العرب والعالم

العالم تغير في ليلة

مائدة مستديرة لكتاب في نيويورك تايمز حول الغزو الروسي لأوكرانيا:

 
ترجمة أحمد شافعي

قامت القوات الروسية بغزو أوكرانيا يوم الخميس، مهاجمة أكثر من اثنتي عشرة مدينة كبيرة وصغيرة، منها العاصمة كييف. وبهذه الهجمات بدأت الحرب البرية الكبيرة الأولى في أوروبا منذ عقود. وقال الرئيس بايدن: «إن هذا العدوان لا يمكن أن يمر دون رد» وذلك في معرض إعلانه عقوبات قاسية لروسيا منها حظر بنوك روسية كبرى و«أثرياء فاسدين» من التعامل مع النظام المالي الأمريكي فضلا عن نشر قوات ضمن جناح الناتو الشرقي. ثلاثة من كتاب الرأي في صحيفة نيويورك تايمز هم: فرح ستوكمان وفرانك بروني وروس داوثات يناقشون الوضع الراهن والقادم في ضيافة محررة البودكاست لولو جارسيا نافارو.

القوات الروسية تتدفق على أوكرانيا، ويحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن محاولة أي بلد للتدخل سوف تؤدي إلى «عواقب لم تروا لها مثيلا من قبل»، وتلك تذكرة بترسانة روسيا النووية. احتشد الجيش الأوكراني للدفاع عن البلد، وظهرت مشاهد فوضى في كبرى المدن الأوكرانية مع تدفق المدنيين إلى الملاجئ أو محاولتهم الهرب على طرق مغلقة، ورئيس وزراء بلجيكا يصف هذه بأحلك ساعة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

فيما يتعهد القادة الأوربيون بمعاقبة روسيا على بدء هذا الصراع في قارتهم، ما العمل؟ هذا أمر له عواقبه، وليس من التهوين القول: إن العالم تغير بين عشية وضحاها، حسبما أرى.

أنا قلقة فعلا من أن الأمريكيين غير مستعدين لعواقب هذا. ما نوشك أن نواجهه هو ازدياد في انقسام العالم بين الشرق والغرب، وحان الوقت لأن تفكر الولايات المتحدة وأوروبا في كيفية العمل فعلا. علينا أن نجعل لهذا معنى. علينا أن نقف هذه المرة وقفة ذات معنى، وأخشى أن كثيرا من الأمريكيين متورطون في صراعات داخلية، وأمامنا عمل كثير لا بد من إنجازه.

يا روس: ترى فرح أن هذا صراع بين الشرق والغرب. هل تراه بهذه الطريقة؟

روس داوثات: أتفق بالتأكيد على أن لهذا الأمر عواقب هائلة، وعلى أنه يمثل لحظة مذهلة. لقد كان واضحا منذ بعض الوقت أن الغزو احتمال وارد جدا، وأن بوتين والحكومة الروسية جادون فيه بوصفه سيناريو، لكنه حقا خطوة شديدة التطرف لها تبعات هائلة في المستقبل، على الولايات المتحدة والعالم الغربي، طبعا، لكن على روسيا أيضا.

هي مقامرة هائلة تلك التي قام بها بوتين، وأعتقد أن هناك أسئلة على المدى القصير والمدى البعيد.

على المدى القصير هناك هذا السؤال: نحن لن نذهب بأنفسنا إلى الحرب في أوكرانيا، وذلك واضح منذ بعض الوقت، وأعتقد بأمانة أن استراتيجيتنا تجاه أوكرانيا كانت فاشلة، وهذا ما أدى إلى الأزمة. لكن لا بد لنا من رد، وهناك أسئلة عن ماهية الرد الفوري، وإلى أي مدى يمكن المضي بالعقوبات، ما الذي ستكون البلاد الأوروبية على استعداد للقيام به وما مقدار الألم الذي يعتزم الجميع احتماله عند محطة الوقود بالذات.

