رسالة من ألمانيا المتغيرة: نعيش الآن في عالم مختلف
الاحد / 9 / شعبان / 1443 هـ - 18:55 - الاحد 13 مارس 2022 18:55
ترجمة: أحمد شافعي -
كان نيلس شميد عضو البرلمان الألماني والمتحدث باسم السياسة الخارجية في الحزب الديمقراطي الاشتراكي يوضح لي ثانوية الدور الذي يلعبه الجيش في سياسة بلده.
قال إن 'عضو البوندشتاج [أي اليرلمان الألماني] العادي لا يقوم في الوضع الطبيعي بالاتصال بالجيش بقدر ما يتصل مع كل طبقة أخرى تقريبا في المجتمع. قد تكون ألمانيا بلدا أساسيا في تصدير السلاح، لكن من حيث إجمالي التصنيع الألماني فإن 'صناعة السلاح ليست ذات شأن' والنواب لا يراعونها. وقال إن 'في المجتمع الألماني مسافة كبيرة من كل ما هو عسكري'.
لكن ذلك قد يتغير عما قريب. فبعد قليل من غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس من الحزب الديمقراطي الاشتراكي عن تغير جذري في موقف بلده من السياسة الأمنية. فقال إن ألمانيا سوف تقوم بتسليح أوكرانيا، منهيا بذلك سياسة عدم إرسال ألمانيا للأسلحة الفتاكة إلى المناطق الحربية. وسوف تزيد ألمانيا الإنفاق العسكري بأكثر من اثنين في المئة من إجمالي ناتجها المحلي. وقال 'من الواضح أننا لا بد أن نستثمر أكثر كثيرا في أمن بلدنا'.
وصف شميد الرسالة التي ينبغي على الساسة الألمان أن ينقلوها حاليا إلى الشعب فقال إن عليهم أن يوضحوا أن 'الجيش جزء من الدولة وينبغي تجهيزه بما يتفق وذلك' شأن المدارس والجامعات تماما. وبالنسبة لمواطن أمريكي، فإن هذا التحدي ـ أي حمل الناس على التعامل مع الحرب بمثل جدية تعاملهم مع التعليم ـ له سمة غرائبية.. ولكنه علامة على مدى عمق التغيير الذي أحدثه عدوان بوتين في المجتمع الألماني.
ألمانيا ليست البلد الوحيد الذي يكثف دفاعاته. فقد أعلنت الدنمارك عن خطط لزيادة إنفاقها العسكري بنسبة اثنين في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، وهذه هي النسبة التي حددها الناتو ولم يحققها أغلب أعضائه. والسويد أيضا وإن لم تكن من أعضاء الناتو لديها نوايا لزيادة إنفاقها العسكري بنسبة اثنين في المائة وقال رئيس الوزراء السويدي إن الشباب ينبغي أن يهيئوا أنفسهم للخدمة العسكرية.
لكن تحول السياسة الفجائي في ألمانيا مدهش بصفة خاصة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، تمثل النزعة العسكرية تابو عميقا في ألمانيا. وتشعر ألمانيا بمسؤولية خاصة تجاه روسيا بسبب خسائر السوفييت في تلك الحرب.
قالت سوزان نايمان الكاتبة المقيمة في برلين ـ ومؤلفة كتاب 'التعلم من الألمان' الذي يتناول موقف ألمانيا من ماضيها في الإبادة الجماعية ـ 'أشعر أن الأمريكيين يهونون من ذلك الأمر، لأنهم حينما يفكرون في الحرب العالمية الثانية، يفكرون في أمرين. يفكرون في الهولوكوست ثم يفكرون في الأوربيين الغربيين: آن فرانك وباريس وما إلى ذلك' لكن الاتحاد السوفييتي هو الذي عانى أكثر الوفيات في تلك الحرب، إذ بلغت وفياته قرابة ستة وعشرين مليونا.
قال شميد إن صفقة ضمنية قامت على مدار سنوات في علاقة ألمانيا بروسيا: 'اعترفنا بمسؤليتنا في التاريخ، وأقر لنا الاتحاد السوفييتي ثم روسيا بميزة القبول بأن هذه ألمانيا جديدة وأننا يمكن أن نقيم علاقة جديدة'. وفي كتاب 'كلمات بوتين' الصادر لأنجيلا شتينت في 2019 عن سياسة بوتين الخارجية كتبت شتينت أن القادة الألمان الذين تولوا المستشارية منذ المستشار فيلي برانت سنة 1969 'صمموا ألا يكرروا نمط العداوة الروسية الألمانية'.
