أفكار وآراء

الفن وروح العصر (2): الحالة المصرية نموذجًا

د. سعيد توفيق
 
د. سعيد توفيق
د. سعيد توفيق

قدمت في مقالي السابق رؤية موجزة لمسألة تعبير الفن عن روح عصره عبر التاريخ البشري على وجه العموم، وهي مسألة عويصة حاولت أن أُظهِر بعضًا من تجلياتها في خلاصة أرجو ألا تكون مخلة. والمسألة التي أريد إيجازها في هذا المقال هي تطبيق تلك الرؤية العامة على حالة ما متعيَّنة، أعني كما تتجلى في أمة أو دولة ما. الحالة التي تلح على ذهني في هذا الصدد هي حالة الفن المصري المعاصر كنموذج يشهد على ما سبق أن قلته عن صلة الفن بروح عصره.

بلغ الفن المصري المعاصر ذروة تألقه خلال نصف قرن امتد تقريبًا حتى فترة الثمانينيات، وبدأ يتوارى تدريجيًّا حتى راح يلفظ أنفاسه منذ بدايات القرن الحالي. بطبيعة الحال يمكن أن نجد في عصرنا الراهن عملًا أدبيًّا أو فنيًّا بديعًا هنا أو هناك؛ ولكنني لا أتحدث عن الحالات الاستثنائية، وإنما عن الظاهرة العامة لانحطاط الفن. حدث هذا في مجالات فنون السينما والموسيقا والغناء بوجه خاص. يكفي هنا أن نتأمل نوعًا واحدًا من الفن وهو الأغنية؛ لأن الأغنية هي أكثر الفنون قدرة على التعبير عن ذائقة الجماهير والتأثير فيها من خلال هذا الفن المباشر الذي يجمع بين الكلمة والموسيقا والغِناء؛ ومن ثم فإنه يعبر بشكل مباشر عن 'روح عصره'.

***

بلغ فن الغناء ذروة انحطاطه خلال العقد الأخير من خلال ما يُعرف بأغاني المهرجانات، وهي أغان مكتوبة بكلمات سوقية مبتذلة، وبألحان فقيرة ركيكة، وبأصوات غنائية قبيحة أو- على الأكثر- لا تمتلك مقومات الصوت البشري من حيث اتساع مساحته وقدرته على التنغيم، ولا يتمتع أصحابها بأية درجة من الثقافة، ولم يسبق لهم أن عايشوا تجارب فنية أو تمرسوا على اكتساب المهارات الفنية والتدرج في مراتب الصنعة الفنية. ومن أسف أن هذا النوع من الغناء بدأ ينتقل من مصر وينتشر في بعض البلدان العربية، فتُقَام له المهرجانات والاحتفالات الكبرى التي تحتشد فيها جماهير المعجبين!

حينما نقارن حال الأغنية المصرية بحالها فيما مضى نشعر بالأسى والحسرة؛ إذ كانت الأغاني- وكذلك الأفلام وغيرها من الفنون- سفيرة لبلدها، وكانت تسهم بقوة في تشكيل الوجدان العربي وذائقته الجمالية (بجانب فيروز وأساطين الغنِاء العربي). أخبرني أحد أصدقائي من مثقفي المغرب أنه عندما كان يتم الإعلان عن موعد قريب لحفل لأم كلثوم أو لعبد الحليم، كانت النساء الريفيات البسيطات يسعين إلى حضور هذه الحفلات مثل أهل المدن، فكن يبعن شيئًا من حليهن الذهبية كي يوفرن تكاليف الرحلة مع الأسرة إلى المدينة والإقامة فيها حيث يُقام الحفل! ما أسعدني كثيرًا أنني في أثناء زياراتي الأخيرة لتونس خلال العقد الأخير، كنت أجد أغاني أم كلثوم وعبد الحليم خاصةً تصدح من خلال مقاهي وسط البلد. أدهشني ذلك، ولكنه أسعدني في الوقت ذاته، لا من باب 'الشيفونية'، وإنما من باب الاعتداد بالذائقة العربية التي لا تزال حاضرة في مواجهة التلاشي. ولكن ما أزال دهشتي هو أنني عرفت من خلال التجربة أن شعب تونس- مثل شعب المغرب- يتمتع بقدر معتبر من الثقافة، وهذا ما يكفل له القدرة على تذوق الفن والاحتفاء بالفنون؛ لأن الفن يمتنع من دون ثقافة تسبقه أو تصحبه.

***

ما يثير الأسى هو أن هناك من يدافعون الآن عن هذا النوع من الأغاني الهابطة التي تسمى 'أغاني المهرجانات'. ومن أسف أن نجد هذا الدفاع لا يأتي على لسان عوام الناس فحسب، وإنما أيضًا على لسان بعض النقاد والكُتَّاب المرموقين. الحجة الأساسية في الدفاع التي تُساق هنا هي أن هذه الأغاني تجد جمهورًا واسعًا من المعجبين؛ ومن ثم فإننا لا ينبغي أن نصادر على أحقية أصحاب هذه الأغاني في ممارسة هذا النوع من الغناء. والخطأ الكامن في هذه الحجة هو سوء الفهم الذي يكمن في الاعتقاد بأن الجماهير هي المعيار في الحكم على جودة الفن وقيمته. ذلك أن الجماهير دائمًا تتشكل ذائقتها وتتحول بحسب أحوال عصرها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الأحوال هي ما يُنتِج الفن الذي يشكِّل بدوره الذائقة الجمالية للجماهير: فليس الجمهور هو ما يصنع الفن، وإنما الفن هو ما يصنع جمهوره. ولذلك فإنه عندما ينحط الفن، تنحط الذائقة الجمالية. أما السؤال عن أسباب انحطاط الفن في عصر ما، فذلك سؤال آخر يقتضي التأمل في الظروف والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى ذلك الانحطاط.

لا أريد من وراء ما أقوله هنا الدعوة إلى مصارة هذا النوع من الفن الرديء الذي يبلغ حد الإسفاف، فليس هذا هو السبيل الصحيح لمقاومة الرداءة؛ فالسبيل الوحيد للمقاومة هنا هو تصحيح الوعي من خلال كتابة النقد الجاد بأسلوب سهل يفهمه عموم الناس، ومن خلال تنبيه وعي المسؤولين على شؤون الدول إلى أن الفن مهمة قومية لا تقل أهمية عن المهام الكبرى للدول: فالفن ليس تَرفًا أو تسلية، وإنما هو النشاط الإنساني الأعظم قدرة على تشكيل هوية الجماهير ووجدانها، وعلى أن يكون مصدرًا للقوة الهائلة التي تُسمى 'القوة الناعمة'، فضلًا عن أنه يمكن أن يكون مصدرًا هائلًا للاستثمار والدخل القومي للبلاد من خلال قدرته على تجاوز حدوده الإقليمية الضيقة. ولذلك فإن الدول الناهضة يجب أن تدعم الفن والثقافة بقوة وأن تستثمر فيهما، حتى إن كان العائد المنتظر قد يطول انتظاره قليلًا.

* د. سعيد توفيق كاتب مصري وأستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة