أفكار وآراء

قراءة في مؤشر القوة الناعمة العالمي

بالرغم من أن مفهوم القوة الناعمة Soft Power ظهر لأول مرة على يد الأكاديمي والسياسي السابق جوزيف ناي منذ أكثر من ثلاثين سنة شهدت المزيد من التأطير والتنظير من قبل العديد من المهتمين، إلا أن هذا المجال قد شهد زخما متسارعا من الاهتمام والتطبيق خلال العقد الأخير مع تطور الأدوات والقنوات التي تمكن الدول من تعزيز قوتها الناعمة، وإيقان الدول بتعقيدات استخدام «القوة الصلبة» Hard Power والتي غالبا ما تتجسد على شكل حروب أو مواجهات عسكرية أو تصعيد سياسي على أقل تقدير. وبطبيعة القوة الناعمة المرتبطة بمفهومها الذي أرساه جوزيف ناي المتلخص في إقبال الدول على استخدام ممارسات الترغيب عوضا عن الإرغام بالقوة أو الاستمالة بالمال، فقد وجدت فيها الدول مساحة واسعة لتحقيق أهدافها وطموحاتها سواء كانت نبيلة أو مشوبة بأجندات سياسية أو اقتصادية لا تحقق الازدهار للدول ذاتها فحسب، بل تتعدى ذلك للإضرار بمصالح دول أخرى.

وبالتوازي مع الأهمية المتزايدة للقوة الناعمة، بدأت بعض المؤسسات الدولية ذات العلاقة بإصدار تقارير سنوية تحاول وضع مؤشرات من أجل قياس القوة الناعمة للدول وتحديد الممارسات التي تتبعها في سبيل تعزيز قوتها الناعمة فيما يبدو سباقا مشروعا وبممارسات معلنة تحمل غالبا مظهرا حميدا وتحاول عبره تعزيز صورها الذهنية عبر التعامل مع القضايا الدولية الهامة وتبني الأجندات التنموية والبيئية والعلمية بما يحقق تقدم البشرية وازدهارها. وربما يبرز التقرير الذي تصدره مؤسسة براند فاينانس Brand Finance كأحد أشهر تلك التقارير نظرا لكونه يغطي قاعدة أكبر من الدول من حيث عدد الدول المضمنة في المؤشر، وعدد الدول المشاركة في المسح، وحجم العينة التي تشملها الاستطلاعات والاستبانات، إضافة إلى ارتباطه بمؤشر أعلى الهويات التسويقية للدول قيمة على مستوى العالم، وكذلك لأن الإعلان عن التقرير يكون على هامش القمة العالمية للقوة الناعمة التي تنظمها المؤسسة ذاتها وبحضور نخبة من المهتمين والسياسيين والأكاديميين من بينهم جوزيف ناي نفسه.

وضمن محاولة مؤسسة براند فاينانس موضعة نفسها في مكانة المرجعية لمفهوم وممارسات القوة الناعمة، فقد سعت المؤسسة إلى إيجاد تعريف خاص بها للقوة الناعمة يضع في الاعتبار مواكبة مستجدات العصر وتطورات الممارسات والأهداف والنماذج المرتبطة بالقوة الناعمة. ويتلخص ذلك التعريف في مدى قدرة الدولة في التأثير على تفضيلات وسلوك مختلف الأطراف في الساحة الدولية من دول ومنظمات وشركات ومجتمعات وشعوب عبر الجذب والإقناع عوضا عن الإرغام بالقوة. ويتكون مؤشر براند فاينانس للقوة الناعمة من عنصرين أساسيين وثلاثة عناصر مساندة؛ أما العنصران الأساسيان فهما القدرة على التأثير ومجموعة مكونة من سبعة مرتكزات هي التجارة والأعمال، والحوكمة، والعلاقات الدولية، والتراث والثقافة، والتواصل والإعلام، والتعليم والعلوم، والناس والقيم. وأما العناصر الثلاثة الداعمة فهي سمعة الدولة، ومدى معرفة الجمهور بها، ومدى نجاح الدولة في التعامل مع جائحة كوفيد-19.

