليونات دولار في أشياء من قبيل الميكنة والمعدات والبنية الأساسية، فيما استثمرت الأمم الديمقراطية 12 ترليونا. وحينما تمضي الأمور على نحو طيب، يتسنى للحكومات الاستبدادية أن تنعم بتأييد شعبي مدهش.
ما أصفه الآن هو تباعد على العديد من الأصعدة. ومثلما ذكر الباحثون هيذر بيري وماورو جويلين وآرون هندي في دراسة للتقارب الدولي فإن 'الدول القومية في النظام العالمي على مدار نصف القرن الماضي لم تتطور كثيرا إلى التقارب (أو التماثل) من بعضها بعضا في عدد من الأبعاد'. فنحن في الغرب نعتنق سلسلة القيم المطلقة المتعلقة بالحرية والديمقراطية والكرامة الشخصية. والمشكلة أن هذه القيم المطلقة ليست مطلقة القبول ويتزايد رفضها.
في ما يلي أصف عالما يتحول فيه التباعد إلى تصارع، وبخاصة في ظل تنافس القوى العظمى على الموارد والسيطرة. تريد الصين وروسيا بوضوح تأسيس مناطق إقليمية تسيطران عليها. وبعض من هذا الصراع هو القائم تاريخيا بين الأنظمة السياسية المتعارضة، وهو مماثل لما رأيناه خلال الحرب الباردة. هذا هو الصراع العالمي بين قوى نشر الاستبداد وقوى نشر الديمقراطية. إذ تقيم الأنظمة الحاكمة غير الليبرالية تحالفات مع بعضها بعضا. وتستثمر المزيد في اقتصادات بعضها بعضا. في المقابل، تقيم الحكومات الديمقراطية تحالفات أقرب ببعضها بعضا. وتقام الأسوار. كانت كوريا أول ميدان معركة كبيرة في الحرب الباردة. وقد تكون أوكرانيا أول ميدان معركة فيما يتحول إلى صراع طويل بين نظامين سياسيين متعارضين تمام التعارض.
لكن أمرا أكبر يجري اليوم، ويختلف عن صراعات القوة الكبيرة في الماضي، أي يختلف عن الحرب الباردة. فهذا ليس صراعا سياسيا أو اقتصاديا وحسب. إنه صراع سياسة واقتصاد ثقافة ومكانة وسيكولوجيا وأخلاق ودين في آن واحد. وبمزيد من التحديد، هو رفض لأساليب الغرب من مئات ملايين البشر على نطاق عريض من الأصعدة.
وتحديدا لهذا الصراع بمزيد من الأريحية، أقول إن الاختلاف قائم بين تركيز الغرب على الكرامة الشخصية وتركيز أغلب العالم على التماسك الاجتماعي. ولكن ليس ذلك هو غاية ما يجري هنا. فالمهم هو طريقة انتقاد تلك الاختلافات الثقافية الطبيعية قديمة العهد من قبل الاستبداديين الراغبين في توسيع سلطتهم وبذر أسباب الفوضى في العالم الديمقراطي. فالحكام الاستبداديون يقومون روتينيا بتحويل الاختلافات الثقافية والتوترات الدينية واستياءات المكانة إلى أسلحة بهدف تجييش الأنصار واجتذاب الحلفاء وتوسيع سلطاتهم الشخصية. هذا هو الاختلاف الثقافي إذ تحوله استياءات المكانة إلى حرب ثقافية.
لقد أعاد بعض الناس إحياء نظرية صمويل هنتنجتن الخاصة بصدام الحضارات لفهم ما يجري. ولقد كان هنتنجتن محقا في أن الأفكار والسيكولوجيا والقيم تحرك التاريخ بقدر ما تحركه المصالح المادية. لكن هذه الانقسامات لا تتسق والخطوط الحضارية التي وصفها هنتنجتن.
أشد ما يزعجني في واقع الأمر هو أن هذا الرفض لليبرالية والفردية والتعددية والمساواة الجندرية وكل القيم الغربية لا يحدث فقط بين أمم وأمم وإنما داخل أمم. فاستياء المكانة الموجه إلى النخب الثقافية والاقتصادية والسياسية الغربية التي تتدفق من أفواه القادة غير الليبراليين أمثال بوتين ومودي والبرازيلي جاير بولسونارو تبدو شديدة الشبه باستياء المكانة الذي يتدفق من أفواه اليمين الترامبي، واليمين الفرنسي، واليمين الإيطالي والمجري.