جاء هجوم بوتين على أوكرانيا ليفرغ هذا التصميم من معناه. إذ يقارن الكثيرون الآن الشعور السائد في ألمانيا بالشعور الذي ساد الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر باستثناء الحمية الوطنية. (وإن كنت رأيت من الأعلام الأوكرانية في شوارع برلين هذا الأسبوع أكثر مما رأيت من الأعلام الألمانية). قالت نايمان مديرة منتدى أينشتين، وهو المعهد الثقافي الألماني 'إنني رأيت ما يشبه غيمة من الشك، وشعورا لم يخيم على هذه المدينة أو يحل عليها من قبل'.
في الولايات المتحدة، أثار عدوان بوتين ومقاومة أوكرانيا الباسلة فزعا، لكنه أثار كذلك تيارات من النزعة الانتصارية. بعد سنين من الانحدار الأمريكي والشك في النفس، في فترة بدا فيها الزخم السياسي محليا وخارجيا يصب في صالح الشعبويين الاستبداديين البوتينيين من أمثال دونالد ترامب، يبدو أن البعض يرحبون بتجدد إحساس الوضوح الأخلاقي. وقد كتبت جينيفر روبين من واشنطن بوست أنه 'من تبعات أزمة أوكرانيا الإيجابية الكثيرة موت حنين الجمهوريين إلى الانعزالية، وهو الحنين الخطر في نهاية المطاف'.
لا أعتقد أن هناك الكثير من الحديث عن التبعات الإيجابية في ألمانيا. قال كلاوس شاريوث الذي عمل سفيرا لألمانيا في الولايات المتحدة خلال رئاسة جورج بوش الابن وباراك أوباما إن 'الأوربيين يعلمون أنه ما من أمن تام في أوربا من روسيا. يمكن أن تتحدوا، كلنا فعلنا ذلك، وهو أمر لازم قطعا، لكن في حال بقاء روسيا على المسار الحالي، فما من أحد آمن، لأن لديهم كل هذه الأسلحة النووية التكتيكية. لديهم أيضا أسلحة نووية متوسطة المدى. وبوسعهم إذا شاءوا أن يدمروا أي مدينة أوروبية في غضون دقائق'.
لألمانيا أن تفخر بترحيبها باللاجئين الأوكرانيين، مكررة موقفها الذي أدى إلى قبول مليون لاجئ من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سنة 2015. لقد تحول قسم كبير من محطة قطارات هاوبتبانهوف إلى مركز معاملات مرتجل للاجئين. وفي مساء يوم الأربعاء الماضي، قام عدد لا حصر له من المتطوعين ـ لابسي السترات الصفراء إن كانوا ناطقين بالألمانية أو الإنجليزية، والسترات البرتقالية إن كانوا ناطقين بالروسية أو الأوكرانية ـ بمساعدة الوافدين الجدد على التحرك إلى أماكن الإقامة أو الحافلات المجانية في برلين. لكن المشهد لم يزل مؤسفا بصورة يعجز عن التقاطها الكلام. فمئات البشر الذين غادروا بيوتهم مرغمين يتنقلون هنا وهناك، وبعضهم مثقل بالأمتعة، وآخرون يجرجرون حقائبهم. وثمة أسر طريحة الأرض. والبعض يتشبثون بحيواناتهم أليفة. والكارثة التي هربوا منها غير بعيدة، فبرلين أقرب إلى لفيف من باريس.
قالت لي ريكاردا لانج الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الألماني حينما التقيت بها في مظاهرة داعمة لأوكرانيا أمام السفارة الروسية 'إننا نعيش عالما مختلفا الآن. أنا عن نفسي، وقد ولدت سنة 1994، نشأت في أوروبا السلام. فالسلام والديمقراطية بالنسبة لي من قبيل المسلمات'. قالت إن هذا اليقين اختفى الآن. بوتين قتل مجموعة كاملة من افتراضات ما بعد الحرب الباردة. ولا أحد يعلم ما النماذج الجديدة التي سوف تحل محلها.
• ميشيل غولدبرغ كاتبة عمود في افتتاحية نيويورك تايمز وكانت جزءًا من فريق فاز بجائزة بوليتسر في عام 2018 للخدمة العامة للإبلاغ عن قضايا التحرش الجنسي في مكان العمل.
