أنساغ .. "ربَّما"...
الاحد / 12 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 16:19 - الاحد 16 يناير 2022 16:19
أحمد راشد ثاني
(1)
في القبر يقولنا، ونحن نتذكره في الطريق إلى القبر:
'لقيت اللي صحَوا ناموا
واللي ناموا ما قاموا
واللي قاموا ما راموا
واللي راموا ما داموا
شفت حالي بلا حالي
[...]
ولا حتى الحكي ينفع
فأي شي يا بحر تَبغي
من الأخطاء تتسمَّع
هنا الأخطاء
هنا الأشياء ما تعرف لها معنى
هنا إحنا بلا إحنا'
(الراحل العزيز أحمد راشد ثاني، من مجموعته النَّبطيَّة المبكِّرة والمميزة 'سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرفه'، دمشق، 'العربية للنشر والتوزيع'، 1981).
(2)
يقولون دوماً إن مشكلتك هي الإخفاق في القياس، وعدم أخذ العبرة والاتعاظ بما يحدث للآخرين.
في الحقيقة، ما حدث كان مشكلة الآخرين، وليست مشكلتك أنت، فما الذي يعنيك أنت في الأمر حتى تعتبر به أو لا تتعظ؟ وقِسْ على ذلك.
(3)
لا أضمد جراحي. لا وقت لديَّ ولا للبلاسم لذلك، فأنا في حالة طوارئ دائمة انتظاراً للجرح القادم.
(4)
كلما تذكرتكِ أتقنتُ اللغة أكثر (لكن مع الآخرين فحسب).
(5)
تغطرستُ بكِ قبل أن يصنع الصينيون البارود وقبل أن يَفْعَلوا الورق، لكني مثل كونفِشْيُس ها أنا ذا أحوم حولكِ كما يفعل الأرق.
وحين أموت، سوف تكونين.
(6)
--أ--
أظن (وبعض الظن قد لا يكون إثماً) أن السُّلطة لا تستطيع أبداً قتل كاتب، أو مسخه، أو تفريغه، أو تمييعه، أو استيعابه ما لم يُرِد -- بل يسعى هو نفسه إلى -- الزريبة الباذخة. الكاتب الحق هو أفضل مُصارِع للسلطة بالمطلق، وأسوأ مَصارِعها على الإطلاق.
--ب--
في الحقيقة، الكتابة هي عدم الهزيمة في حرب ضروس لا يزال الآخرون يعتقدون أنهم من انتصر فيها (دعهم في أمجاد أضغاثهم مع كل كتابة).
(7)
لم يعد أحد يستحي هنا (وهذا سبب كافٍ للخوف، بَيْدَ انه قد يكون خوفا لصالح الخجل على المدى البعيد).
(8)
الحياة مجرد ضحكة (لكن للأسف لا يتضح ذلك بأقصى ما يتضح إلا حين تحمرُّ الذكريات بأول الشجن).
(9)
لا تَخَفْ يا هذا من قدرة الناس الهائلة على النسيان حيث لا يجدر النسيان، بل حاول فقط أن تتصور كيف يمكن أن تكون عليه الأمور لو تذكرون حين يجدر التذكر.
(10)
اعلم يا هذا أن الاستطراد من أعراض الامتلاء، وأن التخمة من أمراض الخواء.
(11)
الثقة بنسبة تسعة وتسعين بالمائة فقط لا تعني، في الحقيقة، أكثر من عدم الثقة على الإطلاق.
(12)
في حقيقة الأمر، حتى الكتابة لا تصلح أن تكون منفى. الموت يصلح أكثر مع إنه في حقيقة الأمر، إقرار ضمنيٌّ بالكتابة واعتراف بها (في البال، تحديداً وبالضبط وعلى الوزن نفسه، تنظيرات جورج باتاي عن الأيروسيَّة والموت).
(13)
مهمة المخرج السينمائي هي نفسها مهمة الجزَّار تماماً وبالضبط (ولكن بالمعكوس).
(14)
يكابدُ الأب ويكابرُ حتى في آخر محاولة لإنقاذ ما تبقى منه: أن يعيش إلى الأبد، أو أن يموت فوراً بالحد الأدنى من الشرف والكرامة وصَدَقات الأُبَّهة الآفلة.
لا فائدة منه وفيه. اتركوه في الركاكة.
(15)
بصورة من الصور، يمكن القول -- بقدر ليس فيها الكثير من المغامرة -- أن السُّلطة لا تشن حرباً (وأعلم أن هذا كلام سيبعث على غيظ وحنق بعضهم، لكن معظمنا قد لا يستطيع أن يتصور كم هي السُّلطة عاجزة، وضعيفة، وخائفة).
السُّلطة -- في كل ما يتجلى من بطشها وعسفها، بل وعلى الرغم منهما -- إنما تؤكد على عدم وجود المقاومة لدى أولئك الذين يصنعونها بكل ذل وخنوع، فحسب.