وهناك المدى البعيد، الذي سيؤدي إلى إعادة توجيه المواقف وسياسات الطاقة إلى حد كبير بالنسبة للناتو والاتحاد الأوروبي، ومرة أخرى، سيكون ذلك بطرق غير جيدة بالنسبة لروسيا. سوف ينشأ في أوروبا دافع مستمر إلى الاستقلال في الطاقة، وسيكون على نطاق لم نشهده من قبل، وسنشهد إعادة ترتيب قوات الناتو في الشرق، ويحتمل أن تنضم فنلندا والسويد إلى الناتو، وأعتقد أن كل هذه الاستجابات بعيدة المدى ستكون في نهاية المطاف أهم من القرارات التي نتخذها اليوم بشأن العقوبات، لكن من الواضح أن هذه القرارات هي الفورية واللازمة في الوقت الراهن.

ثمة الكثير هنا لننظر في أمره، لكن بشكل أساسي، ما ننظر إليه هو نوع من إعادة تنظيم توافق ما بعد الحرب العالمية الثانية. أهكذا ترى الأمر يا فرانك؟

نعم، بالتأكيد، وقد أدهشني وأنا أنصت إلى فرح وروس هذا الإحساس بالصدمة الذي يبدو أننا جميعا نستشعره، أنا أستشعره، وأراه من حولي أنّى نظرت. فرح قالت: إن الأمريكيين غير مستعدين لهذا، وأعتقد أنها محقة تماما، وروس وصف اللحظة بالمذهلة، وأعتقد أن هذا صحيح تماما؛ فهي تبدو كصفحة من القرن العشرين، ولكننا في القرن الحادي والعشرين، ويدهشني هذا الإحساس الذي أستشعره في كل المحيطين بي في العالم، لقد تجاوزنا هذا، قيام حرب في أوروبا أمر ما كان لنا أن نشهده.

ولهذا أعتقد أننا غير مستعدين لهذا. أعتقد أن الناس لا يعرفون كيف يعالجون هذا الأمر. بل لا أعتقد أنهم وصلوا إلى نقطة الخوف والرعب بعد لأنهم لا يزالون في حالة الصدمة، وأريد أيضا أن أستكمل نقطة قالها روس. لقد تكلم عن مخاطرة هائلة قام بها بوتين. أعتقد أن الناس حينما يذكرون هذا، فإنهم في العادة يقصدون المخاطرة التي قام بها على الصعيد الدولي، لكنه خاطر مخاطرة هائلة، هائلة حقا، داخليا أيضا؛ فالشعب الروسي سيشعر بهذا شعورا فادحا في اقتصاده. سيشعرون بهذا في الخسائر البشرية، والمذهل والمريع أنه يراهن أن استعراض القوة على هذا النحو وإذكاء الكبرياء الوطنية سوف يرتقي على ذلك كله ويعوضه، ولا أعرف إن كنا نعرف أن الوضع لن يكون كذلك.

: فرح، ما الذي يقوله تهور هذا الفعل عن خطط بوتين؟

بوتين يقضم قطعا من أوكرانيا منذ 2014. وقبل أوكرانيا، كانت جورجيا، فقد نكون مصدومين، لكن بشرا يعيشون هناك ورأوا ما يجري؛ لذلك أعتقد أنه ليس لديه ما يمنعه. هو غير خاضع للمحاسبة أمام مجلس نيابي منتخب ديمقراطيا. ليست لديه معارضة. معارضته الكبرى موجودة في السجن. وإذن فما الذي يمنعه مما يفعله؟

كثير من الناس يرون هذا هاجسا شخصيا لديه. يرون أن أوكرانيا هاجسه الشخصي. تحمل بالنسبة له معنى تاريخيا كبيرا. لكنني أيضا أرى هذا أمرا أكبر. أكبر من أوكرانيا لأنه على مدار عشرين عاما كان يشاهد الولايات المتحدة وهي تقوم بأمور مثل هذه، في ما يرى. كره ما فعلناه في ليبيا. غضب غضبا شديدا. كره غزو العراق. كان يرانا نستعمل قوتنا ونسميها القانون الدولي.

وأعتقد أنه يقول لنفسه، حسن، بوسعي أنا أيضا أن ألعب هذه اللعبة، فالمقصود حقا هو إعلام الولايات المتحدة بأنها لم تعد القوة العظمى المنفردة، وإظهار أننا ضعفاء. لقد ذهب إلى بكين قبل هذا وحصل على موافقة ما من الرئيس شي بأن الصين سوف تدعم الروس بصفقات اقتصادية، فيستطيعون العيش بدون أوروبا، ربما لبعض الوقت وأنا قلقة حيال ما سيمضي إليه هذا كله.

بوتين يريد هذا طبعا لأنه يرى أن ما جرى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي خطأ جسيم. وهذا من أسباب تركيزه على أوكرانيا.

المفارقة في طرح فرح هي بالطبع أن معظم التدخلات التي تصف قيام الولايات المتحدة بها من وضعها كقوة أكبر تمت قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة وانتهت جميعا نهايات بالغة السوء، وأوضح وأحدث مثال عليها هو أفغانستان. حرب العراق لم تكن بالطبع قصة نجاح أمريكي محقق. والتدخل في ليبيا ترك البلد في حالة حرب أهلية مستمرة على نحو متقطع حتى يومنا هذا.

لذلك لوقت طويل، لم يكن بوتين غاضبا فقط على أمريكا بسبب هذه التدخلات الأحادية بوصفها رموزا للقوة الأمريكية الكبيرة. كان لديه أيضا انتقاد منطقي لسوء تلك التدخلات، لعدم نجاحها، لمدى تهور أمريكا وتدميرها وتحطيمها لما تتدخل فيه وتركها إياه حطاما. وفي مرحلة ما، وفق رؤيته الظاهرة لما هو ممكن لروسيا، تخلى عن هذا الجزء من انتقاده للولايات المتحدة، أو خطرت له فكرة أن أوكرانيا قريبة بالقدر الكافي من روسيا ثقافيا وضعيفة بالقدر الكافي في قدرتها كدولة بحيث يستطيع أن ينجح في الغزو هناك بالطريقة التي فشلت بها كل جهود أمريكا في بناء الدول وما إلى ذلك.

لكن هناك تحول حقيقي من القول بتهور أمريكا وتدميرها وفشل حروبها إلى القول إن بوسعنا نحن النجاح، وبوسعنا أن نفعل ما عجز عنه جورج دبليو بوش في العراق، وبوسعنا أن نغزو أوكرانيا في طرفة عين ونضمها مرة أخرى إلى فلكنا. هذا هو الفريد للغاية، والفريد أيضا بالقياس إلى ما سبق أن فعله. صحيح أنه كان يقتطع قطعا صغيرة ويخلق صراعات مجمدة حول أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا وأماكن أخرى.

وسوريا.

وسوريا. لكن هذه جميعا كانت جهودا محدودة، وغالبا في مناطق فيها سكان متعاطفون، ويمكن الانسحاب منها في حال وقوع خطأ ما. والنطاق نفسه مختلف. الرهان هنا مختلف بالفعل.

فرانك، لا نعرف بعد إن كان هذا سيؤدي إلى احتلال، لكن يبدو واضحا لي أن النية هي الإطاحة بزيلنسكي وبشكل ما «استرداد» أوكرانيا.

هو ذلك في الحقيقة. وفي كل خطوة على الطريق خلال الأيام والأسابيع الماضية، تجاوزت الأمور المخاوف. نحن نرى ونقرأ تقارير عن انفجارات واعتداءات في شتى أرجاء البلد، وليس فقط في المناطق الأقرب إلى روسيا.

