أعمدة

نوافذ : غادرنا ولن نرجع أبداً

 
لا أنكر أن هذه الرواية أعادتني إلى زمن أفلام الأبيض والأسود، حيث يمكن أن يتخذ فيها رام بطل الرواية هيئة أحمد مظهر، وبإمكان نادية لطفي أن تكون إدنا، أظن أن السبب هو زمن الرواية التي تتخذ من خمسينيات القرن المنصرم وتداعيات ثورة يوليو زمنا لها.

شخصيات الرواية تأتي من بيئات لم تشكُ الفقر، بل لعل غالبيتها حظيت بتعليم نوعي في مدارس انجليزية أو فرنسية، وسافرت للدراسة في بريطانيا وأمريكا، وربما تتكلم الانجليزية والفرنسية أفضل من العربية، لكنها مع ذلك مشغولة بالهم الوطني، مصر التي تحب، مصر التي في الخاطر.

تدور الكثير من الأحداث داخل حانة نادي البلياردو، حيث بالإمكان أن نعتبر نادي البلياردو بمرتاديه وأنشطته المعادل الموضوعي لمجتمع الطبقات العليا في المجتمع المصري آنذاك، وبإمكان لعبة البلياردو والبوكر والمراهنات أن تكون انعكاسا رمزيا للوضع السياسي في الخمسينيات.

قد تكون الميزة الفنية للرواية هي النبرة الهادئة والحوارات الطويلة المنسكبة بين طاولة البلياردو وكؤوس البيرة والويسكي، الحوارات المكتوبة بذكاء وعناية؛ الحوارات القادرة على كشف الصراع الداخلي للشخصيات، بكل عدميتها وهشاشتها وفوضاها الداخلية، وأيضا تفكيك صعود التيارات المختلفة من شيوعية وإخوانية أو قومية، وما نتج عنه من صراع حول مفهوم الهوية، يصل في عمقه إلى محاولة تعريف المصري، من هو المصري حقا؟ وما الذي يميزه من بين الخليط في القوميات والأديان والثقافات الذي كان يعنون للقاهرة في مصر الملكية؟ هذا السؤال وإن بدا عابرا ضمن أسئلة كثيرة، لكنه جوهر الرواية في ظني، الجوهر الذي تغزل منه المشاهد والأحداث والحوارات.

أزمة الهوية هذه تمتد إلى وجيه غالي كاتب الرواية، فهذه الرواية تصنف أيضا بأنها رواية سيرية، أي أنها سرد تمثيلي لحياة كاتبها، الذي قضى جزءا من حياته متنقلا بين المدن الأوروبية، وكتب هذه الرواية في الأصل بالانجليزية، ثم ترجمت إلى العربية، هذا السفر بين اللغات ذهابا وإيابا، يشي أيضا بالتباس حاد في الهوية.

كم هو نادر هذا النوع من الروايات، روايات النبرة الهادئة، خاصة إن التف خيط السرد عليك، ولم يسمح لك بلحظة ملل تعطيك عذرا لتركها، بل هي قادرة وبهدوء شرس على نقل كل ما فيها من غربة وهشاشة وعدمية وفوضى، رواية تشبه التفاتة حنين يائس، أو لحظة فاتت وفات معها معنى أن يكون لك وطن، وأن تجد كل ذلك مختصرا ومكثفا في مقطع صغير يرد على لسان رام “ سافرت أنا وفونت إلى لندن، إلى أوروبا الحلم، للحضارة، لحرية التعبير، للحياة، غادرنا في ذلك اليوم ولن نرجع أبدا، رغم أننا هنا - في القاهرة- مرة أخرى”.