لا عنوان لهذه المادة
أنساغ
الاحد / 5 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 19:13 - الاحد 9 يناير 2022 19:13
بافيسي
(1)
الذي من الطبقة العاملة لا يستطيع أن يكون عدميّا (كيف يمكن له أن يكون عدميّا وهو مُعْدَمٌ في المقام الأول؟ أنَّى له قراءة كتب الفلاسفة العدميين والشعراء العبثيين وهو لا يحسن فك الخط أصلا في غمرة انشغاله اليومي بتدبير الحد الأدنى من قوت عياله)؟ أما الذي من الطبقة المتوسطة (وبالمناسبة فقد نجح الخطاب السياسي والإيديولوجي، بل وحتى الأكاديمي، الأمريكي في تمييع المفهوم الماركسي 'البورجوازية الصغيرة' إلى صيغة أقل إيذاء وأكثر قبولا: 'الطبقة المتوسطة').. أقول، إذا، إن من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة مثل إصبع داعر في الملاسنات البذيئة فهو مرشَّح ممتاز لأن يكون عدميّا في غرفة قياس الملابس ذات المرايا في متاجر الثياب وأقسام الهندام الأنيق والذوق السُّوقي الرخيص في محلات 'الهايبر ماركت' المنتشرة كوباء في 'مولات' بلادنا؛ فهو يسدد قسط الفداحة الشهري لصالح القرض المصرفي، ويضيف الجديد من الامتنان والعرفان لبطاقة الائتمان البنكي، ويقرأ الصحف اليومية التي لا ينبغي أن يُنْشَر فيها كلام مثل هذا الذي أكتبه، ويأكل وجبة 'البرياني' في مطاعم مَهَرتْها سلطات البلدية بختم حسن الذوق، ونبل الأصل، وعراقة المحتد، ويقرأ في أوقات الفراغ من الفراغ بعض الكتب السَّهلة التي تصيب بالإسهال، ويخاف 'من أخيه، وأمِّه وأبيه، وصاحبته وبنيه'، وينتظر ـ صاحبنا ذاك، عَنَيْتُ ـ وما بدَّل تبديلا. أما البورجوازي فهو العدمي الأكبر -لسوء حظ الجميع- تحديدا وبالضبط لأنه ليس مضطرا لأن يكون هكذا، ولكنه يريد أن يكون كذلك رغم أنف خلق الله أجمعين. في الحقيقة، هو قد يكون أكبر عدمي في الكواكب والمجرَّات قاطبة، لكن من دون أن يعلم أحد بذلك.
وهذا ينبغي أن يكون من أسباب الاحترام الجزيل لكارل ماركس، ومن دواعي إصابة المرء بعاهتي الاكتئاب المزمن الحاد والأرق المزمن الحاد، ومن مسوِّغات عدم وجود أقسام للفلسفة في الجامعات، ومن مبررات حفر الهاوية (والحرية أيضًا، وبنفس المقدار) بالنواجذ وما تُضْمِرُ الصدور.
(2)
تقريبًا يكون القارئ شعورًا بالأسى الشفيف أحيانًا، والميلنخوليا الرهيفة لكن العابرة، والأسف الغامر من غير ما إفراط في أحايين أخرى، والغيمة الحزينة والحنون في ذات الوقت كما في المحاولات الجسور لبدر شاكر السياب، والنداء الاستغاثي الذي لا غضاضة في ألا يسمعه أحد، والشفقة المخلصة، والنرجسية الباهظة، والأنانية المفرطة، والبهجة العارمة، والتَّشفي البريء (أحد السطور الأخيرة في يوميات تْشَزي بافيسي قبيل انتحاره: 'إن أقصى ما تخشاه في السِّر يحدث دوما في الحقيقة').
لم يكن الكاتب يقصد ذلك على وجه اليقين والدِّقة (وبالتأكيد فإن القارئ لم يسعَ اختيارًا إلى هذه الكارثة بدوره). أظن أن للمغناطيس قواعد وأحكاما لا ندركها كلُّها لغاية الآن. وأخال إنه من الأفضل أن يبقى الكاتب كاتبا. أما في ما يخص القارئ فليس هناك حل للمعضلة سوى أن يكون قارئا؛ فبهذا يكفي الله الكاتبين والقارئين شر المعنى ووطأة المغزى. على القارئ أن يعي أن الكتابة 'أمانة' وعليه الاستقالة من كونه 'ظلومًا جهولًا' إن لم يكن بمستوى 'السماوات والأرض'.
لا أظن أن هناك حلًا غير هذا.
(3)
ليس فيهم ما يستحق الكتابة عنه، ليس فيهم عويل يمكن أن يكون له صدى على الجدار، ليس في صمتهم ما يمكن أن يكون كلمات في القبر، ليس في عظامهم ما يمكن أن يكون رئة عصفور أو جناح فراشة، وهم كُتّابٌ برسم المراسيم. ولذلك فإن كتابتهم تشبه غيرهم، ومن هنا فإن من الأفضل لهم، وللكتابة، ولنا، ولمستقبل هذا الكوكب البائس، أن يكفُّوا عن ارتكاب الكتابة واقتراف النصوص رأفة بما تبقى لنا من خبز، وهواء، وخمر.
ولهذا لا بد من تذكُّر التالي مرة تلو تارة: 'إن الجَمال شيء فظيع! وهو فظيع لأن غَورَهُ لم يُسْبَر بعد؛ لأن الرب لم يقيِّض لنا سوى الألغاز. هنا تجتمع الحدود وتوجد كل التناقضات جنبًا إلى جنب بعضها البعض' (دوستويفسكي، 'الإخوة كارامازوف').
(4)
صرتُ أخاف كثيرًا من هذه المرأة، فهي تشبهني (أو أنا أشبهها، لا فرق) لدرجة كنت أتمنى معها لو كانت أقل بقليل من الليل والمرآة). هكذا أنظر بطريقتي الخاصة (المقلوبة بالتحديد، والضبط، والتعمد مع سبق الإصرار والترصد) إلى قيس بن الملوَّح:
'وقد يجمع الله الشَّتيتين بعدما
يظنَّان كل الظنَّ ألا تلاقيا
تَسَّاقطُ نفسي حين أراك أنْفُسا
يَرِدْنَ فما تَصدُران إلا صَواديا'.
لكن، يا إلهي: لماذا يرتبط الحب عندي دوما بالخوف؟ لماذا لا أستطيع الشعور بالطمأنينة حتى (بل وخاصة) في الحب؟
(5)
لا أريد أي شيء، لا أريد أي شيء، لا أريد أي شيء.
(6)
بمناسبة الغيث الذي انهمر على بلادنا مؤخرًا: 'أحب دومًا أن أمشي تحت المطر، كي لا يراني أحد وأنا أبكي' (تشارلي تشابلن).
(7)
قبل سنين بعيدة، حين كنت غرّا وساذجا، كنت أخوض مع الخائضين، وأردد مع القائلين (ضمن شعارات ومقولات أخرى): 'الكتابة هي المعادل الموضوعي للحياة'. أما اليوم فإنني أتساءل: لكن أين هي الحياة كي تكون الكتابة معادلا موضوعيا لها (أو غير ذلك)؟
(8)
لا عنوان لهذه المادة. لو وضعتُ عنوانا فإني سأضل عن/ إلى/ في الطريق (مرة أخرى).
(9)
أما الآن، وقد بلغت الساعة الثانية والنصف صباحا 'حسب التوقيت المحلي' (وهذا، بالمناسبة، ليس إعلانا من الإذاعة بل هو عنوان فيلم روائي قصير بارع للسينمائي السعودي حسام الحلوة) فإنني أتساءل: ترى هل عليَّ إضافة مقاطع أخرى إلى هذه الحلقة من 'أنساغ' كي أبدو أكثر احترامًا لنفسي، أم عليَّ أن أهرع إلى مكب نفايات البناية التي أقطن فيها كي أقدِّم وجبة عشاء سريعة ومرتَجَلة للقطط السائبة اللائي يبدو انهن مصابات بعاهة الأرق مثلي، واللواتي عيل صبرهن في انتظاري، كمن ينتظر النوم واليوم، ككل ليلة؟
وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: 'عُذّبت امرأة في هِرَّة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض' ('متفق عليه').
أه، وآه، وأوَّاه، إني أعتذر لكم منكم، ومن القطط، ومن النار، ومن نفسي الأمَّارة بالكتابة وبالقطط السائبة معا.