وتتمثل منهجية البحث المتبعة من قبل براند فاينانس من أجل إصدار المؤشر في استطلاع رأي أكثر من مائة ألف شخص من أكثر من مائة دولة حول العالم، وذلك بتوجيه أسئلة مرتبطة بمائة وعشرين دولة يتم تقييمها ضمن مؤشر التقرير. وبالرغم من أن التقرير يسعى إلى وجود عينة لا تقل عن 750 شخصا من كل دولة مشمولة في الاستطلاع، إلا أن المؤسسة أقرت بوجود عينات أقل من ذلك في بعض الدول من بينها سلطنة عمان التي شارك منها 682 شخصا. وتتمحور أسئلة الاستطلاع حول أي الهويات التسويقية للدول تقع ضمن نطاق معرفة العينة ومدى حضورها في أذهانهم، ودرجة تأثير الدول المتضمنة في الاستطلاع على دولة الشخص المشمول ضمن العينة وعلى الصعيد العالمي، ومدى قوة وإيجابية سمعة الدولة عالميا، وأداء الدول فيما يتعلق بالمرتكزات السبعة المذكورة سابقا، والكيفية التي تعاملت بها الدول مع جائحة كوفيد-19 على ثلاثة محاور هي التعافي الاقتصادي، والرعاية الصحية والتطعيم، والمساعدات الدولية.

إن التمعن في طيات التقرير يعكس مدى تفاوت اهتمام الدول بمفهوم وممارسات القوة الناعمة أو على الأقل رغبتها في إدارة قوتها الناعمة بصورة منهجية وواضحة. حيث تسعى الدول إلى ضمان توفر عناصر تدعم وجودها في مكانة بارزة على هذا الصعيد؛ مثل أمريكا - ذات المرتبة الأولى في التقرير - التي ساعدت سياسات إدارة جو بايدن في إيجاد تصورات ذهنية إيجابية لها على إثر ما تسببت به سياسات سلفه دونالد ترامب التي وضعت مصلحة أمريكا في المقام الأول بصورة صدامية ومباشرة. كما يعد امتلاك أمريكا لمنصات الإعلام والترفيه مثل جوجل وأمازون وديزني ونتفليكس وآبل أدى دورا أساسيا في تمرير الأمريكية للعالم، إضافة إلى استغلال بعض الدول لتلك المنصات لتحقيق أغراض مشابهة مثل كوريا الجنوبية بمسلسل لعبة الحبار وبريطانيا بمسلسل التاج. وبذكر الأخيرة - التي احتلت المرتبة الثانية عالميا - فقد أسهمت جهودها في مواجهة جائحة كوفيد-19 والمتركزة في بحوث وإنتاج لقاح أسترازينيكا وبرامج التطعيم المجتمعية التي أطلقتها الحكومة في تعزيز مكانة بريطانيا في المؤشر إثر الربكة التي أحدثها خروجها من الاتحاد الأوروبي وعدم وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية نتيجة الخروج.

ومن انعكاسات الأزمة الروسية الأوكرانية على التصورات الذهنية تجاه البلدين وقائديهما، إلى قدرة الصين على السيطرة على جائحة كوفيد-19 عبر سياستها المسماة «صفر كوفيد»، مرورا باستضافة الإمارات لإكسبو 2020 وتحولها إلى أسبوع العمل من الاثنين إلى الجمعة، وجهود المالديف التي جعلتها تتبوأ المركز الأول عالميا كالوجهة الأولى للسياحة إلى جانب مبادراتها البيئية، تبرز أهمية توحيد الجهود ووضوح الأدوار والتركيز على أولويات ومسارات للعمل ومستهدفات تسهم في تعزيز مكانة سلطنة عمان في مؤشرات وتقارير القوة الناعمة دوليا، حيث تجدر الإشارة إلى تقدمها بمرتبتين في التقرير الأخير محتلة بذلك المرتبة التاسعة والأربعين عالميا بين 120 دولة.

بدر الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية