رأي عُمان

الحرب الأوكرانية و«نهاية التاريخ»

 
أعادت الحرب الروسية الأوكرانية التي تدور راحها الآن وتشغل العالم أجمع الحديث مرة أخرى عن نظرية فوكوياما حول «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» والتي تذهب إلى أن «الديمقراطية الليبرالية» بكل ما تحمله من قيم ومبادئ غربية هي نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان ونظامها السياسي هو صيغة نهائية للحكومات البشرية. وهذه النظرية هي صياغة لخطاب الغرب في أعقاب الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي.

لكن الكثير من السياسيين يذهبون اليوم إلى القول إن الحرب الروسية الأوكرانية تمثيل عملي على أن «التاريخ لا ينتهي»، فهم يرون أن كل الأدلة تشير إلى عودة الحرب الباردة بغض النظر عن الطريقة التي يمكن أن تنتهي معها الحرب، وسوف يظهر تحالف جديد مناهض للغرب وقيمه، يضم إضافة إلى روسيا الصين وكوريا الشمالية وبعض الدول المناهضة للقيم الغربية من موقف قوة وليس من موقف ضعف.

وبالعودة إلى نظرية «نهاية التاريخ» فإن فوكوياما لم يتوقع في نظريته أن نمط الديمقراطية الليبرالية يمكن أن يسود في جميع دول العالم، إنما كان يرى أن إجماعا حوله سيتشكل في أغلب دول العالم إنْ لم يكن في جميعها. ولذلك ظهرت نظرية صامويل هنتنجتون حول «صدام الحضارات» والتي تحدث فيها عن ضرورة اشتباك الغرب مع «الآخر» من أجل تسريع الوصول إلى «نهاية التاريخ» لما في ذلك من مصلحة كبرى للبشرية. ولذلك غزت أمريكا العراق بهدف تحقيق الديمقراطية وكذلك فعلت في أفغانستان وتدخل الغرب في الكثير من الدول تحت دعوى «الديمقراطية».. ولذلك كانت العولمة من أجل أن تسود ثقافة واحدة في العالم تمكّن من تحقيق «الديمقراطية الليبرالية» وتحرير الشعوب على حساب الأوتوقراطية. لكن بعض الشعوب، وربما مفكريها، يرون في هذه الأخيرة الكثير من الاستقرار والعدالة بالنظر إلى الويلات والمظالم التي ظهرت في ظل سيطرة وهيمنة النموذج «الديمقراطي الليبرالي» الذي أراد دائما أن يكون وصيا على البشرية ولو بشكل قسري. وظهر هذا الأمر جليا خلال العقدين الماضيين في الكثير من الدول العربية على سبيل المثال.

ويرى هؤلاء أن النموذج «الليبرالي» حاول منع ظهور أية حرية للفرد خارجه أو خارج نموذج «الإنسان الأخير» الذي تحدث عنه فوكوياما.

ورغم أن طبيعة الإنسان السوي ترفض الاعتداء والتنكيل بالإنسان وترهيبه في وطنه لكن يمكن أن يطرح في ظل الفكرة المؤسسة لهذه الحرب هذا السؤال: كيف تسمح «الديمقراطية الليبرالية» لنفسها حق نشر صواريخها على حدود روسيا، ولا يسمح لروسيا أن تصنع أي نفوذ خارج حدودها حتى لو كان ذلك لحمايتها مع «الآخر»؟!

الأحداث التي تدور اليوم تثبت عمليا وليس نظريا أن التاريخ لا ينتهي إلا بموت الإنسان الأخير على هذا الكوكب، أما في بقائه بقاء لفعله وتطوره بغض النظر إن كان ذلك التطور إيجابيا أم سلبيا، وهذا ما يحدث اليوم بانتهاء نظرية «نهاية التاريخ».