وثمة تعقيد كبير هنا ـ فمن الواضح أن الترامبيين لا يكنون محبة للصين، لكنني في بعض الأحيان أنظر إلى الشؤون العالمية فأرى نسخة عالمية عملاقة من المنافسة الأمريكية المألوفة بين الديمقراطيين والجمهوريين. في أمريكا لدينا، يقوم الانقسام على أسس إقليمية وتعليمية ودينية وثقافية وجيلية وحضرية/ريفية، والعالم الآن متشرذم على أنحاء تبدو محاكية لنا. فقد تختلف المسارات التي يفضلها العديد من الشعبويين، وكثيرا ما تتصارع مشاعرهم القومية، لكن ما يتمردون عليه هو الشيء نفسه في كثير من الأحيان.
كيف يتحقق لك الانتصار في حرب ثقافية رؤاها المختلفة للعلمانية ومسيرات حقوق المثليين تتضافر مع الأسلحة النووية، وتدفقات التجارة العالمية، واستياءات المكانة، والذكورية المذمومة، والتشبث الاستبدادي بالسلطة؟ ذلك هو المأزق الذي نجد أنفسنا فيه اليوم.
إنني أرجع النظر إلى العقود القليلة الماضية من التفكير الاجتماعي بفهم. لقد كنت أصغر من أن أعرف حقا توتر الحرب الباردة، لكن لا بد أنه كان قاسيا. أفهم لماذا تشبث الكثيرون عند سقوط الاتحاد السوفييي في نسخة من المستقبل واعدة بنهاية الصراع الوجودي.
وإنني أنظر إلى الصراع الراهن بتواضع. فالانتقادات التي يوجهها الكثير من الناس للغرب، وللثقافة الأمريكية، باعتبارها مفرطة الفردية، مفرطة المادية، مفرطة التعالي ـ غير خاطئة. فأمامنا عمل كثير لو شئنا أن نبلغ من القوة الاجتماعية ما يمكننا من النهوض للتحديات المنتظرة خلال السنوات العديدة القادمة، ولو شئنا أن نقنع الشعوب في البلاد المتأرجحة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبقية العالم بأن عليهم أن يعلقوا آمالهم على الديمقراطيات لا على الاستبداديين، لأن طريقتنا في الحياة هي الأفضل.
وإنني أنظر إلى الموقف الراهن بثقة. ففي نهاية المطاف، يريد الناس التميز والمواءمة. يريدون الإحساس بأن لحياتهم كرامة، وأن لهم احتراما مهما كانوا. يريدون أيضا الإحساس بالانتماء إلى مجتمعات أخلاقية. في الوقت الراهن، يشعر كثير من الناس بقلة الاحترام في الغرب. ويعلقون آمالهم على القادة الاستبداديين الذين يعبرون عن استيائهم وعن كبريائهم الوطنية. لكن هؤلاء القادة في حقيقة الأمر لا يعترفون بهم. وبالنسبة لهؤلاء القادة ـ من ترامب إلى بوتين ـ لا يمثل أتباعهم إلا أدوات في سعيهم الخاص إلى تعظيم أنفسهم.
في نهاية المطاف، ليس سوى الديمقراطية والليبرالية قائما على احترام كرامة كل شخص. وفي نهاية المطاف، ليس سوى هذين النظامين ورؤيتنا للعالم يعرض أعلى تحقق للدوافع والرغبات التي حاولت وصفها في هذا المقال.
ولدي الكثير من الثقة في قدرتنا على التنبؤ بالوجهة التي يتخذها التاريخ وفي فكرة أنه مع 'تحدُّث' الأمم فإنها تتطور في خط يمكن التنبؤ به. وأعتقد أن الوقت قد حان لأن تنفتح أذهاننا على احتمال أن المستقبل قد يكون شديد الاختلاف عن أي شيء توقعناه.
يبدو أن النظام الصيني شديد الثقة في أن تحالفنا ضد بوتين سوف ينهار. وأن المستهلكين الغربيين لن يقدروا على التسامح مع التضحية الاقتصادية. وأن تحالفنا سوف يتشرذم. يبدو الصينيون أيضا مقتنعين بأنه لن يطول الزمن قبل أن يهيلوا التراب على أنظمتنا المتعفنة. وهذه احتمالات لا يمكن استبعادها.
لكن لدي إيمان بالأفكار والأنظمة الأخلاقية التي ورثناها. وليس ما نطلق عليه 'الغرب' بتسمية عرقية أو بناد ريفي نخبوي. وإن أبطال أوكرانيا يبينون لنا أنه في أفضل حالاته منجز أخلاقي، وأنه ـ على خلاف خصومنا ـ يطمح إلى منح الجميع الكرامة وحقوق الإنسان وتقرير المصير. وهذا ما يستحق إصلاحه، والعمل عليه، والدفاع عنه، ومشاركته في العقود القادمة.
• ديفيد بروكس صحفي أمريكي من أصول كندية
• خدمة نيويورك تايمز، ترجمة خاصة بجريدة 'عمان'