أعتقد أن هذا هو الأمر الذي ينبغي التذكير به من حين لآخر حيث تتناقص أعداد المؤمنين.
(16)
بعد فوات الأوان، ومع عدم الندم على الإطلاق حتى بعد ألف ميقات وأوان: 'أدركتُ أن الحياة حفلة تنكريَّة، وأنا حضرتها بوجهي الحقيقي' (كافكا، من رسالة إلى ميلينا).
(17)
كيف يستطيع المرء في ما تبقى له من عمر أن يشعر بالأسف نيابة عن الآخرين دوماً؟ في ما تبقى من الحياة على المرء أن يكون تميمته، وتعويذته، وبسملته، وحوقلته لوحده فحسب. لم يعد المرء قابلاً ولا قادراً سوى على أن يتوب توبة نصوحا منهم (لأنهم لا يزالون يسدرون في كل ما يطلبون من المرء التفكير به والتكفير عنه).
(18)
الكتابة كانت قبل أن تجيء، والكتابة ستبقى بعد أن تذهب، وليس عليك بالضرورة أن تفهم ذلك، ولا أن تأبه له.
الكتابة لا تهتم كثيراً بمن يفكِّر بها. الكتابة تخاف من/ مع الذي يفعلها لأول مرة (في مرة أخرى أيضاً).
فلتحاول أن تكون أول مرَّة في آخر كل مرَّة.
وليس على المرء أن يقرأ ويكتب في كل يوم. على المرء أن يحاول الحياة في كل يوم.
(19)
طوال السنين الفائتة أخفقت الكتب في تغييرك؛ ولذا فإن عليك أن تنفق السنوات القلائل المتبقية من عمرك في تغيير الكتب.
(20)
كم يحب كل الأطباء النفسيين الذين عالجوه. كان في وده مساعدتهم لكنه أدرك أنهم حالة ميؤوس منها، فانصرف عنهم لشأنه.
(21)
الكلمة الزائدة الوحيدة (مثل تلك الدودة السخيفة التي تركتها مخلفات العصر النَّباتي في الأمعاء الغليظة) والأكثر كسلا وعطالة -- شِعراً، ونثراً، وفي أحاديث الحياة اليومية -- في اللغة العربية المعاصرة هي 'ربما'؛ 'ربما' لأنه لم يعد لها أي معنى لفرط ما أصبحت ركيكة ومجانيَّة: لم تعد تقول أي شيء، والأسوأ من ذلك انه لم تعد تقول نفسها. كيف يمكن الاعتماد على شيء لا يستطيع أن يقول نفسه؟
في القبر يقولنا، ونحن نتذكره في الطريق إلى القبر:
'لقيت اللي صحَوا ناموا
واللي ناموا ما قاموا
واللي قاموا ما راموا
واللي راموا ما داموا
شفت حالي بلا حالي
[...]
ولا حتى الحكي ينفع
فأي شي يا بحر تَبغي
من الأخطاء تتسمَّع
هنا الأخطاء
هنا الأشياء ما تعرف لها معنى
هنا إحنا بلا إحنا'
(الراحل العزيز أحمد راشد ثاني، من مجموعته النَّبطيَّة المبكِّرة والمميزة 'سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرفه'، دمشق، 'العربية للنشر والتوزيع'، 1981).
(2)
يقولون دوماً إن مشكلتك هي الإخفاق في القياس، وعدم أخذ العبرة والاتعاظ بما يحدث للآخرين.
في الحقيقة، ما حدث كان مشكلة الآخرين، وليست مشكلتك أنت، فما الذي يعنيك أنت في الأمر حتى تعتبر به أو لا تتعظ؟ وقِسْ على ذلك.
(3)
لا أضمد جراحي. لا وقت لديَّ ولا للبلاسم لذلك، فأنا في حالة طوارئ دائمة انتظاراً للجرح القادم.
(4)
كلما تذكرتكِ أتقنتُ اللغة أكثر (لكن مع الآخرين فحسب).
(5)
تغطرستُ بكِ قبل أن يصنع الصينيون البارود وقبل أن يَفْعَلوا الورق، لكني مثل كونفِشْيُس ها أنا ذا أحوم حولكِ كما يفعل الأرق.
وحين أموت، سوف تكونين.
(6)
--أ--
أظن (وبعض الظن قد لا يكون إثماً) أن السُّلطة لا تستطيع أبداً قتل كاتب، أو مسخه، أو تفريغه، أو تمييعه، أو استيعابه ما لم يُرِد -- بل يسعى هو نفسه إلى -- الزريبة الباذخة. الكاتب الحق هو أفضل مُصارِع للسلطة بالمطلق، وأسوأ مَصارِعها على الإطلاق.
--ب--
في الحقيقة، الكتابة هي عدم الهزيمة في حرب ضروس لا يزال الآخرون يعتقدون أنهم من انتصر فيها (دعهم في أمجاد أضغاثهم مع كل كتابة).
