لقاء ثان بين جندي أمريكي ومقاتل طالباني
بعد أحد عشر عاما من محاولة أحدهما قتل الآخر
الاحد / 5 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 18:33 - الاحد 9 يناير 2022 18:33
New York Times reporter Thomas Gibbons-Neff, third from right in red hat, interviews Mullah Abdul Rahim Gulab, sitting below the weapon in the window, in Marjah, Afghanistan, on Nov. 8, 2021. (Jim Huylebroek/The New York Times)
((صحفي في نيويورك تايمز، سبقت له الخدمة في البحرية الأمريكية، يرجع إلى موقع معركة كبيرة في أفغانستان ليرى ما تغير منذ استيلاء طالبان على الحكم، ويقابل قائدا قاتله ذات يوم ))
كان الشاي ساخنا، والغرفة خانقة، ومتربة. والقائد الطالباني الذي جلست في مواجهته بداخل بناية تحمل ندوبا من أثر طلقات الرصاص في جنوبي أفغانستان سبق أن حاول قتلي قبل ما يزيد قليلا على عشر سنين.
أنا الآخر حاولت قتله.
كلانا نتذكر ذلك الصباح جيدا: الثالث عشر من فبراير سنة 2010، مقاطعة مارجا، محافظة هلماند. كنا تقريبا في العمر نفسه: الثانية والعشرين. وكان الجو قارس البرودة.
كان الملا عبدالرحيم جولاب ينتمي إلى مجموعة من مقاتلي طالبان تحاول الدفاع عن المقاطعة أمام آلاف الأمريكيين من قوات التحالف والقوات الأفغانية المبعوثة للاستيلاء على ما كان في ذلك الوقت معقلا مهما لطالبان. لم يعرف حينما التقينا حديثا أنني كنت عريفا في فرقة من المارينز هاجمها مقاتلوه في ذلك الصباح الشتائي قبل سنين كثيرة.
إثر تحقيق المتمردين في الصيف الماضي لانتصارهم في الحرب التي استمرت عشرين عاما، جلس معي الملا عبدالرحيم جولاب ـ وقد بات الآن قائدا رفيع المستوى ـ في مقر حكومة مارجا، وهو مبنى كان الأمريكيون قد عملوا على تجديده قبل سنوات. كنت ضيفا عليه، ومعي اثنان من الزملاء في صحيفة نيويورك تايمز. أخبرته أن القتال على مارجا كان مهما في نظر الولايات المتحدة، ولكن أغلب الناس لم يسمعوا غير جانب واحد من قصة تلك المعركة. ولم يكن ذلك بالطبع هو الجانب الطالباني.
كان ذلك في عام 2000، وقد عادت طالبان من جديد لتصبح قوة عسكرية قادرة تهدد تقريبا كل جزء في افغانستان. فرض المتمردون الضرائب على سكان المنطقة، وقاموا على أمر نظام عدالة سريع وقاس، وصاروا يحصلون على نصيب كبير من عائدات حصاد الخشخاش.
كانت عملية (مشترك) بحسب ما أطلق الجيش الأمريكي على مهمة 2010 للاستيلاء على المقاطعة هي أول معركة حاسمة بعد قرار الرئيس باراك أوباما بزيادة قوات مكافحة التمرد التي أخفقت في النهاية.
بعد إحدى عشرة سنة، لم نزل أنا والملا عبدالرحيم جولاب نتذكر صوت أذان الفجر في ذلك الصباح من فبراير في قرية كورو شاره، وهي قرية صغيرة وسط حقول الخشخاش المغمورة بالمياه، غير بعيدة من وسط بلدة مارجا. وقد بدت الأشجار المحيطة، الجرداء من الورق، أشبه بأياد ميتة مفرودة.
قال الملا عبدالرحيم جولاب إن 'السماء فوق مارجا امتلأت بمروحيات أنزلت جنودا أمريكيين في مختلف المناطق'.