** 'خدمة نيويورك تايمز'
كان نيلس شميد عضو البرلمان الألماني والمتحدث باسم السياسة الخارجية في الحزب الديمقراطي الاشتراكي يوضح لي ثانوية الدور الذي يلعبه الجيش في سياسة بلده.
قال إن 'عضو البوندشتاج [أي اليرلمان الألماني] العادي لا يقوم في الوضع الطبيعي بالاتصال بالجيش بقدر ما يتصل مع كل طبقة أخرى تقريبا في المجتمع. قد تكون ألمانيا بلدا أساسيا في تصدير السلاح، لكن من حيث إجمالي التصنيع الألماني فإن 'صناعة السلاح ليست ذات شأن' والنواب لا يراعونها. وقال إن 'في المجتمع الألماني مسافة كبيرة من كل ما هو عسكري'.
لكن ذلك قد يتغير عما قريب. فبعد قليل من غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس من الحزب الديمقراطي الاشتراكي عن تغير جذري في موقف بلده من السياسة الأمنية. فقال إن ألمانيا سوف تقوم بتسليح أوكرانيا، منهيا بذلك سياسة عدم إرسال ألمانيا للأسلحة الفتاكة إلى المناطق الحربية. وسوف تزيد ألمانيا الإنفاق العسكري بأكثر من اثنين في المئة من إجمالي ناتجها المحلي. وقال 'من الواضح أننا لا بد أن نستثمر أكثر كثيرا في أمن بلدنا'.
وصف شميد الرسالة التي ينبغي على الساسة الألمان أن ينقلوها حاليا إلى الشعب فقال إن عليهم أن يوضحوا أن 'الجيش جزء من الدولة وينبغي تجهيزه بما يتفق وذلك' شأن المدارس والجامعات تماما. وبالنسبة لمواطن أمريكي، فإن هذا التحدي ـ أي حمل الناس على التعامل مع الحرب بمثل جدية تعاملهم مع التعليم ـ له سمة غرائبية.. ولكنه علامة على مدى عمق التغيير الذي أحدثه عدوان بوتين في المجتمع الألماني.
ألمانيا ليست البلد الوحيد الذي يكثف دفاعاته. فقد أعلنت الدنمارك عن خطط لزيادة إنفاقها العسكري بنسبة اثنين في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، وهذه هي النسبة التي حددها الناتو ولم يحققها أغلب أعضائه. والسويد أيضا وإن لم تكن من أعضاء الناتو لديها نوايا لزيادة إنفاقها العسكري بنسبة اثنين في المائة وقال رئيس الوزراء السويدي إن الشباب ينبغي أن يهيئوا أنفسهم للخدمة العسكرية.
لكن تحول السياسة الفجائي في ألمانيا مدهش بصفة خاصة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، تمثل النزعة العسكرية تابو عميقا في ألمانيا. وتشعر ألمانيا بمسؤولية خاصة تجاه روسيا بسبب خسائر السوفييت في تلك الحرب.
قالت سوزان نايمان الكاتبة المقيمة في برلين ـ ومؤلفة كتاب 'التعلم من الألمان' الذي يتناول موقف ألمانيا من ماضيها في الإبادة الجماعية ـ 'أشعر أن الأمريكيين يهونون من ذلك الأمر، لأنهم حينما يفكرون في الحرب العالمية الثانية، يفكرون في أمرين. يفكرون في الهولوكوست ثم يفكرون في الأوربيين الغربيين: آن فرانك وباريس وما إلى ذلك' لكن الاتحاد السوفييتي هو الذي عانى أكثر الوفيات في تلك الحرب، إذ بلغت وفياته قرابة ستة وعشرين مليونا.
قال شميد إن صفقة ضمنية قامت على مدار سنوات في علاقة ألمانيا بروسيا: 'اعترفنا بمسؤليتنا في التاريخ، وأقر لنا الاتحاد السوفييتي ثم روسيا بميزة القبول بأن هذه ألمانيا جديدة وأننا يمكن أن نقيم علاقة جديدة'. وفي كتاب 'كلمات بوتين' الصادر لأنجيلا شتينت في 2019 عن سياسة بوتين الخارجية كتبت شتينت أن القادة الألمان الذين تولوا المستشارية منذ المستشار فيلي برانت سنة 1969 'صمموا ألا يكرروا نمط العداوة الروسية الألمانية'.
جاء هجوم بوتين على أوكرانيا ليفرغ هذا التصميم من معناه. إذ يقارن الكثيرون الآن الشعور السائد في ألمانيا بالشعور الذي ساد الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر باستثناء الحمية الوطنية. (وإن كنت رأيت من الأعلام الأوكرانية في شوارع برلين هذا الأسبوع أكثر مما رأيت من الأعلام الألمانية). قالت نايمان مديرة منتدى أينشتين، وهو المعهد الثقافي الألماني 'إنني رأيت ما يشبه غيمة من الشك، وشعورا لم يخيم على هذه المدينة أو يحل عليها من قبل'.
في الولايات المتحدة، أثار عدوان بوتين ومقاومة أوكرانيا الباسلة فزعا، لكنه أثار كذلك تيارات من النزعة الانتصارية. بعد سنين من الانحدار الأمريكي والشك في النفس، في فترة بدا فيها الزخم السياسي محليا وخارجيا يصب في صالح الشعبويين الاستبداديين البوتينيين من أمثال دونالد ترامب، يبدو أن البعض يرحبون بتجدد إحساس الوضوح الأخلاقي. وقد كتبت جينيفر روبين من واشنطن بوست أنه 'من تبعات أزمة أوكرانيا الإيجابية الكثيرة موت حنين الجمهوريين إلى الانعزالية، وهو الحنين الخطر في نهاية المطاف'.
لا أعتقد أن هناك الكثير من الحديث عن التبعات الإيجابية في ألمانيا. قال كلاوس شاريوث الذي عمل سفيرا لألمانيا في الولايات المتحدة خلال رئاسة جورج بوش الابن وباراك أوباما إن 'الأوربيين يعلمون أنه ما من أمن تام في أوربا من روسيا. يمكن أن تتحدوا، كلنا فعلنا ذلك، وهو أمر لازم قطعا، لكن في حال بقاء روسيا على المسار الحالي، فما من أحد آمن، لأن لديهم كل هذه الأسلحة النووية التكتيكية. لديهم أيضا أسلحة نووية متوسطة المدى. وبوسعهم إذا شاءوا أن يدمروا أي مدينة أوروبية في غضون دقائق'.
لألمانيا أن تفخر بترحيبها باللاجئين الأوكرانيين، مكررة موقفها الذي أدى إلى قبول مليون لاجئ من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سنة 2015. لقد تحول قسم كبير من محطة قطارات هاوبتبانهوف إلى مركز معاملات مرتجل للاجئين. وفي مساء يوم الأربعاء الماضي، قام عدد لا حصر له من المتطوعين ـ لابسي السترات الصفراء إن كانوا ناطقين بالألمانية أو الإنجليزية، والسترات البرتقالية إن كانوا ناطقين بالروسية أو الأوكرانية ـ بمساعدة الوافدين الجدد على التحرك إلى أماكن الإقامة أو الحافلات المجانية في برلين. لكن المشهد لم يزل مؤسفا بصورة يعجز عن التقاطها الكلام. فمئات البشر الذين غادروا بيوتهم مرغمين يتنقلون هنا وهناك، وبعضهم مثقل بالأمتعة، وآخرون يجرجرون حقائبهم. وثمة أسر طريحة الأرض. والبعض يتشبثون بحيواناتهم أليفة. والكارثة التي هربوا منها غير بعيدة، فبرلين أقرب إلى لفيف من باريس.
قالت لي ريكاردا لانج الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الألماني حينما التقيت بها في مظاهرة داعمة لأوكرانيا أمام السفارة الروسية 'إننا نعيش عالما مختلفا الآن. أنا عن نفسي، وقد ولدت سنة 1994، نشأت في أوروبا السلام. فالسلام والديمقراطية بالنسبة لي من قبيل المسلمات'. قالت إن هذا اليقين اختفى الآن. بوتين قتل مجموعة كاملة من افتراضات ما بعد الحرب الباردة. ولا أحد يعلم ما النماذج الجديدة التي سوف تحل محلها.
• ميشيل غولدبرغ كاتبة عمود في افتتاحية نيويورك تايمز وكانت جزءًا من فريق فاز بجائزة بوليتسر في عام 2018 للخدمة العامة للإبلاغ عن قضايا التحرش الجنسي في مكان العمل.
** 'خدمة نيويورك تايمز'