ثقافة

قراءة نقدية في المكان في رواية "تمثال دِلـمـا" للروائية الإماراتية رِيم الكمالي

الكهف، رائحة المُقدَّس

د. حمود الدغيشي
 
د. حمود الدغيشي


  • ' المَعْبدُ صامتٌ في شفقٍ غيرِ مرئيّ يعبقُ برائحةِ اللُّبان'




لا ريبَ في أنَّ الكتابةَ السردية رحلةٌ شائقةٌ، وماتعة في الوقت نفسه، تستلزم أنشطةً من الفكر والخيال، والتَّـتَـبُّـع الراصد والمستمر لخيط الأحداث الدرامي. إنَّ كتابة الرواية في أقصى حالاتها الرُّوحيّة ممارسة طقسية على مستوًى عالٍ من الإيمان برحلة الإنسان في مسار الحرية والوجود، بحسبانه مسارًا مُعَبَّدًا بثنائية الحزن والفرح، واليأس والعزيمة، والفشل والنجاح. في رواية ' تمثال دِلْما ' تبدو الروائية والأركيولوجيّة ريم الكمالي مسكونةً بالمكان، وهي تُلَمْلِمُ الحكايات من زواياه المبعثرة، فتتكشَّفُ عوالمُه في تجذّرات التاريخ، وفي الرمز المُتْخَمِ بالمُقَدَّس والمُدَنَّس، وفي الأسطورةِ الأُمّ، والبغاء المُقَدَّس، وتشظيّاتها المتعددة، وفي الفلسفة حول الأصل والكون والوجود.

في هذه الرواية المنفتحة على الزمان والمكان ثَمَّةَ محاولةٌ لإعادةِ 'صناعة' الإنسانِ في ثَوْبِ الآلهة؛ فالأخيرةُ أكثرُ قدرةً على مَدِّ الإنسان بطاقةِ الحياة، لكنَّها الآلهةُ التي يصنعها الإنسانُ بِيَدِه مِن حَجَرِ الوطن، مِن المكان الحميميّ، وينفخُ فيها مِن رُوحِه؛ لتلتحم بالمُقدَّس. فكثيرةٌ هي الرُّموزُ الأسطوريةُ النائمة التي أوقَظَتْها الكاتبةُ، وهي في طريقِها إلى صناعةِ بطلِها 'نصف الآلهة'. تسلك الكاتبة مساراتٍ شائكةً في الميثولوجيا والتاريخ؛ لتُسْقِطَ مِنها معادلات الإنسان في رحلتِه الوجوديّة، وتجذّرات البقاء في رحلةٍ يُجهلُ بزمنيّة محطتها الأخيرة.

يقومُ المكانُ في الرواية بالدور البطولي؛ بصفتِه الوعاءَ الميثولوجي الذي تغرفُ منه الكاتبةُ أحداث الرواية، وإسقاطاتها، والمُحَفِّزَ السَّردي لاستعادة زمنيّة الآلهة، ومقارباتها المُقدَّسة. فاﻟﻤﻜﺎﻥُ 'ﺤﺎﻀﻥُ ﺍﻟﻭﺠﻭﺩِ ﺍﻹﻨﺴﺎﻨﻲ وشرطُه الرئيس'.

بعيدًا عن حضور الأسماء ميثولوجيًّا، وسيميائيّتها التاريخية، تُشكِّل شخصيةُ 'نورتا' بطلِ الرواية، الإنسانَ في مستنقع التِّيه، وبحثه عن الخلاص بأدواتِ القُبح، ووسائل العدوانيّة والخيانة، فهُوَ كائنٌ دَيْمُومِيٌّ بالازدِواجِيَّةِ، مُمْتَدٌّ مِن زمنِ الصِّراع بين الماء والنَّار، ينتسبُ إلى الخطيئةِ بصفتِها شرارةَ الولادةِ الأولى، ووقودِ الصِّراع، وديناميكيّة الوجود.

في ظهورِه الرمزيّ الباذخ، يخاطبُ 'نُورتا' نفسه، وهُو مُغلَّف بظلمة الكهف الذي تُصنَع فيه الآلهة، بعد أنْ كشطَ عين تمثال 'دِلما': '... بدت النظرة أقرب للتربّص من اليقظة التي أردْتُها، وهذا لا يليقُ بآلهتِنا .. سأقوم بإبرازها، لكن لن أزيد، كي لا تبدو بعد غورها جاحظة أو ثائرة، بل أبتغيها مستنيرة فقط .. أزمّها قليلًا لتظهر باحثة تنظر إلى المدى، ألا تعكس عين المعبود عين العابد؟'.

إنَّ العين نفسَها جزءٌ حميميٌّ مِن فلسفة الوجود، وإنَّ العلاقةَ بين الآلهةِ وعُبَّادِها تعتمدُ في عُمقِها على الأول. فقد قامَتِ العينُ بدورٍ خطيرٍ في ميثولوجيا الشعوب، وارتبطت آلهةُ 'دلما' في الرواية بهذا الكهف؛ المكانِ العلويّ الهاجعِ خلف البحر، المتَّصِل بالسماء، حيثُ شكَّلَ 'نُورتا' آلهتَه بيده، ونفخَ فيها مِن روحه، ووهبَها نظرتَه إلى الكون مِن حوله. فكانت الجبالُ والكهوف بيوتَ الآلهة، ومعابدَها، وبسطَتْ رهبةً في النفوس، ونظرت إليها الشعوبُ من خلال معتقداتها بمركزية الاتصال بين الأرض والسماء، وشكَّلتْ هذه المراكز الأرضية نماذج من المراكز السماوية. فحدثَ أنْ كانتْ صناعةُ تمثالٍ للآلهة 'دلما' في هذا المكان المقدَّس.

تُشيرُ الكاتبةُ في سردِها إلى أنَّ صِناعةَ عَيْنِ الآلهةِ أشبه بـزراعةِ 'حبّة مخدِّرٍ' ؛ تُجرِّد عقولَ عابدِيها، وتستبدلُ عاطفتَهم بالعقلِ الذي يُبْصِر الطريقَ بالوَعْي المجرّد، لكنَّ الجماهير تغيب في اللاوعي الجمعي: 'وأخذ يمعن النظر طويلا في تلك العين .. حتى اقتنع بأنَّ الدِّلماوي سيرحل بعاطفته في نظرة هذه المعبودة الغامضة، وتستريح آلامه، وينسى همومه وهو يدور في هذه الدائرة الصغيرة المبهمة'.

لقد وهبَ هذا الكهفُ، الذي تُصنَع فيه الآلهةُ، ويَتَعَبَّدُ في ظلامِه أهلُ الجزيرة، شخصيةَ 'نورتا' بُعدًا آخرَ، ما كانَ يحظى 'نورتا' بالاحترام والتبجيل والمهابة لولا دخولُهُ الكهفَ المُقَدَّسَ كاهنًا، يُقيمُ شعائرَ الدِّين، ويُمارِسُ الطقوسَ في الأيام المباركة، وينزِّلُ بركاته الكهنوتية على الناس، ويُطَبِّبُ مرضاهم، ويَتَنَبَّاُ بأيامِهم، وأحداثِهم القادمة:

'سقفُ المعبد يؤويني الآن جسدًا واحترامًا ومهابة، أشعر بالشبع.. أما في الماضي ... كنتُ أهيم في الجزيرة ..'.

في الكهف نفسِه يستمدُّ 'نورتا' مِن جَمالِيَّةِ عَيْنَيِ الفتاةِ 'إزمي'، وهي غارقةٌ في الحزنِ على أبيها، تعبيرًا فلسفيًّا لِعَيْنِ آلهتِه؛ لتتقاطعَ فلسفةُ الحُبّ الإلهي والإنساني في مأوى الآلهة، وهو إذْ يُمارِسُ مراقبةَ حالة العَيْنَيْنِ في الإنسان لِيُسْقِطَها على آلهتِه فإنما يُشيرُ إلى محاولةِ 'نورتا' البحثَ عن ثِيمةٍ جَمالِيَّةٍ شاملةٍ الخارجَ والدّاخلَ، ثِيمةٍ تنعكسُ في تجسُّدِها الحسّي على جوّانيّة النّفس المُتلقِّيَةِ، على الرّغم مِن أنَّ البحثَ عن ذلك في الإنسانِ تجاوزٌ على الآلهة، وتَحَدٍّ خطيرٌ للسّلطةِ الكهنوتيّة العليا: 'وكأنَّ الإلهام بدأ يحضره، شيءٌ في عينيها يأخذه ليتشكّل في خياله نحتًا.. رُبَّما تعبير الفقد، ليعود بفكرة الحزن ليضيفها إلى عين التمثال؛ كي يُشارك العبد ما يُتعِبه.. يردّد بينه وبين نفسه: وهل ثمّة كدرٌ في عين إله؟ كيف وعينُه ترمز للعناية؟ رُبَّما الشّجن! إذن هي عين ... '.