الذي من الطبقة العاملة لا يستطيع أن يكون عدميّا (كيف يمكن له أن يكون عدميّا وهو مُعْدَمٌ في المقام الأول؟ أنَّى له قراءة كتب الفلاسفة العدميين والشعراء العبثيين وهو لا يحسن فك الخط أصلا في غمرة انشغاله اليومي بتدبير الحد الأدنى من قوت عياله)؟ أما الذي من الطبقة المتوسطة (وبالمناسبة فقد نجح الخطاب السياسي والإيديولوجي، بل وحتى الأكاديمي، الأمريكي في تمييع المفهوم الماركسي 'البورجوازية الصغيرة' إلى صيغة أقل إيذاء وأكثر قبولا: 'الطبقة المتوسطة').. أقول، إذا، إن من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة مثل إصبع داعر في الملاسنات البذيئة فهو مرشَّح ممتاز لأن يكون عدميّا في غرفة قياس الملابس ذات المرايا في متاجر الثياب وأقسام الهندام الأنيق والذوق السُّوقي الرخيص في محلات 'الهايبر ماركت' المنتشرة كوباء في 'مولات' بلادنا؛ فهو يسدد قسط الفداحة الشهري لصالح القرض المصرفي، ويضيف الجديد من الامتنان والعرفان لبطاقة الائتمان البنكي، ويقرأ الصحف اليومية التي لا ينبغي أن يُنْشَر فيها كلام مثل هذا الذي أكتبه، ويأكل وجبة 'البرياني' في مطاعم مَهَرتْها سلطات البلدية بختم حسن الذوق، ونبل الأصل، وعراقة المحتد، ويقرأ في أوقات الفراغ من الفراغ بعض الكتب السَّهلة التي تصيب بالإسهال، ويخاف 'من أخيه، وأمِّه وأبيه، وصاحبته وبنيه'، وينتظر ـ صاحبنا ذاك، عَنَيْتُ ـ وما بدَّل تبديلا. أما البورجوازي فهو العدمي الأكبر -لسوء حظ الجميع- تحديدا وبالضبط لأنه ليس مضطرا لأن يكون هكذا، ولكنه يريد أن يكون كذلك رغم أنف خلق الله أجمعين. في الحقيقة، هو قد يكون أكبر عدمي في الكواكب والمجرَّات قاطبة، لكن من دون أن يعلم أحد بذلك.
وهذا ينبغي أن يكون من أسباب الاحترام الجزيل لكارل ماركس، ومن دواعي إصابة المرء بعاهتي الاكتئاب المزمن الحاد والأرق المزمن الحاد، ومن مسوِّغات عدم وجود أقسام للفلسفة في الجامعات، ومن مبررات حفر الهاوية (والحرية أيضًا، وبنفس المقدار) بالنواجذ وما تُضْمِرُ الصدور.
(2)
تقريبًا يكون القارئ شعورًا بالأسى الشفيف أحيانًا، والميلنخوليا الرهيفة لكن العابرة، والأسف الغامر من غير ما إفراط في أحايين أخرى، والغيمة الحزينة والحنون في ذات الوقت كما في المحاولات الجسور لبدر شاكر السياب، والنداء الاستغاثي الذي لا غضاضة في ألا يسمعه أحد، والشفقة المخلصة، والنرجسية الباهظة، والأنانية المفرطة، والبهجة العارمة، والتَّشفي البريء (أحد السطور الأخيرة في يوميات تْشَزي بافيسي قبيل انتحاره: 'إن أقصى ما تخشاه في السِّر يحدث دوما في الحقيقة').
لم يكن الكاتب يقصد ذلك على وجه اليقين والدِّقة (وبالتأكيد فإن القارئ لم يسعَ اختيارًا إلى هذه الكارثة بدوره). أظن أن للمغناطيس قواعد وأحكاما لا ندركها كلُّها لغاية الآن. وأخال إنه من الأفضل أن يبقى الكاتب كاتبا. أما في ما يخص القارئ فليس هناك حل للمعضلة سوى أن يكون قارئا؛ فبهذا يكفي الله الكاتبين والقارئين شر المعنى ووطأة المغزى. على القارئ أن يعي أن الكتابة 'أمانة' وعليه الاستقالة من كونه 'ظلومًا جهولًا' إن لم يكن بمستوى 'السماوات والأرض'.
لا أظن أن هناك حلًا غير هذا.
(3)
ليس فيهم ما يستحق الكتابة عنه، ليس فيهم عويل يمكن أن يكون له صدى على الجدار، ليس في صمتهم ما يمكن أن يكون كلمات في القبر، ليس في عظامهم ما يمكن أن يكون رئة عصفور أو جناح فراشة، وهم كُتّابٌ برسم المراسيم. ولذلك فإن كتابتهم تشبه غيرهم، ومن هنا فإن من الأفضل لهم، وللكتابة، ولنا، ولمستقبل هذا الكوكب البائس، أن يكفُّوا عن ارتكاب الكتابة واقتراف النصوص رأفة بما تبقى لنا من خبز، وهواء، وخمر.
ولهذا لا بد من تذكُّر التالي مرة تلو تارة: 'إن الجَمال شيء فظيع! وهو فظيع لأن غَورَهُ لم يُسْبَر بعد؛ لأن الرب لم يقيِّض لنا سوى الألغاز. هنا تجتمع الحدود وتوجد كل التناقضات جنبًا إلى جنب بعضها البعض' (دوستويفسكي، 'الإخوة كارامازوف').
(4)
صرتُ أخاف كثيرًا من هذه المرأة، فهي تشبهني (أو أنا أشبهها، لا فرق) لدرجة كنت أتمنى معها لو كانت أقل بقليل من الليل والمرآة). هكذا أنظر بطريقتي الخاصة (المقلوبة بالتحديد، والضبط، والتعمد مع سبق الإصرار والترصد) إلى قيس بن الملوَّح:
'وقد يجمع الله الشَّتيتين بعدما
يظنَّان كل الظنَّ ألا تلاقيا
تَسَّاقطُ نفسي حين أراك أنْفُسا
يَرِدْنَ فما تَصدُران إلا صَواديا'.
لكن، يا إلهي: لماذا يرتبط الحب عندي دوما بالخوف؟ لماذا لا أستطيع الشعور بالطمأنينة حتى (بل وخاصة) في الحب؟
(5)
لا أريد أي شيء، لا أريد أي شيء، لا أريد أي شيء.
(6)
بمناسبة الغيث الذي انهمر على بلادنا مؤخرًا: 'أحب دومًا أن أمشي تحت المطر، كي لا يراني أحد وأنا أبكي' (تشارلي تشابلن).
(7)
قبل سنين بعيدة، حين كنت غرّا وساذجا، كنت أخوض مع الخائضين، وأردد مع القائلين (ضمن شعارات ومقولات أخرى): 'الكتابة هي المعادل الموضوعي للحياة'. أما اليوم فإنني أتساءل: لكن أين هي الحياة كي تكون الكتابة معادلا موضوعيا لها (أو غير ذلك)؟
(8)
لا عنوان لهذه المادة. لو وضعتُ عنوانا فإني سأضل عن/ إلى/ في الطريق (مرة أخرى).
(9)
أما الآن، وقد بلغت الساعة الثانية والنصف صباحا 'حسب التوقيت المحلي' (وهذا، بالمناسبة، ليس إعلانا من الإذاعة بل هو عنوان فيلم روائي قصير بارع للسينمائي السعودي حسام الحلوة) فإنني أتساءل: ترى هل عليَّ إضافة مقاطع أخرى إلى هذه الحلقة من 'أنساغ' كي أبدو أكثر احترامًا لنفسي، أم عليَّ أن أهرع إلى مكب نفايات البناية التي أقطن فيها كي أقدِّم وجبة عشاء سريعة ومرتَجَلة للقطط السائبة اللائي يبدو انهن مصابات بعاهة الأرق مثلي، واللواتي عيل صبرهن في انتظاري، كمن ينتظر النوم واليوم، ككل ليلة؟
وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: 'عُذّبت امرأة في هِرَّة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض' ('متفق عليه').
أه، وآه، وأوَّاه، إني أعتذر لكم منكم، ومن القطط، ومن النار، ومن نفسي الأمَّارة بالكتابة وبالقطط السائبة معا.