وقد أردت أن استكمل نقطة قالها روس لأنني أعتقد أنها مثيرة للاهتمام. وهي أن هناك فارقا بين ما يفعله بوتين وروسيا الآن ومغامراتنا الخارجية السيئة وأعتقد أنه فارق لافت، وله علاقة كبيرة بالوضع الذي انتهينا إليه في هذا المكان. الفارق هو أن له سيطرة أكبر كثيرا على المعلومات التي تتلقاها روسيا، على القصة التي تقدم للروس. عندما تحولت مغامراتنا الخارجية إلى مقامرات، وحينما انتهينا إلى ما كنا واثقين أننا لن ننتهي إليه واختل كل شيء، فإننا كأمريكيين عرفنا هذه المعلومات. فنحن ننتفع بحرية الصحافة. أعتقد أن تفكير الروس في هذا الذي يجري، مهما يكن، إنما هو متأثر تأثرا كبيرا بنسخة شديدة الانتقائية والتشوه من الحقيقة. وأعتقد أن هذا سوف يصدق مستقبلا، وهذه مشكلة حقيقية في ما يتعلق بالتوصل إلى أي حل.

فرح، حينما تنظرين إلى الوضع في ضوء ما يمثله الأوكرانيون في المنطقة، فهم بالنسبة لبعض الروس يمثلون الأمل. لقد رسخت أوكرانيا نظامها الديمقراطي في 2014 حينما أطاحت بطاغيتها الموالي للروس. وكانت الثورة الأوكرانية، بالنسبة لمن يعيشون في بلاد استبدادية في المنطقة، إشارة إلى طريق آخر محتمل. وهذا الأمل بات الآن حطاما. الرسالة هنا، بشكل أساسي، هي أنه لا تسامح مع الحق في تقرير المصير.

أعتقد أن هذا صحيح. وأنا قلق للغاية من هذا لأنك لا تستطيع أن تتناول أوكرانيا وتنقلها إلى موضع آخر. فهي تشترك في الحدود مع روسيا. وكانت لروسيا دائما القدرة على التأثير في ما يجري بأوكرانيا إما بشراء سياسيين أو من خلال الدعاية الموالية لروسيا في قنوات التلفاز. وما أدى إلى حشد هذه القوات هو بالدرجة الأساسية إغلاق قنوات التلفاز الموالية لروسيا.

لذلك أعتقد أن بوتين قرر في لحظة أنه لم يعد يستطيع التأثير في سياسات أوكرانيا وأنّ عليه أن يمضي إلى غزو عسكري؛ سينال أوكرانيا مهما تكن الوسيلة. هذا ما يفكر فيه، وقد يكون محقا. هذا هو التخوف الحقيقي. أتساءل كيف سنستطيع حماية زيلنسكي. ما الذي سنفعله إذا اعتقلوا الحكومة الأوكرانية كلها وزجوا بها في السجن إلى الأبد؟ وبوتين بارع في هذا. فعله في روسيا نفسها. ويعرف كيف يفعله.

لقد كنت أتخوف دائما من أننا قد نبث فيهم قدرا ضئيلا من الأمل الزائف في أنهم قد ينقطعون تماما عن روسيا ولا يشغلهم ما الذي يستطيع بوتين القيام به مستعملا جيشه العملاق. أظن أنني قد أكون واقعيا بعض الشيء، لكنني أعتقد أن للشعب الأوكراني الحق في أن يختار طريقه. ويستحق الديمقراطية التي يقاتل من أجلها. ولكن سوف يتعين عليهم دائما أن يتعاملوا مع هذا الجار شديد البأس. وأخشى أننا لا نستطيع حماية زيلنسكي. ولا أعرف ما الخطة في الوقت الراهن.

عندما يتعلق الأمر بكيفية قدرتنا على معاقبة بوتين لقيامه بهذا، سوف يتعين علينا أيضا أن نحتمل بعض الألم. خمسون في المائة من غاز ألمانيا الطبيعي يأتي من روسيا، أليس كذلك؟ وفي لندن أقدار كبيرة من الأموال الروسية منذ سنين. فلو أن أوروبا تريد إيقاف روسيا فسيكون لزاما علينا أن نفطم أنفسنا عن أشياء صعبة للغاية. وسيكون الوضع صعبا على الأوروبيين أيضا. سيكون وضع تقبل الأسوأ، فيتعين على الناس أن يقولوا لا بد لنا من الإقلاع عن بوتين. سيكون علينا أن نقلع عن الغاز والنفط الروسيين اللذين باتا إدمانا لنا. وأرجو فقط أن نكون مستعدين لذلك.