في الكهف استَفزَّت الكاهنَ 'نورتا' عَيْنا 'إزمي' منذُ مراقبتِها في الكهف، فتنطلقُ أوّلُ شرارةٍ دراميّة، حين أخذَ 'نورتا' الكاهنُ، وهو يتأمَّل في معبده، يسبحُ في 'مونولوجٍ' من التفكير الدّرامي، يُحدِّث فيه نفسه عن مستقبلِ 'إزمي' وارثة السّلطة والمجد والجاه: 'فليس سوى 'إزمي' وزوجها المجهول الذي سيتفرد بالخيرات من أرضٍ وحظيرةٍ ومرفأٍ ومعبدٍ وغابتَيْن وجبلٍ ملوّن .. وبِنا .... كما أستبعد أنهم سيقبلون بي زوجًا لها، كاهنٌ أنا ومُستنِيرٌ لكنَّني أنحدر مِن سلالة ذلك التّـلّ وخلفه، وبِماضٍ فقير'.

ولأنَّ الكهفَ الذي تُصنَعُ فيه الآلهةُ هو المعبدُ نفسُه، وهو المعبدُ الذي شكّلته الروائية على صورته في حضارات الشرق القديم فقد كانت فكرة مِهنة 'البغاء المُقدَّس' حاضرةً في الرواية، فلم تكن الشعوبُ القديمة تنظر إلى تلك المهنة باشمئزازٍ أو نفورٍ بقدر ما كانت تنظر إليها بصفتها عملًا مقدَّسًا، تنالُ به صاحباتُ المهنة البركةَ والتقدير، وكان في معابد عشتار، في بابل القديمة، كاهناتها الدائمات المكرّسات على الدوام؛ لإبقاء جذوة الجنس متقدة لا يخبو لها أوار، تمامًا كـشعلة النار التي كانت دائمة الاتّـقاد في هياكلها. هكذا ترى الكاهنةُ 'أنونة'؛ الأرملة الشّابّة، وهي تخدم في معبد الآلهة: '..البغاءُ المقدَّس مشرَعٌ في الدنيا كلّها ومُقنن، وأنا هنا لستُ سوى فتاةٍ لمعبدٍ من المعابد المنتشرة على الأرض، جاهزة للكهنة في كلّ وقت، أمتصّ ما بهم من غضب، أحميهم، أشبعهم، فتُباركني الآلهة'.

في الخارج يبرز مكانٌ يُطِلُّ على الأفق، وينفتحُ على عوالم الحُبِّ والسكينة، مبتعدًا عن أنظمة الكهنوت في المعبدِ إلى كهنوتٍ آخرَ مِن رائحة البحر والغابة والموسيقى: 'غابة القُرم المالحة في البحر هي هبة 'سيرارا'، آلهة البحر الأسفل، وآلهة الخليج التي منحت كل الخلجان تلك الأشجار ... مَن يقطع القُرم يقطع الحُبّ، ويتحول في وطنه إلى غريب وأجوف'. فهو المكان الذي ترتاده 'إزمي' كلّما عصفتْ بها رياحُ الألم والحزن، لتعيش توازنات النفس، وانسجامها مع الطبيعة، ومع 'أوشوم' الراعي الذي حاول بآلةِ 'النّاي' أن 'يُخرجَ 'إزمي' من حزنها، وتتنشّق رحيق البحر ..'.

حيثُ في اللحظةِ ذاتِها تتكدَّسُ في نفس 'نورتا' الذي يراقبُ الوضعَ، مشاعرُ الغِيرة والحقد، وهو القادمُ مِن ظلامِ المعبد، المغلقِ على نفسه إلى نُور البحرِ، وبهجتِه، المنفتحِ على العالَم الآخر. هذا الظلام القابع في الكهف الذي تصوِّره الرواية ليس الظلام نفسه الذي انطلقت منه مشاعل النُّور والمعرفة في الحضارات القديمة، وليس الكهف الذي ضجَّ برسومه ونقوشه ليبعثَ شارات الاتصال مع العالم الخارجي، إنه ظلامٌ مِن نوعٍ آخر، يحاكي ظلمة الإنسان الحديث من الداخل، الضّاجّ مِن نظيرِه الإنسان، المُتَرَبِّص بالجَمال والحريّة:

' توقّفَ 'أوشوم' عن العزف بعد أن رآها تبكي، عانقها مخفّفًا. طالَ العناق، وأخذ 'نورتا' يأكل أظفاره. تضايقَ وحزنَ لحاله؛ لأنه لم يعد يعانق سوى الأحجار. عاد إلى المعبد؛ ورجع وهو يرتدّ في دواخلِه وقد أصابته الغبطة من حرية 'أوشوم' في هذا الفضاء الطلق'.

الانتقالُ من المكان انتقالٌ بجوّانيّة النفس، ومتعلقاتها، وتطوافٌ بها مِن العزلةِ إلى الفسحة، مِن الانفراد إلى الانتساب؛ إذ إنَّ المكانَ المفتوحَ انعتاقٌ مِن العَتَمة تُجاهَ النُّور،؛ لهذا احتضنَ 'أوشوم' الراعي الحُبَّ والموسيقى والجَمال، في الغابةِ المُطِلَّةِ على البحرِ الذي دأب على مراقبةِ هديرِه، وتكسُّرِ أمواجه، إنه: 'يراقب ليستوعب استمرار الوهم الكبير عبر الزمن'. يعزف 'أوشوم' لحنَ الحياة، وينفض عن نفسِه أدرانَ القُبْح، ويبتهج في عزلتِه بالجمال؛ ذلك أنَّ البحرَ جزءٌ من امتدادِ المطلق، وجلاله: ' أشعر الآن بأني مطلق وأنا أتماهى مع الوقت والهواء. لا ماضٍ، لا حاضر، يتوقف كلّ شيء .. أنتشي وأصبح أبديًّا مع نفسي خارج هذا المكان وفي تلك العَيْنَيْن النّجْمَتَيْن، في الكحل الذي سوادهما نقاوة '.

حينَ يسكُنُ المكانُ النّفسَ برِبْقٍ مِن الظُّلمةِ فإنَّ اندلاقَ الظُّلمةِ في المكانِ المفتوحِ واردٌ لا محالة، ويُصبحُ كُلُّ شيءٍ محاصَرًا بالقُبْح، حتَّى العاطفةُ تَتَجَسَّدُ ذاتَ لحظةٍ إلى وَحْشٍ يزأرُ مِن الدّاخلِ بعدوانيّتِه: ' كلّ شيء اليوم على ما يرام، سوى عواطفي المتباينة، نظرت إلى اللاشيء. تبعثر مزاجي، فقررتُ العودة إلى المعبد، حتى لمحتُ فجأة عصفورًا أسود ... تعطلت جناحاه .. لقد شتّته الشتاء .. لم يقوَ على الطيران، تحولت مشاعره إلى الشكّ والخشية من عدوانيتي .. كان يعاني ذعرًا ومعاناة، لم ترق لي نظراته، ولم أستسغها ... تركتُه يواجه مصيره ودخلتُ المعبد'.

في موسم الحصاد، يبتهجُ المكانُ المفتوحُ برائحةِ الطبيعةِ، وطقوس الخِصب، وتُصبِحُ الأخيرةُ مناسبةً للتفكير أو التَّكَهُنِّ عند البطل الكاهن 'نورتا' بارتباطِه بـ 'إزمي' وارتقائِه بالعلاقة والمكانة في مجتمع 'دِلما'. هذا المكانُ الكبيرُ المفتوحُ والمُحاصَرُ في ذات اللحظة مِن جهاتِه الأربع بالبحرِ، والجُوعِ والعطش، يَئِنُّ تحتَ وطأةِ قساوةِ الطبيعةِ، وحِقْدِ البشر. كان 'نورتا' يحلُم بأنْ يُصبِحَ يومًا جزءًا مِن أولئكَ القِلَّةِ الذين يُسِنُّونَ قوانينَ الجزيرةِ، ويتحكّمون بحصادِها، وفي هذا المكانِ المُعَتَّقِ برائحةِ التُّمُورِ تتَجاذَبُ 'نورتا' عاطفتانِ مُتناقضَتانِ تملآنِ أرجاءَ فؤادِه المُضطرِب؛ عاطفة الزواج التي جذبتْه إليها طقوسُ الخِصب في مكانِ الحِصاد:

' .. إزمي لو اتّخذتُها زوجةً، سأزداد ألقًا، بل سأغرسُ نفسي في 'دِلما' سُلطةً ومُلكًا وكهانةً .. لمَ لا؟ وأنا الآنَ صانع الآلهة، وما الزواج إلا وسيلة للارتقاء .. فهل سيردُّون طلبي؟ .. '.

وعاطفة الغيظِ والحِقْد التي اكتنزَ بها فؤادُه؛ بسبب ظهور الرّاعي 'أوشوم' وحُضُورِه؛ ليَعْزِفَ النّاي، بوصفِ هذه الممارسةِ عُرْفًا اجْتِماعِيًّا في طقوس الخِصب: ' وظلَّ 'نورتا' يقتفي أثر عيني 'أوشوم'، لتعلو أمواج الغِيرة فيه فجأة. غصَّ واحتقرَه بقبح منظره '.

وكان 'نورتا' قد ابْتُعِثَ إلى 'أوروك' ليتعلَّمَ الكهانة، فحازَ على شهادتِها، وأصبحَ كاهنَ 'دِلما' الأول:

' .. أنا الخالق الآن ولا قانون فوقي .. فمَن يكون 'أوشوم' ؟ لا يجب أنْ يغصّني هكذا إنسان .. ومع ذلك بقيت قياسات التصنيف تخرج مني، ومقارناتٌ لا أعرف من أين تلج، بدأت تتسلل وتتغلغل لتجني الخصام بيني وبينه، وهو الذي لم يُبتَعثْ مثلي '.

ولأنَّ قداسةَ المكانِ تَتَنَزَّلُ فيه صُوفانيّةُ الجسَدِ والرُّوح، حيثُ يُمارِسُ الاثنانِ علاقةَ تماهٍ في بعضِهما بعضًا فإنَّ الحُبَّ وقودُ الصُّوفانيّة في أيّة علاقةِ تماهٍ بينَ الطرفَيْنِ، وفي رحابِ المكانِ المُقدَّسِ، في 'دلمون'، حيثُ طقوسُ الحجّ، تُشْتَمُّ هناكَ رائحةُ الحُبِّ الطالعةُ مِن جوّانيَّةِ النفسِ في قداسةِ اللحظة:

' سأتابع موج إيمانها .. تتقدم أحيانًا أمامنا .. خطواتها طائرة لغاياتها .. تمشي بأناة وتؤدة .. أمدّ أحداقي إلى عقدها اللؤلؤي النضيد، صدرها الناعم عفيف الأنفاس، يعلو ويهبط .. إنها لي وتستحق الكفاح للاحتفاظ بها، لقد عملتُ باستمرار، والطموح إلى الزواج منها سوف يعينني ويرفعني'.

في لحظة القداسة ذاتِها، وفي قداسة المكان نفسِه ثَمَّةَ ما يُغْرِي صَدْرَ 'نورتا' المُظلم تحت جبل 'دلمون' المقدَّس، لِيُحَوِّلَه إلى ثورٍ هائجٍ بعد وَداعَةِ الحَمَل، إنَّه الوَهْمُ بحُضُورِ الراعي 'آشوم' في ذاكرة 'إزمي' في لحظةٍ كونيّةٍ أرادَها 'نورتا' أنْ تكونَ له:

' .. متنبِّئًا هل سكن في فكرها؟ تُردّد في خجلها تراتيل الحج .. لم أشكّ بترصدي لوجهها أنها مسافرة الآن وخوالجها عنده، وكأنها مقبلة عليه .. اللعنة عليه، طالما أنني خارج حياتها '.

في هذا المكانِ الكبيرِ المفتوحِ على الدِّينِ والمقدَّس، حيثُ تتلاقى الوُجُوهُ المؤمنةُ مِن كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، وتنفتِحُ الثقافاتُ على بعضِها، يَضِجُّ 'نورتا'، القادِمُ مِن ظُلمةِ الكهفِ، بقلقِ الأسئلةِ، ويُرافقُه المعبدُ الصّغير المُظلِم في في رحلتِه، ليَتَجَسَّدَ في داخلِه وَحْشٌ خُرافِيٌّ مِن التفكيرِ الدّرامي المُظلِم عن علاقةِ 'إزمي' بالراعي 'أوشوم'، ولعلَّ ما يفسر أهمية المكان أكثر ويعكس شدة تغلغله في كيان البشر هو أنه المنطلق لتفسير كلّ تصرّف، فيُحكـم على سلوك الإنسان من خلال وجوده في المكان فضلا عن تعبير كلّ مفاهيم الإنسان الأخلاقية والنفسية والسلوكية .. بتعبيرٍ مكاني كأعلى وأسمى، وواسع الصّدر أو ضيّقه :

' .. اشترتْ صوفًا يلبسه الرّجال، فلِمَن تهديه إلا سواه؟ '

' أيكون ختم العقيق أيضًا لهذا الرّثّ المنتمي إلى رائحة الحظيرة؟! .. الراعي 'أوشوم' لا غيره .

' .. فبماذا أفسّر سوى أنه الشوق؟ هي لن تكون لهذا المعدم، وما يجري بداخلها مخيف، لأنها تميل إليه، فكيف أجذبها إليّ؟ .. '

' .. أخذ يلتهم ظفر إبهامه دون أن يشعر، توقف حتى نزف بعض الدم. يزفر كلّ حينٍ، متسائلًا ما به '.

إنَّ التقابل بين الأمكنة المفتوحة والمغلقة يتسبّب بإيجاد فضاءَيْنِ متقابِلَيْن في الرواية؛ لأنَّ التقابلَ يتطلب وجود المتنافرات التي تؤدّي إلى وحدة منسجمة. ولعلَّ حضورَ 'نورتا' بكهنوتِه المُنغلق على قداسةِ الاستعباد، وحضور الراعي 'أوشوم' بموسيقاه المنفتحة على فُسحةٍ مِن جَمالِ العالَمِ من أبرز المتنافرات التي شكّلت هذا الصِّراع في الرواية، بينَ 'نورتا' الغيور والحقود المُعادل لـ 'قابيل'، و'أوشوم' المُحِبّ للحياة المُعادِل لـ 'هابيل'، وإذْ بـ 'نورتا' يقتلُ الرّاعي المسكين؛ لأنه عرفَ كيفَ يبعثُ الحياةَ في أهل التلّ، ولأنَّ كاهن 'دلما' لم يستطع أنْ يتخيَّلَ كميّة الجَمال خارجَ الكهف، ويُؤمِنَ بصلاةٍ أخرى خارجَ معبدِه المظلم يمكنُ أنْ يُمارسَها أهلُ التّلّ، بل أجملُ مَن يسكنُ 'دلما'؛ لهذا حين أدركَ ذلك دَهَمَتْه فكرةُ أنْ يتخلَّص مِن التِّيه بالدّماء:

' تسلل إليه الغضب واختلط بمزاجه العكر الذي لم يبرح رأسه منذ الصباح، ساحبًا الناي إلى الأعلى طاعنًا فمه، حلقه، بلعومه، ليخترق رقبته ... سقط هامدًا على رأسه وبطنه، ليسكن الناي في جوفه '.

استطاعَ 'نورتا' أنْ يتخلَّص من الراعي المسكين، ويظفر بـ 'إزمي' الجميلة، لكنَّ الذاكرة بدأتْ في حربها؛ فقد نال 'أوشوم' الراعي وسام الشّرف في مماته؛ إذْ دُفِن بجانب سيِّد 'دلما': ' فكَّر 'نورتا' في هذا الكرم الرفيع الذي وجده 'أوشوم' بعد وفاته، ليزاحمه حتى في مماته ..... جلس 'نورتا' يشاهد الجثة .. ينظر لـ 'أوشوم' كل حين وهم يغسلونه ..... استعجلتُ في قرار قتله، صنعتُ نهايته وصنعوا ألوهيته، لا جدوى الآن فهو يخرج أمام وجهي كلّ حين ... '.

كان 'أوشوم' ذا أثرٍ كبيرٍ في حياة أهل التلّ، استمدَّ من مكانه المفتوح المُطِلّ على البحر متعةَ البساطةِ، وجَمالَ الرُّوح، فكان أنْ أصبحَ الناسُ في الجزيرة:

' يفكرون بروح 'أوشوم' في 'دلما' وصوت نايه الذي كان يأتي من بعيد، مرسلًا الأشواق والرغبات مع الطيور والحيوانات. صوت الناي الشاسع الذي جلب لهم الصمت وهم في حياتهم يتخبطون، وجعل قلوبهم المرعبة من القادم والمجهول منتصرة ومقاومة .. '.

وبالمقابل استمدَّ 'نورتا' مِن مكانِه المُظلِم صناعةَ الكذب والقتل، كان يُخبِّئ في ظلامِ الكهف رُوحًا تتطلَّع إلى السّلطةِ بالدِّماءِ، والخيانة، وتتطلَّع إلى الحُبّ بالغشّ والخديعة. في ذاتِ لحظةٍ تتكشَّفُ عن النفسِ حقيقتها، وفي ذاتِ مكانٍ مفتوحٍ على الأفق بجهاتِه الأربع، ومكشوفٍ على العالَم أجمعَ، تتشاكسُ الأمكنةُ في النفس، حيث الهروبُ مِن العدوّ خيانةٌ، ومغادرةُ الوطنِ والحبيبةِ خيانةٌ، وتُصبحُ اللحظةُ في وسط البحرِ ورطةً مكتنزةً بالاعتراف:

' ضحك 'نورتا' فجأة وقال: كم أنا ضعيف وأضحوكة، متورّط في نفسي الضعيفة، بين أنْ أكون ساحرًا سطحيًّا، وكاهنًا غير صادق .. لقد غادر الصدق بداخلي، حينها غادر الإيمان بسهولة .. بقي النحت، الذي ما إن أبدعتُ فيه، حتى قتلتُه لأسباب واهية، فلمجرد الشّعور بالألوهية، صنعتُ القتل والكذب والهرب '.

لقد تعالى المكانُ المفتوح على نفس 'نورتا'، كما تعالت نفسُه على مجتمعِه، وظلَّ المكانُ الصغيرُ المظلمُ الذي عاشَ فيهِ بين الكهانة والسِّحر، والبغاء، يطارده، ولم تستطع نفسُه المُتخمةُ بالحقد والغيرة أنْ تتعايشَ مع الشمسِ والنُّور، حيثُ الإنسانُ، والجَمالُ، والحُرِّيَّةُ، وحيثُ الحقيقةُ المطلقةُ عنِ الكونِ والوجود؛ لهذا لفظتْه السّفينةُ وابتلعَه البحرُ؛ لتَتَلَقَّفَه أسماكُ القرش، وينتهيَ به المصيرُ إلى مكانٍ ضيِّقٍ مظلمٍ في بطنِ سمك القرش؛ عاشَ في مكانٍ مظلمٍ، وماتَ في مكانٍ أشدّ ظلمةً:

' لحقه سهمٌ في ذراعه ... اخترق سهمٌ ظهر 'نورتا' .. تشبّث بـ 'سيرارا' الحجر وهبطا نحو الأسفل سريعًا، كاد الملاح الأكدي أن يطلب من أحد رجاله القفز خلفه مع حبل، يساعدونه بعدها على إخراج الحجر، لولا الدّماء التي جذبت أسماكًا مفترسة لالتهامه .. '.