كنت قد انتقلت للتو مع فريقي المؤلف من سبعة من المارينز إلى بناية مقامة من الطين لمضخات الماء بعد إنزالنا ضمن أكثر من 250 فردا قبل ساعات قليلة. ومع مشرق الشمس، جمع الملا عبدالرحيم جولاب مجموعته من مقاتلي طالبان من قرية مجاورة.
بعد فترة وجيزة، تناول الملا مكبر صوت في مسجد وأخذ بصوت جهير غاضب يصلي هو ومقاتلو طالبان.
ثم بدأ إطلاق الرصاص.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'كانت معركة شديدة الصعوبة'.
وعنده حق. ففي نهاية اليوم، كان مهندس من قوات المارينز قد لقي مصرعه وأصيب عدة آخرون. ولقي المتمردون نصيبهم من الخسائر.
مع نهاية الحرب في أغسطس الماضي، أمكن الوصول مرة أخرى إلى الأماكن التي خضت فيها القتال ضمن قوات المارينزـ وهي مساحات شاسعة من الأرض مات فيها أصدقاء لي ورأيت إخفاقات بلدي العسكرية تتكشف أمام عيني. والآن وقد صرت صحفيا في نيويورك تايمز، أردت الرجوع لأكتب عما تغير، وعما لم يتغير، في هذه الميادين الحربية السابقة وفي ما حولها.
في نوفمبر، كانت رحلة رجوعي بالسيارة إلى المقاطعة ـ التي باتت خاضعة لسيطرة الطالبان ـ يسيرة إلى حد ما. بدت الطرق مكدسة بالدراجات النارية والشاحنات المحملة بالقطن. امتلأ الرصيف بحفر أحدثتها قنابل زرعها المتمردون أسفل جوانب الطرق ذات يوم. وتناثرت مواقع عسكرية وشرطية على طول الطريق السريع فهي شبيهة بأنصاب متفرقة.
كانت مارجا لم تزل مثلما أتذكرها، لكن بعض الأشياء تغيرت. فثمة طريق مرصوف. والقنوات جافة.
والحرب وضعت أوزارها.
كان جني القطن قائما في الخريف، وضجيج محركات الجرارات وثرثرة العاملين في الحقول مسموعا وقد غابت الخلفية الصوتية المؤلفة من إطلاق الرصاص، برغم أن الجفاف الهائل يهدد مصادر رزق الكثير من المزارعين وبرغم أن الانكماش الاقتصادي في البلد ترك أثره على الجميع.
المبنى المؤلف من طابقين احتللناهما ذات يوم وجعلناهما مركزا للقيادة، وتعرض فيه صديقاي (مات توكر) و(مات بوستروك) لإطلاق الرصاص في ذلك اليوم من فبراير، تحول الآن إلى عيادة للولادة.
في رحلة العودة إلى مارجا، لم يعد مسموحا للرجال بدخول المبنى. لكنني عبر شق في الباب رأيت الدرج الذي جلس عليه صديقاي المصابان، ملفوفين بالضمادات، مبتسمين وقد تناولا المسكنات، قبل أن تهبط مروحية الإخلاء.
تقريبا في نفس الوقت الذي أطلق فيه أحد رماة طالبان النار على زملائي في الفريق، فقد الملا جولاب أحد مقاتليه ـ وكأن بندول العنف الذي اندلع في ذلك الوقت حاول أن يتوازن.
'كان أصدقائي يطلقون الرصاص على الأجانب من حديقة وقتل أحدهم' هكذا قال الملا عبدالرحيم جولاب قبل أن يشرح كيف زرع رجاله المتفجرات في طريق أفراد المارينز من أمثالي.
قال 'كان لكل قنبلة مقاتل حاضر من طالبان لتفجيرها'.
انضم الملا عبدالرحيم جولاب إلى طالبان سنة 2005، قبل عام من التحاقي بالمارينز. وكان قد فقد للتو اثنين من أخوته في القتال وكلاهما من الطالبان.
نشأتُ في ضواحي كونكتيكت، ونشأ الملا عبدالرحيم جولاب في منطقة جبلية معزولة بمحافظة هلمند.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'حينما كنت طفلا، كنت أذهب إلى المدرسة، وكان الملا يقول لنا إن ’الأجانب يريدون أن يحتلوا بلدنا، وأنتم يا رفاق، ينبغي أن تكونوا مستعدين لهزيمتهم’ فتمنيت الانضمام إلى المجاهدين'.
لما حان وقت هبوط الطائرة بي في مارجا، كان الملا جولاب قد أصبح مقاتلا متمرسا نجا من ضربات جوية أمريكية صاحبت تدفق مدد ثابت من قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي على جنوبي أفغانستان. كان على رأس قرابة ستين مقاتلا ويعرف كيف يستغل قواعد الاشتباك في منع المقاتلين الأجانب من قتل مقاتلي طالبان العزل الذين رموا أسلحتهم في أقرب مصرف.
حكى الملا جولاب أنه كلما كانت القوات الأمريكية تقترب 'كنا نلقي أسلحتنا ونخرج إلى الشوارع ونحييهم قائلين ’هاي’ فيسألوننا ’أين الطالبان؟’ فنقول ’لا نعرف’'.
'بعد ذلك، كان الأطفال وأهل القرية يجمعون أسلحتنا ويحتفظون بها في بيوتهم إلى أن نرجع إليهم'.
قال الملا عبدالرحيم جولاب إن مقاتليه كانوا يستعملون الأطفال لرصد الدوريات واستدعاء رجاله فور مغادرة الأمريكيين لمواقعهم. ذكر ذلك وكأنه أمر هامشي عارض، لكن قبل عقد من الزمن، حينما بدأنا نعلم أن أطفالا في الثامنة من العمر يعرضون حياة أصدقائنا للخطر، تساءلنا ـ وتجادلنا ـ إلى أي مدى يمكن أن نذهب لنضمن أن أحدا منا لن يموت في حرب كنا قد بدأنا بالفعل ندرك أننا نخسرها.
فيما كان الملا عبدالرحيم جولاب يسرد ذكرياته عن جميع الطرق التي قتل من خلالها أصدقاؤه أصدقائي وأصدقائي أصدقاءه، كنت أنظر إلى بندقيته عن يمين ذراعي وقد ركنها على الكرسي المجاور لي قبل أن أجلس، وهي كاربين إم4 الأمريكية، شديدة الشبه بالبندقية التي كنت أحملها سنة 2010.
للحظة عابرة وقعت بين الزمنين، بين بداية الحرب ونهايتها.
كانت البندقية، في يوم من الأيام، أداة مألوفة، بل جزءا مني، لا تبتعد قط عن متناول يدي. لكن الآن وقد انتفت الحاجة إليها، لم تعد أكثر إلا قليلا من كتلة من البلاستيك والحديد، ولم يعد لها تأثير على تفاعلي مع مارجا والملا عبدالرحيم جولاب. هو نفسه لم يعد العدو وإنما هو رجل جالس على الأرض، يفكر في جملته التالية. لم يعد مقاتلا في حرب يبدو أنه لا نهاية لها. ولا أنا عدت كذلك.
هو فاز في حربه، وأنا انهزمت.
رجعت من أفغانستان إلى الوطن في يوليو 2010، وبعد خمس سنوات، سقطت مارجا في أيدي الطالبان باستثناء بؤر قليلة. ثم حدث في الصيف الماضي، قبل قرابة أسبوعين من سقوط كابول، أن استولى الطالبان عليها بالكامل.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'أنا سعيد جدا أن الأجانب رحلوا عن البلد وانتهى الأمر. لسنا بحاجة إلى قتلهم، ولا هم يقتلون رفاقي'.
ظللت، على مدار الحوار، أريد أن أخبره بأنني كنت من قوات المارينز. وبأنني كنت في مارجا في الثالث عشر من فبراير سنة 2010، وبأنني حاربت ضده. أردت أن أقول له إنني آسف على كل شيء: على الموت الذي لم يكن له داع، وعلى الخسائر. على أصدقائه. وعلى أصدقائي.
لكنني لم أقل شيئا. فقط نهضت فصافحته مبتسما.
ورحلت عن مارجا.
* شارك في الكتابة يعقوب أكباري وجيم هايلبروك
** خدمة نيويورك تايمز 'خاص عمان'
كان الشاي ساخنا، والغرفة خانقة، ومتربة. والقائد الطالباني الذي جلست في مواجهته بداخل بناية تحمل ندوبا من أثر طلقات الرصاص في جنوبي أفغانستان سبق أن حاول قتلي قبل ما يزيد قليلا على عشر سنين.
أنا الآخر حاولت قتله.
كلانا نتذكر ذلك الصباح جيدا: الثالث عشر من فبراير سنة 2010، مقاطعة مارجا، محافظة هلماند. كنا تقريبا في العمر نفسه: الثانية والعشرين. وكان الجو قارس البرودة.
كان الملا عبدالرحيم جولاب ينتمي إلى مجموعة من مقاتلي طالبان تحاول الدفاع عن المقاطعة أمام آلاف الأمريكيين من قوات التحالف والقوات الأفغانية المبعوثة للاستيلاء على ما كان في ذلك الوقت معقلا مهما لطالبان. لم يعرف حينما التقينا حديثا أنني كنت عريفا في فرقة من المارينز هاجمها مقاتلوه في ذلك الصباح الشتائي قبل سنين كثيرة.
إثر تحقيق المتمردين في الصيف الماضي لانتصارهم في الحرب التي استمرت عشرين عاما، جلس معي الملا عبدالرحيم جولاب ـ وقد بات الآن قائدا رفيع المستوى ـ في مقر حكومة مارجا، وهو مبنى كان الأمريكيون قد عملوا على تجديده قبل سنوات. كنت ضيفا عليه، ومعي اثنان من الزملاء في صحيفة نيويورك تايمز. أخبرته أن القتال على مارجا كان مهما في نظر الولايات المتحدة، ولكن أغلب الناس لم يسمعوا غير جانب واحد من قصة تلك المعركة. ولم يكن ذلك بالطبع هو الجانب الطالباني.
كان ذلك في عام 2000، وقد عادت طالبان من جديد لتصبح قوة عسكرية قادرة تهدد تقريبا كل جزء في افغانستان. فرض المتمردون الضرائب على سكان المنطقة، وقاموا على أمر نظام عدالة سريع وقاس، وصاروا يحصلون على نصيب كبير من عائدات حصاد الخشخاش.
كانت عملية (مشترك) بحسب ما أطلق الجيش الأمريكي على مهمة 2010 للاستيلاء على المقاطعة هي أول معركة حاسمة بعد قرار الرئيس باراك أوباما بزيادة قوات مكافحة التمرد التي أخفقت في النهاية.
بعد إحدى عشرة سنة، لم نزل أنا والملا عبدالرحيم جولاب نتذكر صوت أذان الفجر في ذلك الصباح من فبراير في قرية كورو شاره، وهي قرية صغيرة وسط حقول الخشخاش المغمورة بالمياه، غير بعيدة من وسط بلدة مارجا. وقد بدت الأشجار المحيطة، الجرداء من الورق، أشبه بأياد ميتة مفرودة.
قال الملا عبدالرحيم جولاب إن 'السماء فوق مارجا امتلأت بمروحيات أنزلت جنودا أمريكيين في مختلف المناطق'.
كنت قد انتقلت للتو مع فريقي المؤلف من سبعة من المارينز إلى بناية مقامة من الطين لمضخات الماء بعد إنزالنا ضمن أكثر من 250 فردا قبل ساعات قليلة. ومع مشرق الشمس، جمع الملا عبدالرحيم جولاب مجموعته من مقاتلي طالبان من قرية مجاورة.
بعد فترة وجيزة، تناول الملا مكبر صوت في مسجد وأخذ بصوت جهير غاضب يصلي هو ومقاتلو طالبان.
ثم بدأ إطلاق الرصاص.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'كانت معركة شديدة الصعوبة'.
وعنده حق. ففي نهاية اليوم، كان مهندس من قوات المارينز قد لقي مصرعه وأصيب عدة آخرون. ولقي المتمردون نصيبهم من الخسائر.
مع نهاية الحرب في أغسطس الماضي، أمكن الوصول مرة أخرى إلى الأماكن التي خضت فيها القتال ضمن قوات المارينزـ وهي مساحات شاسعة من الأرض مات فيها أصدقاء لي ورأيت إخفاقات بلدي العسكرية تتكشف أمام عيني. والآن وقد صرت صحفيا في نيويورك تايمز، أردت الرجوع لأكتب عما تغير، وعما لم يتغير، في هذه الميادين الحربية السابقة وفي ما حولها.
في نوفمبر، كانت رحلة رجوعي بالسيارة إلى المقاطعة ـ التي باتت خاضعة لسيطرة الطالبان ـ يسيرة إلى حد ما. بدت الطرق مكدسة بالدراجات النارية والشاحنات المحملة بالقطن. امتلأ الرصيف بحفر أحدثتها قنابل زرعها المتمردون أسفل جوانب الطرق ذات يوم. وتناثرت مواقع عسكرية وشرطية على طول الطريق السريع فهي شبيهة بأنصاب متفرقة.
كانت مارجا لم تزل مثلما أتذكرها، لكن بعض الأشياء تغيرت. فثمة طريق مرصوف. والقنوات جافة.
والحرب وضعت أوزارها.
كان جني القطن قائما في الخريف، وضجيج محركات الجرارات وثرثرة العاملين في الحقول مسموعا وقد غابت الخلفية الصوتية المؤلفة من إطلاق الرصاص، برغم أن الجفاف الهائل يهدد مصادر رزق الكثير من المزارعين وبرغم أن الانكماش الاقتصادي في البلد ترك أثره على الجميع.
المبنى المؤلف من طابقين احتللناهما ذات يوم وجعلناهما مركزا للقيادة، وتعرض فيه صديقاي (مات توكر) و(مات بوستروك) لإطلاق الرصاص في ذلك اليوم من فبراير، تحول الآن إلى عيادة للولادة.
في رحلة العودة إلى مارجا، لم يعد مسموحا للرجال بدخول المبنى. لكنني عبر شق في الباب رأيت الدرج الذي جلس عليه صديقاي المصابان، ملفوفين بالضمادات، مبتسمين وقد تناولا المسكنات، قبل أن تهبط مروحية الإخلاء.
تقريبا في نفس الوقت الذي أطلق فيه أحد رماة طالبان النار على زملائي في الفريق، فقد الملا جولاب أحد مقاتليه ـ وكأن بندول العنف الذي اندلع في ذلك الوقت حاول أن يتوازن.
'كان أصدقائي يطلقون الرصاص على الأجانب من حديقة وقتل أحدهم' هكذا قال الملا عبدالرحيم جولاب قبل أن يشرح كيف زرع رجاله المتفجرات في طريق أفراد المارينز من أمثالي.
قال 'كان لكل قنبلة مقاتل حاضر من طالبان لتفجيرها'.
انضم الملا عبدالرحيم جولاب إلى طالبان سنة 2005، قبل عام من التحاقي بالمارينز. وكان قد فقد للتو اثنين من أخوته في القتال وكلاهما من الطالبان.
نشأتُ في ضواحي كونكتيكت، ونشأ الملا عبدالرحيم جولاب في منطقة جبلية معزولة بمحافظة هلمند.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'حينما كنت طفلا، كنت أذهب إلى المدرسة، وكان الملا يقول لنا إن ’الأجانب يريدون أن يحتلوا بلدنا، وأنتم يا رفاق، ينبغي أن تكونوا مستعدين لهزيمتهم’ فتمنيت الانضمام إلى المجاهدين'.
لما حان وقت هبوط الطائرة بي في مارجا، كان الملا جولاب قد أصبح مقاتلا متمرسا نجا من ضربات جوية أمريكية صاحبت تدفق مدد ثابت من قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي على جنوبي أفغانستان. كان على رأس قرابة ستين مقاتلا ويعرف كيف يستغل قواعد الاشتباك في منع المقاتلين الأجانب من قتل مقاتلي طالبان العزل الذين رموا أسلحتهم في أقرب مصرف.
حكى الملا جولاب أنه كلما كانت القوات الأمريكية تقترب 'كنا نلقي أسلحتنا ونخرج إلى الشوارع ونحييهم قائلين ’هاي’ فيسألوننا ’أين الطالبان؟’ فنقول ’لا نعرف’'.
'بعد ذلك، كان الأطفال وأهل القرية يجمعون أسلحتنا ويحتفظون بها في بيوتهم إلى أن نرجع إليهم'.
قال الملا عبدالرحيم جولاب إن مقاتليه كانوا يستعملون الأطفال لرصد الدوريات واستدعاء رجاله فور مغادرة الأمريكيين لمواقعهم. ذكر ذلك وكأنه أمر هامشي عارض، لكن قبل عقد من الزمن، حينما بدأنا نعلم أن أطفالا في الثامنة من العمر يعرضون حياة أصدقائنا للخطر، تساءلنا ـ وتجادلنا ـ إلى أي مدى يمكن أن نذهب لنضمن أن أحدا منا لن يموت في حرب كنا قد بدأنا بالفعل ندرك أننا نخسرها.
فيما كان الملا عبدالرحيم جولاب يسرد ذكرياته عن جميع الطرق التي قتل من خلالها أصدقاؤه أصدقائي وأصدقائي أصدقاءه، كنت أنظر إلى بندقيته عن يمين ذراعي وقد ركنها على الكرسي المجاور لي قبل أن أجلس، وهي كاربين إم4 الأمريكية، شديدة الشبه بالبندقية التي كنت أحملها سنة 2010.
للحظة عابرة وقعت بين الزمنين، بين بداية الحرب ونهايتها.
كانت البندقية، في يوم من الأيام، أداة مألوفة، بل جزءا مني، لا تبتعد قط عن متناول يدي. لكن الآن وقد انتفت الحاجة إليها، لم تعد أكثر إلا قليلا من كتلة من البلاستيك والحديد، ولم يعد لها تأثير على تفاعلي مع مارجا والملا عبدالرحيم جولاب. هو نفسه لم يعد العدو وإنما هو رجل جالس على الأرض، يفكر في جملته التالية. لم يعد مقاتلا في حرب يبدو أنه لا نهاية لها. ولا أنا عدت كذلك.
هو فاز في حربه، وأنا انهزمت.
رجعت من أفغانستان إلى الوطن في يوليو 2010، وبعد خمس سنوات، سقطت مارجا في أيدي الطالبان باستثناء بؤر قليلة. ثم حدث في الصيف الماضي، قبل قرابة أسبوعين من سقوط كابول، أن استولى الطالبان عليها بالكامل.
قال الملا عبدالرحيم جولاب 'أنا سعيد جدا أن الأجانب رحلوا عن البلد وانتهى الأمر. لسنا بحاجة إلى قتلهم، ولا هم يقتلون رفاقي'.
ظللت، على مدار الحوار، أريد أن أخبره بأنني كنت من قوات المارينز. وبأنني كنت في مارجا في الثالث عشر من فبراير سنة 2010، وبأنني حاربت ضده. أردت أن أقول له إنني آسف على كل شيء: على الموت الذي لم يكن له داع، وعلى الخسائر. على أصدقائه. وعلى أصدقائي.
لكنني لم أقل شيئا. فقط نهضت فصافحته مبتسما.
ورحلت عن مارجا.
* شارك في الكتابة يعقوب أكباري وجيم هايلبروك
** خدمة نيويورك تايمز 'خاص عمان'