روس، هل كان هذا سوء تقدير هائل من أوروبا وأوكرانيا بأنهم قادرون على مغازلة فكرة إقامة حلف؟ لقد قال زيلينسكي صراحة: إن أوكرانيا تريد الانضمام إلى الناتو. وفرح تعتقد أن هذا ربما كان سوء تقدير فادح أفضى إلى هذا.

أعتقد أنه كان سوء تقدير فادح. وأعتقد أنه مفهوم من أوجه كثيرة، وذلك تحديدا لأن الخطوات التي اتخذها بوتين شديدة الاستثنائية وخطيرة للغاية على نفسه وعلى نظامه بحيث كان يمكن للمرء أن يتصور دائما أنه سيظل يناوش الحدود الأوكرانية لكنه لن يصل إلى ما وصل إليه.

لكن حتى في الأسابيع الأخيرة، شهدنا دينماميكية شديدة الغرابة، حيث تقوم الولايات المتحدة ـ التي يبدو فعلا على الرغم من جميع إخفاقاتنا المخابراتية أنه كان لديها قدر جيد من المعلومات حول ما ينتويه الروس ـ بإصدار تحذيرات مما يحدث الآن بالفعل. الروس يخططون بالفعل للغزو. وسوف تقول الحكومة الأوكرانية: كفى ترويجا للذعر، ونحن لا نظن أن الغزو وشيك، وما إلى ذلك. أعتقد أن بعض القوميين الأوكرانيين، لأسباب شديدة المثالية، أقنعوا أنفسهم بفكرة أن بوتين لا يمكن أن يفعل شيئا كهذا أو بفكرة أنه في حال وقوع الحدث الأقصى سيهب الغرب إلى نجدتهم في تصور يتجاوز المعقول والمنطقي.

هناك أيضا سؤال المدى، إلى أي مدى؟ ما الذي يدفع بالفعل عملية اتخاذ القرار لدى بوتين في هذا الشأن؟ أهو الناتو؟ أهو فكرة مبهمة ما عن العلاقة الأوكرانية الروسية وفكرة أنه لا يمكن فصل أوكرانيا عن روسيا؟ أهو الوضع المباشر ـ أي قمع الأحزاب الموالية للروس وتدريس اللغة الروسية وأمثال تلك الأمور في أوكرانيا؟ يفترض أن كل هذه دوافع قائمة بمستوى ما. لكن لا يمكن القطع بأنه لو لم يحدث استفزاز معين لما انتهينا إلى هذا الحد.

لكن الواضح هو أن سياسة الولايات المتحدة والغرب تجاه أوكرانيا عموما كانت قائمة على الإحساس بأنه مهما استثمرنا هناك على أي نطاق فإن ذلك لن يردع بوتين. كنا نعرف أن شيئا لن يردع بوتين، ولكن الأمور ستنجح مع ذلك. والآن وقد استثمرنا بكثافة في حكومة لا نستطيع الدفاع عنها وهي معرضة لخطر التدمير، فنحن الآن في واقع قائم على سياسات القوة.

جارسيا نافارو: فرانك، انتهز بوتين هذه الفرصة في رأيي لأنه يرى الغرب ضعيفا ومنقسما، وهناك بالتأكيد حجة تطرح هنا بأن هذا هو الوضع بالفعل. ولهذا الأمر تداعيات هائلة على الولايات المتحدة والنظام السياسي القائم لدينا هنا. الكثيرون يتساءلون، لماذا لم يفعل الرئيس بايدن المزيد؟ من الواضح أنه لا يستطيع إرسال قوات إلى أوكرانيا لأن مواجهة قوتين نوويتين كفيلة بتصعيد الأمور إلى ما هو أكثر. لكن كيف ترى تعامله مع الأزمة حتى الآن؟

أعتقد أن خياراته محدودة مثلما قلت أنت للتو. ونحن من نواح غريبة نشعر أننا محصورون، برغم أننا كنا نرى أنفسنا ولم نزل القوة العظمى. لن نقوم بإرسال قوات. ذلك أمر أوضحناه تماما. بوتين يعلمه، ويبدو أنه يرى في ذلك نوعا من الضوء الأخضر. ليس من الواضح ما الذي يمكن أن يردعه في الوقت الراهن. لا أعتقد أن العقوبات تفاجئه بأي شكل. أعتقد أنها يجب أن تكون في أقصى درجة ممكنة من القسوة، في مثل القسوة التي ستنتهي إليها آثارها على البلاد الغربية الأوروبية وما إذا كانت عازمة على احتمال عواقبها.

لكن جزءا مما يجعل القيام بهذا أمرا شديد الصعوبة ويجعل التنبؤ به مستحيلا هو أن هناك ردودا معينة استبعدناها كخيارات، واستبعدناها كخيارات لأسباب وجيهة للغاية. لكن الآن وقد استبعدت، ما العمل؟ أين ورقة قوتنا؟ أين ضغطنا؟ وكيف ينتهي هذا؟ ولو أن بوتين أفلت بهذا، ويبدو محتملا للغاية أن هذا ما سيحدث، نظرا لشخصيته، ونظرا لإحساسه بالعظمة، ماذا بعد؟ أعتقد أن هذه أسئلة حقيقية، وهي أيضا مروعة.

ثمة استطلاع رأي قريب يظهر أن شعبية بوتين بين الجمهوريين أكبر من شعبية أي قائد ديمقراطي بمن فيهم الرئيس الأمريكي. وقد سمعنا الرئيس السابق دونالد ترامب يثني في ما بدا على أفعال بوتين، ويصفه بالعبقري. يبدو أن الجمهوريين، يا روس، مرتبكون في ما يتعلق بروسيا. ومن ناحية، هناك قرارات سوف يتعين على الرئيس بايدن اتخاذها. ولكن علينا أيضا أن نراعي الأفق السياسي الأمريكي نفسه.

لا أعتقد أن ذلك الاستطلاع اقتنص حقيقة ما يجري. ما يقتنصه هو أن لدينا استقطابا في هذا البلد حيث لا يستحسن الجمهوريون أي قائد ديمقراطي على الإطلاق. ولكن عدد الجمهوريين الذين قالوا بالفعل إنهم يميلون إلى بوتين كان صغيرا، أليس كذلك؟ وإذن ثمة خلط بين موقفين مختلفين. فلو استُطلع رأي الليبراليين في دونالد ترامب في ذروة الوباء لأعطوه تقييما إيجابيا مرتفعا. لذلك عندي شكوك في هذا.

أعتقد أن ما نراه من الجمهوريين هو أن هناك خليطا من العوامل. ثمة فصيل في الحزب الجمهوري تشكل بفعل حرب العراق، وإخفاقات سياسة الولايات المتحدة الخارجية وبات يتسم برفض التدخل على نحو يشوبه التبرير لبوتين، موقف أقرب إلى «وما دخلنا نحن؟». وهذا تقريبا هو فحوى كلام تاكر كارلسن، أليس كذلك؟

لكن ليس ذلك هو كامل الموقف المهيمن في الحزب الجمهوري. فالموقف المهيمن أقرب إلى رؤية منحازة حزبيا مفادها أن الوضع سيء حقا، والمشكلة هي أن جو بايدن كان ضعيفا وغير حازم بالقدر الكافي، وبوتين لم يهاجم عندما كان ترامب رئيسا لأنه علم أن ترامب لن يجعله ينجو بفعلته.

وهناك ترامب نفسه من بعد، الذي يكن إعجابا واضحا للقادة المستبدين، وهذا غير مشكوك فيه، أليس كذلك؟ فحينما يفعل بوتين شيئا كهذا، نجد على الفور تصريح ترامب عن مدى ذكائه ومدى شدته، ثم تجد ترامب يريد أن يقول: إن هذا أمر ما كان ليحدث وأنا رئيس، أليس كذلك؟ فهو إذن خليط معقد، لكن بالأساس، لا يوجد فصيل قوي موال للروس في الحزب الجمهوري، فيما عدا ما يقوله أمثال ستيف بانون

جارسيا نافارو: لكنهم أناس أصحاب أصوات مسموعة

صحيح، بعضهم أصحاب أصوات مسموعة، لكن بالنظر إلى الاستطلاعات، نجد استطلاعا حول المدى الذي ينبغي أن تصل إليه الولايات المتحدة في التدخل في أوكرانيا، وما بدا لافتا هو أن أغلب الناس رفضوا التدخل العميق، وناصروا التدخل بقدر. بدت الأحزاب متماثلة تماما. الجمهوريون والديمقراطيون والمستقلون بدوا متماثلين إلى حد كبير؛ لذلك أعتقد أن هناك إجماعا قويا بعض الشيء على أننا لا نريد أن نرسل قوات برية. وأغلب ساستنا، من الجمهوريين والديمقراطيين، سوف يعملون في إطار هذا الإجماع، على الأقل حتى الدورة الرئاسية التالية، ثم تزداد الأمور جنونا.

إذن، يا فرح، أين يضع هذا كله الرئيس بايدن؟

ستوكمان: هو بالفعل في حيز صعب؛ فهذه ثاني أزمة كبيرة في السياسة الخارجية، وسيقول كثير من الناس إن طريقة خروج الولايات المتحدة من أفغانستان مسؤولة جزئيا عن الوضع الحالي. نحن بحاجة إلى أن نظهر أن الناتو سيكون أقوى وأكثر اتحادا وأنشط على طول حدوده الفعلية مما كان من قبل ونظهر لبوتين أن ما يفعله في الوقت الراهن مهما يكن سوف يؤدي إلى العكس تماما لما يريد تحقيقه. أعتقد أن هذا أفضل نتاج يمكن تحقيقه الآن.

لكن على مدى أبعد، أعتقد أن فكرة قدرتنا على شراء الغاز من أي جهة، سواء شاركتنا قيمنا أم لا، وأن بوسعنا أن نعتمد على بلاد أخرى في إنتاج أدويتنا، وما دامت هي الأرخص، فلا أهمية لشيء آخر. أعتقد أن بايدن يدرك تماما كم يضعفنا هذا ويضعف حلفاءنا، وأنه منذ اليوم الأول في رئاسته يعمل على كيفية جعل الولايات المتحدة أكثر اكتفاء ذاتيا وأقدر على حماية الحلفاء.

لأن هذه حرب طويلة. فلن تبدأ وتنتهي بأوكرانيا. لذلك أعتقد أن هذه لحظة مهمة، ويجب أن تكون صيحة تنبيه لنا لنفكر بحق في الطريقة التي نريد أن نتفاعل بها مع العالم وكيف ينبغي أن نكون مع حلفائنا استعدادا لمستقبل لا يعي كثير من الأمريكيين أنه قادم.

فرانك، سأنتهي بما بدأت به، فأسألك: ما العمل؟

بروني «ضاحكا»: ليتني أعرف يا لولو. في الوقت الراهن نحن ننتظر. نصغي بغاية الانتباه لما قالته فرح للتو عن أهمية هذه اللحظة وحقيقة أنه في عالم تحلو فيه اللذة السريعة ويشيع فقدان البوصلة والاهتمام بسرعة بالغة، خير لنا أن نتريث وندرك أننا سنعيش لوقت طويل مع ما جرى أخيرا وما سيجري في الأيام القادمة. وسنعيش معه بطرق كثيرة للغاية. ولو قلنا لأنفسنا أي شيء آخر، فهي سذاجة خطيرة.

داوثات: لقد تكلمنا طويلا عن المدى البعيد، وهذا تغير هائل في المدى البعيد، ولكننا نسجل هذا الجلسة في بداية الأحداث العدوانية، وكثير مما في المدى البعيد سوف يتحدد بناء على المدى القصير ونوعية المقاومة التي سيظهرها الأوكرانيون لهذا الغزو. بعيدا عن الاستراتيجية الكبرى، ينبغي علينا جميعا أن نأمل أن يبدي الأوكرانيون مقاومة شديدة الضراوة.

«خدمة نيويورك تايمز»