ماذا بعد "الإنفوجرافيك"؟
الثلاثاء / 28 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 21:48 - الثلاثاء 1 فبراير 2022 21:48
بدر الهنائي
تصاحب التطور المستمر لتقنيات الاتصالات والمعلومات تطورات ملحوظة في مختلف التطبيقات المرتبطة بها، ولا يستثنى من ذلك ما يتعلق بممارسات التواصل وصناعة المحتوى المرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي. محليا فإنه يمكن لشريحة كبيرة من الأجيال الحالية إلقاء نظرة إلى الوراء تمتد لعقدين ونصف من أجل فهم أوضح لتلك التطورات على مستوى التواصل عبر الإنترنت؛ بدءا بالمحتوى النصي الذي واكب النسخ الأولى من المواقع الإلكترونية بأنواعها مع وجود قليل من المحتوى البصري من صور ورسوميات بأحجام صغيرة وجودة منخفضة تتناسب مع سعات الاتصال بالإنترنت في ذلك الوقت، ومرورا بالتوسع في استخدام المحتوى البصري بشكل أكبر من أجل الاعتبارات الجمالية والوظيفية لاستخدام المواقع الإلكترونية وبما يواكب التطور الطبيعي للأجهزة والبرمجيات من جهة، وسعات الاتصال بالإنترنت من جهة ثانية، وسلوك وثقافة المستخدمين من جهة ثالثة، وصولا إلى الصيغ المتعددة للمحتوى البصري من صور عالية الجودة ومقاطع فيديو ومحتوى تفاعلي ومقاطع صوتية وبث مباشر وغيرها.
ونتيجة لتلك التطورات فقد شهدت ممارسات التواصل والإعلام تحولات تلخصت في التركيز على المحتوى متعدد الوسائط - النص والصورة والتصميم والفيديو ومقاطع الصوت وغيرها - واختزال الصيغ النصية المطولة في أسطر معدودة أو مقاطع فيديو قصيرة أو تصاميم معلوماتية، بينما تأثر سلوك المستخدمين في تلقي المحتوى عبر تلك المنصات ليعطي الأفضلية للتلخيص مقابل الإسهاب، والمحتوى البصري عوضا عن المكتوب، والتغريدات القصيرة عوضا عن النصوص الطويلة. وقد أدت تلك العوامل إلى ظهور موجة من المحتوى الصادر عن المؤسسات محليا في قوالب بصرية تعرف بالرسوم البيانية 'إنفوجرافيك' بعد أن كانت تلك القوالب تتركز في الاستخدامات الإحصائية والمعلوماتية أو تتفرد بها بعض الصحف الخاصة المحلية السباقة في تعزيز محتواها البصري عبر فرق مخصصة لذلك. ولعل ما يؤكد تلك الظاهرة تركيز شريحة واسعة من منسوبي مجال التواصل والإعلام - بمن فيهم كاتب المقال - على وجود الرسوم البيانية كعنصر أساسي في الأنشطة التي ينفذونها لمؤسساتهم أو تكون أحيانا هي المحتوى الوحيد الذي تتم إتاحته رغم تنوع قنوات التواصل والإعلام.
إنه ورغم الإيجابيات التي تصحب وجود هذه الممارسة من سهولة الوصول وتبسيط المعلومة وتيسير التداول وسرعة الانتشار، إلا أن هنالك أمران هامّان ينبغي التنبه إليهما قد يؤثران سلبا في عملية التواصل أو على الأقل يحدان من تحقيق الأهداف المرجوة من تلك الممارسة. أول هذين الأمرين أن معظم الممارسين قد يميلون في أحيان كثيرة إلى الارتكان إلى الرسوم البيانية كمحتوى رئيسي حول الموضوع دون إعطاء مزيد من التركيز على استدامة الرسالة الإعلامية المراد إيصالها إلى الجمهور المستهدف؛ ليبقى الرسم البياني شاهدا مغروسا على قبر الرسالة الإعلامية دون اتباع منهج التنويع في قوالب المحتوى بما يعزز انتشار الرسالة والوصول إلى شرائح أكبر من الجمهور المستهدف أو إطالة العمر الافتراضي للموضوع. أما الأمر الآخر فيتمثل في الرمزية التي يشكلها الرسم البياني في تعزيز مفهوم 'غرف الصدى' Echo Chambers وهو المفهوم الذي يمثل جزءا هاما من إشكاليات ممارسة التواصل والإعلام وخصوصا ما يتعلق بدور كبار المسؤولين ضمن المؤسسات في تلك العملية؛ حيث يتلخص مفهوم غرف الصدى في قيام العاملين في التواصل والإعلام بصناعة المحتوى الإعلامي - الرسم البياني في سياق هذا المقال - ونشره ضمن نطاقات قد تتسع أو تضيق وبما يشمل كذلك اطلاع كبار المسؤولين في المؤسسة على ذلك المحتوى وهو ما يولد القناعة بأن الرسالة الإعلامية قد وصلت فعلا إلى الجمهور المستهدف، بينما هي في كثير من الأحيان لا تتعدى أسوار المؤسسة أو محيط تلك الأسوار من الجهات ذات العلاقة المباشرة بعمل المؤسسة دون تغطية الشرائح الأوسع من الجمهور أو الرأي العام إجمالا وبالتالي لا تتحقق الأهداف المرجوة من أنشطة التواصل والإعلام بتعزيز صورة أو تغيير فكر أو تحفيز سلوك.