(7)
لم يعد أحد يستحي هنا (وهذا سبب كافٍ للخوف، بَيْدَ انه قد يكون خوفا لصالح الخجل على المدى البعيد).
(8)
الحياة مجرد ضحكة (لكن للأسف لا يتضح ذلك بأقصى ما يتضح إلا حين تحمرُّ الذكريات بأول الشجن).
(9)
لا تَخَفْ يا هذا من قدرة الناس الهائلة على النسيان حيث لا يجدر النسيان، بل حاول فقط أن تتصور كيف يمكن أن تكون عليه الأمور لو تذكرون حين يجدر التذكر.
(10)
اعلم يا هذا أن الاستطراد من أعراض الامتلاء، وأن التخمة من أمراض الخواء.
(11)
الثقة بنسبة تسعة وتسعين بالمائة فقط لا تعني، في الحقيقة، أكثر من عدم الثقة على الإطلاق.
(12)
في حقيقة الأمر، حتى الكتابة لا تصلح أن تكون منفى. الموت يصلح أكثر مع إنه في حقيقة الأمر، إقرار ضمنيٌّ بالكتابة واعتراف بها (في البال، تحديداً وبالضبط وعلى الوزن نفسه، تنظيرات جورج باتاي عن الأيروسيَّة والموت).
(13)
مهمة المخرج السينمائي هي نفسها مهمة الجزَّار تماماً وبالضبط (ولكن بالمعكوس).
(14)
يكابدُ الأب ويكابرُ حتى في آخر محاولة لإنقاذ ما تبقى منه: أن يعيش إلى الأبد، أو أن يموت فوراً بالحد الأدنى من الشرف والكرامة وصَدَقات الأُبَّهة الآفلة.
لا فائدة منه وفيه. اتركوه في الركاكة.
(15)
بصورة من الصور، يمكن القول -- بقدر ليس فيها الكثير من المغامرة -- أن السُّلطة لا تشن حرباً (وأعلم أن هذا كلام سيبعث على غيظ وحنق بعضهم، لكن معظمنا قد لا يستطيع أن يتصور كم هي السُّلطة عاجزة، وضعيفة، وخائفة).
السُّلطة -- في كل ما يتجلى من بطشها وعسفها، بل وعلى الرغم منهما -- إنما تؤكد على عدم وجود المقاومة لدى أولئك الذين يصنعونها بكل ذل وخنوع، فحسب.
أعتقد أن هذا هو الأمر الذي ينبغي التذكير به من حين لآخر حيث تتناقص أعداد المؤمنين.
(16)
بعد فوات الأوان، ومع عدم الندم على الإطلاق حتى بعد ألف ميقات وأوان: 'أدركتُ أن الحياة حفلة تنكريَّة، وأنا حضرتها بوجهي الحقيقي' (كافكا، من رسالة إلى ميلينا).
(17)
كيف يستطيع المرء في ما تبقى له من عمر أن يشعر بالأسف نيابة عن الآخرين دوماً؟ في ما تبقى من الحياة على المرء أن يكون تميمته، وتعويذته، وبسملته، وحوقلته لوحده فحسب. لم يعد المرء قابلاً ولا قادراً سوى على أن يتوب توبة نصوحا منهم (لأنهم لا يزالون يسدرون في كل ما يطلبون من المرء التفكير به والتكفير عنه).
(18)
الكتابة كانت قبل أن تجيء، والكتابة ستبقى بعد أن تذهب، وليس عليك بالضرورة أن تفهم ذلك، ولا أن تأبه له.
الكتابة لا تهتم كثيراً بمن يفكِّر بها. الكتابة تخاف من/ مع الذي يفعلها لأول مرة (في مرة أخرى أيضاً).
فلتحاول أن تكون أول مرَّة في آخر كل مرَّة.
وليس على المرء أن يقرأ ويكتب في كل يوم. على المرء أن يحاول الحياة في كل يوم.
(19)
طوال السنين الفائتة أخفقت الكتب في تغييرك؛ ولذا فإن عليك أن تنفق السنوات القلائل المتبقية من عمرك في تغيير الكتب.
(20)
كم يحب كل الأطباء النفسيين الذين عالجوه. كان في وده مساعدتهم لكنه أدرك أنهم حالة ميؤوس منها، فانصرف عنهم لشأنه.
(21)
الكلمة الزائدة الوحيدة (مثل تلك الدودة السخيفة التي تركتها مخلفات العصر النَّباتي في الأمعاء الغليظة) والأكثر كسلا وعطالة -- شِعراً، ونثراً، وفي أحاديث الحياة اليومية -- في اللغة العربية المعاصرة هي 'ربما'؛ 'ربما' لأنه لم يعد لها أي معنى لفرط ما أصبحت ركيكة ومجانيَّة: لم تعد تقول أي شيء، والأسوأ من ذلك انه لم تعد تقول نفسها. كيف يمكن الاعتماد على شيء لا يستطيع أن يقول نفسه؟