العرب والعالم

«الخاسر والمنتصر» في الأزمة الأوكرانية!

 
عمان 'وكالات': نشرت وزارة الدفاع الروسية أمس الأول مقطع فيديو يظهر مجموعة من الدبابات والمركبات العسكرية تغادر شبه جزيرة القرم على حد قولها عبر جسر للسكك الحديدية بعد إجراء مناورات، مضيفة: إن بعض القوات ستعود أيضا إلى قواعدها.

والثلاثاء الماضي أعلنت موسكو عن سحب بعض قواتها من مناطق قريبة من أوكرانيا. إلا أن هذه الخطوة لقيت تشكيكا، وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن: إن أكثر من 150 ألفًا من القوات الروسية لا يزال محتشدًا بالقرب من حدود أوكرانيا. فهل نحن بالفعل أمام بداية لنهاية الأزمة الأوكرانية أم هي مناورة روسية، كما يصفها بعض المحليين؟

تشكيك بالانسحاب

أوكرانيا من جهتها أجرت أمس الأول تدريبات عسكرية كبرى ونظّمت فعاليات للتعبير عن الوحدة الوطنية تلبية لدعوة أطلقها رئيسها، في حين قلّل حلف شمال الأطلسي وواشنطن من شأن ما أعلنته روسيا من أنّها سحبت قسماً من قواتها المحتشدة على الحدود الأوكرانية.

وحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مناورات قرب ريفني (غرب) وقال للعسكريين الحاضرين «أشكركم على الدفاع عن دولتنا. حين أنظر إليكم أشعر بالثقة».

وحذّر القادة الأوروبيون والأمريكيون الذين كثفوا التحركات الدبلوماسية، من أنّ عقوبات اقتصادية كبرى جاهزة لفرضها على موسكو إن هي هاجمت أوكرانيا. في المقابل تنفي روسيا أن تكون لديها أي نية لشنّ هجوم على جارتها الموالية للغرب.

وإذا كان انسحاب جزء من القوات الروسية يعطي أملا حذرا بالخروج من الأزمة فإن الأمين العام للحف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج أكد أمس الأول أنّه لم يسجّل «أي وقف للتصعيد على الأرض في هذه المرحلة»، مؤكّدًا على العكس أنّ «روسيا تواصل تعزيز وجودها العسكري» قرب أوكرانيا. وأعلن ستولتنبرج أمس الأول أنّ الحلف يعتزم تعزيز جناحه الشرقي، محذّراً من أنّ التهديد الروسي بات «الوضع الطبيعي الجديد في أوروبا».

وقال ستولتنبرج بعدما التقى وزراء دفاع الدول الأعضاء: إنّ «الوزراء قرّروا اليوم تطوير خيارات لتعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي للدفاع والردع بما يشمل التفكير في تأسيس مجموعات قتالية جديدة تابعة للناتو في وسط أوروبا وجنوب شرقها».

من جهته، أكّد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أمس الأول أنّ الولايات المتحدة لم تر أدلة على انسحاب كبير للقوات الروسية من الحدود الأوكرانية. وقال لشبكة «أيه بي سي» الإخبارية: «ما نراه لا يمثّل انسحابًا ذا معنى». ومنذ الإعلان الثلاثاء الماضي عن بدء سحب القوات الروسية، عبر الغربيون عن مواقف حذرة.

وقال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أمس الأول: إن الأمر سيكون «إذا تأكد، بدون شك» مؤشرًا على تهدئة.

من جهتها، قالت وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبريخت: إن «تعزيز القوات الروسية على الحدود الأوكرانية لا يزال يشكل مصدر قلق».

ومد بايدن يده إلى نظيره الروسي الثلاثاء قائلا: «يجب أن نعطي كل الفرص للدبلوماسية». ورد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قائلا: «إنه أمر إيجابي أن يشير الرئيس الأمريكي أيضًا إلى استعداده بدء مفاوضات جدية».

واعتبر أن هذه المفاوضات «صعبة جدًا». بالنسبة لروسيا، يجب أن تؤدي المحادثات إلى إعادة بناء هندسة الأمن الأوروبي المنبثق عن الحرب الباردة. وقال: «سيكون ذلك صعبًا جدًا، يتطلب الأمر الكثير من المرونة من الجانبين والإرادة السياسية».

الغرب يعيش وضعا هشا

وأشارت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في افتتاحية أمس الأول «ترجمة الجزيرة نت»، تعليقًا على الأزمة الأوكرانية الروسية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اختبر تصميم الغرب وفضح ضعفه كما كشف عن أن مزاعم الاتحاد الأوروبي بشأن دوره في السياسة الخارجية لا أساس لها من الصحة، فيما اعتبرت مجلة لوبوان الفرنسية أن الرئيس الروسي خسر رهانه.

وفي تحليلها أشارت «ديلي تلغراف» إلى انقسام كبير في مواقف القادة الأوروبيين بشأن الأزمة الراهنة، حيث فضل بعضهم انتهاج سياسة ترقى إلى تهدئة موسكو فيما سعى آخرون إلى دعم حق أوكرانيا في تقرير مصيرها.

أما موقف الولايات المتحدة -والكلام للديلي تلغراف- فقد اتسم بالقوة من الناحية الخطابية ولكنها ليست مستعدة لفعل الكثير ما عدا التحذير من عقوبات مدمرة ستفرضها على روسيا في حال إقدامها على غزو أوكرانيا، وهي عقوبات يدعي الكرملين أنه لا يخشاها.

وقالت ديلي تلغراف: إن المفارقة هي أن بوتين لا يملك القوة التي يدعيها، حيث تعيش روسيا تدهورًا اقتصاديًا ديموغرافيا مقارنة ببقية العالم. كما دفعت تجاوزاته العديد من جيرانه للاقتراب من الغرب.

ورغم ذلك فإن هناك عاملين أساسيين يجبران الدول الديمقراطية على التعامل مع الرئيس بوتين بجدية، هما قوة الجيش الروسي وتجاهل الكرملين المتهور للمعايير الدولية بحسب هذه الصحيفة البريطانية.

وأشارت ديلي تلغراف إلى أن بإمكان بوتين أن يدعي أنه حقق انتصارًا في الأزمة الراهنة، فإلى جانب انقسام الغرب بشأن الأزمة، يبدو أن انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) غير وارد في المستقبل المنظور. كما أن كييف أدركت الآن مدى ضعف استعداد حلفائها الغربيين لدعمها، وتضرر اقتصادها جراء الخوف من الحرب.

وختمت الصحيفة بأن الأمر الأسوأ من كل ما سبق هو أنه لا توجد مؤشرات تذكر على استعداد أي من الدول الغربية لمعالجة نقاط الضعف التي مكّنت بوتين من تخويف الغرب، إذ لا يزال استثمار الدول الأعضاء في الناتو ضئيلا في مجال الدفاع، ولا تزال الشعوب الغربية تفتقر للجرأة للازمة لمواجهة قوى الاستبداد.

وقالت ديلي تلغراف إنه حتى وإن تمكنت الأطراف من تجنب الدخول في صراع مسلح الآن، فإنه لا توجد ضمانات تمنع الكرملين من تكرار هذا السيناريو الذي وصفته بـ«الخدعة» مرة أخرى.

صحوة جيوسياسية

وعلى عكس ما ذهبت إليه التلغراف في افتتاحيتها، اعتبرت مجلة لوبوان الفرنسية أن الأزمة الأوكرانية دفعت الأوروبيين إلى صحوة جيوسياسية كما أنعشت حلف شمال الأطلسي وأعطته نفَسا جديدا على عكس ما كان يأمله سيد الكرملين.

وفي افتتاحيتها بقلم لوك دو باروشي «ترجمة الجزيرة نت»، قالت المجلة: إن الأزمة الأوكرانية كشفت حسابات فلاديمير بوتين الخاطئة.

وقال: إن بوتين، من خلال حشد أكثر من 130 ألف جندي على حدود أوكرانيا، وحّد الدول الغربية، تماما كما كان يحدث في ذروة الحرب الباردة.

وأبرز الكاتب أن هذه الأزمة حفزت الناتو، وأعطته من جديد سببًا للوجود بعد أن قد توارى عن الأنظار منذ اختفاء الاتحاد السوفييتي قبل 30 عامًا.

ولفت إلى أن بوتين بفعلته هذه شجع الأمريكيين على إعادة الاستثمار في أوروبا، بينما كانوا يحاولون منذ أكثر من 15 عامًا تخليص أنفسهم منها للتركيز على التحدي الصيني.

وشدد الكاتب على أن الرئيس الروسي أعاد بناء وحدة الأوروبيين في تشددهم وحزمهم تجاه روسيا، هذا فضلا عن دفعه أغلبية كبيرة من الأوكرانيين إلى الاتجاه أكثر نحو الغرب وعزز قناعتهم باستحالة التعايش مع موسكو ما دام هذا الرئيس في السلطة بموسكو.

ومع ذلك، فقد اتفق باروشي إلى حدما مع ما جاء في افتتاحية تلغراف، إذ يرى أن الوحدة التي أظهرها الغربيون حيال هذه الأزمة هشة، وأن الولايات المتحدة لا تزال تركز على لعبتها مع الصين ولا ترى في روسيا سوى مشكلة ثانوية بالنسبة لها.

كما أن احتمال عودة دونالد ترامب أو أحد مناصريه إلى السلطة في واشنطن في يناير 2025 يثقل كاهل تماسك هذا التحالف الغربي.

وختم باروشي بأن الدرس المستفاد من هذه الأزمة هو أنه في مواجهة تحدّ عسكري كبير، لا تزال أوروبا غير قادرة تمامًا على ضمان حمايتها الجماعية إذا لم تلعب واشنطن دور القائد، وهذا يدل على ضخامة العمل الذي لا يزال يتعين القيام به لبناء دفاع أوروبي جدير بهذا الاسم، على حد قوله.

استغلال صيني

من جهة ثانية، حذّر جنرال أمريكي أمس الأول من أنّ الصين قد تستغلّ أزمة أوكرانيا وتقدم على عمل «استفزازي» في آسيا فيما تصبّ القوى الغربية تركيزها على خفض التوتّرات مع روسيا.

وقال الجنرال كينيث ويلسباخ قائد القوات الجوية الأمريكية في المحيط الهادئ: إنّ الصين انحازت إلى روسيا خلال هذه الأزمة، ما أثار تساؤلات حول نيّاتها في آسيا.

وأضاف: «هل ستشاهد الصين ما يحدث في أوروبا وتحاول الإقدام على شيء هنا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؟ نعم حتمًا، هذا يشكل مصدر قلق».

وتابع في تصريح للصحفيين على هامش معرض سنغافورة للطيران «لديّ مخاوف من أنّها تريد استغلال» الوضع، وأضاف: «لن يكون مفاجئًا إذا أقدمت على أمر قد يكون استفزازيًا لترى ردّ فعل المجتمع الدولي».

ولفت الجنرال ويلسباخ إلى أنّه عندما أعربت بكين عن دعمها لروسيا في المواجهة مع أوكرانيا، أجرى محادثات مع فريقه و«كيانات» أخرى في المنطقة حول تداعيات ذلك.

ومن شأن قيادة الجنرال ويلسباخ التي تتّخذ في هاواي مقرا، أن تؤدّي دورًا محوريًا إذا اندلع صراع في المحيط الهادئ، وقال الجنرال ويلسباخ إنّه عندما تنظر الصين إلى الأزمات، فإنها تنظر في ما إذا كانت «هذه فرصة لتحقيق مكاسب».