إن من أبرز الحلول التي يمكن تقديمها فيما يتعلق باستدامة الرسالة الإعلامية هو إيجاد إطار عمل يوثق الرسائل الإعلامية التي تود المؤسسة إيصالها وترسيخها في أذهان الجمهور المستهدف، مع أهمية تضمين تلك الرسائل - مجتمعة أو مفردة - في مختلف أنشطة التواصل والإعلام التي تقوم بها المؤسسة. ومن أجل ذلك تبرز أهمية أن تكون تلك الرسائل مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعة أعمال المؤسسة بحيث يسهل تضمينها بشكل سلس في مختلف أنواع المحتوى الإعلامي. كما أن من المهم تبني منهج التكرار، بحيث يتم تكرار الرسائل الإعلامية في أنشطة متنوعة وممنهجة وفق إطار زمني معين بما يعزز من فرص وصولها لمختلف شرائح الجمهور المستهدف. أما ما يتعلق بالحد من ظاهرة غرف الصدى فإن من المهم بالنسبة للمؤسسات على مستويي القيادات وفرق التواصل والإعلام تطبيق ممارسات تضمن قياس مدى انتشار ووصول وتداول المحتوى الإعلامي لدى الجمهور المستهدف، إضافة إلى ترسيخ ثقافة استخدام أدوات رصد الرأي العام لقياس مدى نجاح الرسائل الإعلامية المتبناة من قبل المؤسسة، وأيضا إمكانية معرفة الصورة الذهنية المتشكلة لدى الجمهور حول تلك المؤسسة وما إذا كانت هي ذات الصورة التي ترغب المؤسسة أن ترتبط بها.
وفي خلاصة القول فإن العبرة التي يرجى استخلاصها من قبل قيادات المؤسسات والعاملين في مهنة التواصل والإعلام هي أن من الضروري وجود عُدَّةٍ من قوالب المحتوى الإعلامي تتم تعبئتها بالرسائل الإعلامية المصاحبة لأي موضوع أو حملة تتنوع بين المحتوى النصي القابل للنشر عبر وكالات الأنباء والصحف والمواقع والخدمات الإخبارية، والمحتوى البصري الثابت والمتحرك (الصور والتصاميم والرسوم البيانية ومقاطع الفيديو) القابل للتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري، والعروض التقديمية التي يمكن استخدامها في جلسات مركزة مع الإعلاميين والجهات ذات العلاقة، والمتحدثين الرسميين الذين يمكن للقنوات التلفزيونية والإذاعية والصحافة التواصل معهم لإجراء المقابلات معهم، إلى جانب إمكانية توظيف التقنيات الأحدث مثل البث المباشر والمساحات الصوتية ومقاطع البودكاست وغيرها، بحيث تكون موزعة على جدول زمني يضع في الاعتبار المتغيرات المؤثرة في مدى انتشار وتقبل الرسالة الإعلامية.
* بدر الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية
ونتيجة لتلك التطورات فقد شهدت ممارسات التواصل والإعلام تحولات تلخصت في التركيز على المحتوى متعدد الوسائط - النص والصورة والتصميم والفيديو ومقاطع الصوت وغيرها - واختزال الصيغ النصية المطولة في أسطر معدودة أو مقاطع فيديو قصيرة أو تصاميم معلوماتية، بينما تأثر سلوك المستخدمين في تلقي المحتوى عبر تلك المنصات ليعطي الأفضلية للتلخيص مقابل الإسهاب، والمحتوى البصري عوضا عن المكتوب، والتغريدات القصيرة عوضا عن النصوص الطويلة. وقد أدت تلك العوامل إلى ظهور موجة من المحتوى الصادر عن المؤسسات محليا في قوالب بصرية تعرف بالرسوم البيانية 'إنفوجرافيك' بعد أن كانت تلك القوالب تتركز في الاستخدامات الإحصائية والمعلوماتية أو تتفرد بها بعض الصحف الخاصة المحلية السباقة في تعزيز محتواها البصري عبر فرق مخصصة لذلك. ولعل ما يؤكد تلك الظاهرة تركيز شريحة واسعة من منسوبي مجال التواصل والإعلام - بمن فيهم كاتب المقال - على وجود الرسوم البيانية كعنصر أساسي في الأنشطة التي ينفذونها لمؤسساتهم أو تكون أحيانا هي المحتوى الوحيد الذي تتم إتاحته رغم تنوع قنوات التواصل والإعلام.
إنه ورغم الإيجابيات التي تصحب وجود هذه الممارسة من سهولة الوصول وتبسيط المعلومة وتيسير التداول وسرعة الانتشار، إلا أن هنالك أمران هامّان ينبغي التنبه إليهما قد يؤثران سلبا في عملية التواصل أو على الأقل يحدان من تحقيق الأهداف المرجوة من تلك الممارسة. أول هذين الأمرين أن معظم الممارسين قد يميلون في أحيان كثيرة إلى الارتكان إلى الرسوم البيانية كمحتوى رئيسي حول الموضوع دون إعطاء مزيد من التركيز على استدامة الرسالة الإعلامية المراد إيصالها إلى الجمهور المستهدف؛ ليبقى الرسم البياني شاهدا مغروسا على قبر الرسالة الإعلامية دون اتباع منهج التنويع في قوالب المحتوى بما يعزز انتشار الرسالة والوصول إلى شرائح أكبر من الجمهور المستهدف أو إطالة العمر الافتراضي للموضوع. أما الأمر الآخر فيتمثل في الرمزية التي يشكلها الرسم البياني في تعزيز مفهوم 'غرف الصدى' Echo Chambers وهو المفهوم الذي يمثل جزءا هاما من إشكاليات ممارسة التواصل والإعلام وخصوصا ما يتعلق بدور كبار المسؤولين ضمن المؤسسات في تلك العملية؛ حيث يتلخص مفهوم غرف الصدى في قيام العاملين في التواصل والإعلام بصناعة المحتوى الإعلامي - الرسم البياني في سياق هذا المقال - ونشره ضمن نطاقات قد تتسع أو تضيق وبما يشمل كذلك اطلاع كبار المسؤولين في المؤسسة على ذلك المحتوى وهو ما يولد القناعة بأن الرسالة الإعلامية قد وصلت فعلا إلى الجمهور المستهدف، بينما هي في كثير من الأحيان لا تتعدى أسوار المؤسسة أو محيط تلك الأسوار من الجهات ذات العلاقة المباشرة بعمل المؤسسة دون تغطية الشرائح الأوسع من الجمهور أو الرأي العام إجمالا وبالتالي لا تتحقق الأهداف المرجوة من أنشطة التواصل والإعلام بتعزيز صورة أو تغيير فكر أو تحفيز سلوك.
إن من أبرز الحلول التي يمكن تقديمها فيما يتعلق باستدامة الرسالة الإعلامية هو إيجاد إطار عمل يوثق الرسائل الإعلامية التي تود المؤسسة إيصالها وترسيخها في أذهان الجمهور المستهدف، مع أهمية تضمين تلك الرسائل - مجتمعة أو مفردة - في مختلف أنشطة التواصل والإعلام التي تقوم بها المؤسسة. ومن أجل ذلك تبرز أهمية أن تكون تلك الرسائل مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعة أعمال المؤسسة بحيث يسهل تضمينها بشكل سلس في مختلف أنواع المحتوى الإعلامي. كما أن من المهم تبني منهج التكرار، بحيث يتم تكرار الرسائل الإعلامية في أنشطة متنوعة وممنهجة وفق إطار زمني معين بما يعزز من فرص وصولها لمختلف شرائح الجمهور المستهدف. أما ما يتعلق بالحد من ظاهرة غرف الصدى فإن من المهم بالنسبة للمؤسسات على مستويي القيادات وفرق التواصل والإعلام تطبيق ممارسات تضمن قياس مدى انتشار ووصول وتداول المحتوى الإعلامي لدى الجمهور المستهدف، إضافة إلى ترسيخ ثقافة استخدام أدوات رصد الرأي العام لقياس مدى نجاح الرسائل الإعلامية المتبناة من قبل المؤسسة، وأيضا إمكانية معرفة الصورة الذهنية المتشكلة لدى الجمهور حول تلك المؤسسة وما إذا كانت هي ذات الصورة التي ترغب المؤسسة أن ترتبط بها.
وفي خلاصة القول فإن العبرة التي يرجى استخلاصها من قبل قيادات المؤسسات والعاملين في مهنة التواصل والإعلام هي أن من الضروري وجود عُدَّةٍ من قوالب المحتوى الإعلامي تتم تعبئتها بالرسائل الإعلامية المصاحبة لأي موضوع أو حملة تتنوع بين المحتوى النصي القابل للنشر عبر وكالات الأنباء والصحف والمواقع والخدمات الإخبارية، والمحتوى البصري الثابت والمتحرك (الصور والتصاميم والرسوم البيانية ومقاطع الفيديو) القابل للتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري، والعروض التقديمية التي يمكن استخدامها في جلسات مركزة مع الإعلاميين والجهات ذات العلاقة، والمتحدثين الرسميين الذين يمكن للقنوات التلفزيونية والإذاعية والصحافة التواصل معهم لإجراء المقابلات معهم، إلى جانب إمكانية توظيف التقنيات الأحدث مثل البث المباشر والمساحات الصوتية ومقاطع البودكاست وغيرها، بحيث تكون موزعة على جدول زمني يضع في الاعتبار المتغيرات المؤثرة في مدى انتشار وتقبل الرسالة الإعلامية.
* بدر الهنائي مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية