الاقتصادية

سلاسل الإمداد تحوُّل الشركات من التوريد عند الحاجة إلى التوريد الاحتياطي

الحاويات في ميناء ليانيونقانغ في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين. ا ف ب
 
الحاويات في ميناء ليانيونقانغ في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين. ا ف ب
بروك ماسترز وآندرو إيدجكليف - الفاينانشال تايمز

ترجمة: قاسم مكي

حول العالم كله، واجهت الشركات عقبات غير متوقعة في سلاسل إمداداتها (توريداتها) أثناء الجائحة واختناقات الشحن البحري عقب عودة النشاط الاقتصادي. فخطوط إنتاج السيارات توقفت لانعدام شبه الموصِّلات. وشركات المشروبات الكحولية نفدت مخزوناتها من الأوعية الزجاجية. والمتاجر واجهت نقصا في مخزونات مبيعات عيد الميلاد.

مثل هذه المتاعب تُجبِر الشركات على مراجعة استراتيجياتها. فعلى مدى عقود جعلت الأولوية للتكاليف فوق كل شيء آخر عند اختيار مورديها وإنشاء مصانعها وتحديد كمية المخزون المتاح لها .

هذه الفلسفة كثيرا ما يطلق عليها ' التوريد في الوقت المطلوب' أو عند الحاجة لأنها تؤكد على الإبقاء على مخزون الشركة في حده الأدنى واستخدام عقودات توريد قصيرة الأجل ومرنة من الممكن تعديلها بسرعة

حسب التغييرات في حجم الطلب (على مشتريات الشركة المعنية- المترجم).

لكن البحث عن الكفاءة تضمَّن ماهو أكثر من ذلك. فالشركات أيضا نقلت عملياتِ الإنتاج إلى بلدانٍ مستوى أجور العاملين بها منخفضة. وأدمجت الطلبيات (جمعت بينها) لتعظيم اقتصاديات الحجم الكبير. وحاولت التقليل إلى أدنى حد من وجودها المادي في البلدان مرتفعة الضرائب.

يقول برايان هيجينز، رئيس قسم سلسلة التوريد والعمليات بالولايات المتحدة في شركة كي بي إم جي 'الكثير من نماذج التشغيل في سلاسل التوريد التي نراها معطوبة اليوم ترسخت قبل 20 عاما على أساس ما كان يعتبر وقتها حقيقة كلية لا خلاف حولها... وهي أن السعي وراء جهات التوريد الأقل تكلفة هو عين العقل. لقد كان ذلك مناسبا لسلاسل التوريد الطويلة جدا لأنها تركز التكلفة وليس المخاطرة.'

لا تتخلي الشركات تماما عن سياسات سلاسل التوريد الموجودة . لكنها تقوم بإصلاحها لتحقيق مرونة إضافية.

بعض الشركات تزيد المخزونات التي تحتفظ بها عند الحاجة وتدخل في عقودات طويلة الأجل مع مورديها الرئيسيين. وتتجه أخرى إلى تنويع عملياتها التصنيعية لإيجاد مراكز إقليمية مع موردين محليين وتستثمر في التقنية لكي تحصل منها على المزيد من التحذير المبكر من الاختناقات المحتملة ( في سلسلة إمداداتها). وتتحقق بعض الشركات أيضا من الطرق التي يمكن أن تعمل بها مع منافسيها لاقتسام المعلومات بهدف تطوير مرافق احتياطيات طارئة دون مخالفة إجراءات تنظيم التنافس ومحاربة الاحتكار.

في مناسبة تتعلق بصناعة التوريد عقدت مؤخرا قالت كارول تومي، الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد بارسيل سيرفِس (يو بي إس ) ' ما تحب الشركات أن تفعله هو تعظيم الاستفادة من رأس المال العامل. لذلك العديد من المُصنِّعين فضلوا الحصول على إمداداتهم عند حاجتهم إليها. قبل الجائحة كانت هذه الطريقة ناجحة جدا. لكن عندما حلت الجائحة وتوقفت كل الأنشطة بما في ذلك العمليات الصناعية ثم استأنف الاقتصاد نشاطه وزاد الطلب.... فشلت استراتيجية التوريد عند الحاجة.' وتفكر الشركات الآن في وجوب حصولها على مخزونات احتياطية (من باب التحوط).'

الجائحة غيرت كل شيء

هذه التغييرات وراءها الجائحة وصدمة سلسلة التوريد التي جاءت في أعقابها. لكنها أيضا تعكس التوترات الجيوبوليتيكية بين الصين والغرب والضغط المتزايد على الشركات لخفض انبعاثات الكربون التي تطلقها في الهواء.

واقع الحال، عشرات الآلاف من التغييرات الصغيرة تعيد على نحو جذري تشكيل طريقة تصميم وصناعة وبيع الأشياء. في بعض الحالات هذه التحولات تزيد التكلفة وتساهم في التضخم. لكن النتيجة النهائية قد تكون إمدادات أكثر موثوقية وأكثر محلية وتقلل من تقلب الأسعار وانبعاثات الكربون في المستقبل أيضا.

هذه العقلية الجديدة ترسخت في الأيام الأولى للجائحة عندما وجد استطلاع أجرته شركة مكنزي لكبار مسئولي سلاسل الإمداد أن 73% من الشركات واجهت مشاكل مع قاعدة مورديها المورد (من نقص في المكونات إلى تأخير في الشحن) استوجبت إجراء تغييرات.

في نفس المناسبة المذكورة قال حامد مقدم، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار العقاري برولوجيس الذي يستثمر في مرافق اللوجستيات،'سلسلة التوريد مثل السيارة. إذا كانت تتحرك لن توليها أي اهتمام . لكن حينما تتعطل ... يقينا أنت تعرف الفرق. لقد غيرت الجائحة كل شيء.'

تحولت إحدى المجموعات الصناعية الألمانية الكبرى التي فوجئت بالنقص في شبه الموصلات من ترتيبات شراءٍ غير ملزمة لثلاثة أشهر مع مورديها إلى التزامات شراء لفترة 24 شهرا وتتطلب الدفع مقدما لأثمان مشترياتها من الرقائق الإلكترونية.

يقول أحد كبار مسئولي المجموعة ' توجب علينا منح سلسلة التوريد مزيدا من الاستقرار. إنه تحول من سوق مشتري إلى سوق بائع.'

هذه المجموعة ليست وحدها. فشركتا صناعة السيارات فورد وجنرال موتورز تؤسسان شراكات بدلا عن الاقتصار على عقودات الموردين مع مصنِّعي شبه الموصلات لتعزيز حصولهم على الرقائق الإلكترونية.

وتتطلع منافستهم الألمانية فولكس واجن إلى تمديد تعاقداتها مع مورديها الرئيسيين. كما اندفعت مجموعات الطاقة الصينية لتوقيع عقودات لتزويدها بالغاز الطبيعي المسال تسرى لحوالي 20 عاما أو ما يزيد عن ضعف مدة التعاقد المعتادة.

ووجد مسح لاحق أجرته شركة مكنزي في عام 2021 أن 61% من الشركات زادت مخزوناتها من المنتجات البالغة الأهمية و55% منها عملت لضمان أن يتوافر لديها على الأقل مصدران للمواد الخام.

نتيجة لذلك تشهد تكاليف المستودعات ارتفاعا حادا في العديد من الأسواق مع تعزيز جهات التصنيع وتجارة التجزئة مستويات مخزوناتها.

وتراجعت معدلات الشواغر الصناعية في الولايات المتحدة (وهي مقياس للمساحات المتاحة للتخزين في المستودعات) إلى مستوى متدنٍّ تاريخيا بلغ 3.6% على المستوى الوطني في الربع الثالث من عام 2021، حسب شركة خدمات العقارات التجارية (سي بي آر إي). وفي منطقة 'انلاند آمباير' بكاليفورنيا وهي نقطة اختناق رئيسية بالقرب من موانئ لوس أنجلوس، لامست معدلات الشواغر نسبة 0.7%. وتتنبأ الوكالة العقارية كوشمان آند ويكفيلد باحتمال انعدام مساحات التخزين الشاغرة في بريطانيا خلال عام.

ومع تحول سلاسل التوريد إلى المزيد من التعقيد وتزايد اختلالاتها من جراء الكوارث الطبيعية، يقول أوسكار دي بوك الذي يدير أعمال سلسلة التوريد بشركة 'دي إتش إل' بوجوب إعادة النظر في فكرة 'التوريد عند الحاجة.' ويرى انتفاء إمكانية التخطيط على أساس التقليل من الإمدادات إلى الحد الضروري فقط كما في السابق.

سلاسل توريد محلية

التخلي عن شعار' الكفاءة فوق كل شيء آخر' يذهب إلى أبعد من المستودعات ودفاتر الطلبيات.

الشركات التي جمعت عملياتها الإنتاجية في موقع أو قلة من المواقع المنخفضة التكلفة تعرضت إلى صدمة قاسية في عام 2020 عندما وجدت نفسها بدون مكونات رئيسية أو حتى بضائع لبيعها بسبب الإغلاقات واختناقات الشحن البحري بعد تفشي الجائحة.

تعززت هذه الرسالة بموجة الصقيع المفاجئة في شهر فبراير بولاية تكساس الأمريكية والتي أغلقت معامل البتروكيماويات وأدت إلى شح في إمدادات 'الراتنج' الذي يشكل مكونا أساسيا في كل شيء من قصبات الشرب البلاستيكية إلى مكونات السيارات.

عززت الجائحة موقف مسؤولي الشركات الذين سبق لهم أن شرعوا في استكشاف إقامة شبكات إقليمية لأسباب أخرى (غير مشاكل سلاسل التوريد) مثل تجنب التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين أو الاستفادة من ميزة الحوافز الحكومية التي تهدف إلى تنشيط التصنيع المحلي.

وتتحدث الشركات متعددة الجنسية الآن عن فكرة 'سلاسل التوريد المحلي للشركات المحلية'. هذا يعود جزئيا إلى أن المشاكل اللوجستية قضت تدريجيا على ميزات شحن المنتجات من المصانع منخفضة التكلفة في الجهة الأخرى من العالم.

فالآن زادت فترة شحن حذاء منتج في الصين من شنغهاي إلى لوس أنجلوس إلى ما بين 28 – 52 يوما من 17 – 28 يوما قبل الجائحة. وارتفعت التكلفة الإجمالية للحذاء بحوالي 1.77 دولار، بحسب بحث أجرته شركة 'آليكس بارتنرز الاستشارية. هذه تكلفة إضافية سيصعب تحملها على الشركات الصغيرة العاملة في هذه الصناعة والتي تحقق هوامش ربحية ضئيلة.

يقول فولكر بلوم، المسؤول عن إدارة المواد والنقل وضمان التسليم بشركة بي إم دبليو الألمانية، 'المشكلة هي التقلُّب. إذا كان لديك تأخير 10 أيام يمكنك طلب مواد إضافية لمدة 10 أيام من سلسلة التوريد. لكن بعض الأشياء تصل في الوقت المطلوب وأشياء أخرى تتأخر 20 يوما. فأنظمتنا مصممة للتدفقات السلسة.'

شركات التصنيع وتجار التجزئة لكل شيء من السيارات إلى الأحذية إلى اللقاحات يعيدون اكتشاف ميزة أن يكون الموردون أكثر قربا من المستهلكين. وفي القطاعات ذات الأهمية اِلإستراتيجية مثل العناية الصحية يحصلون أيضا على الدعم الحكومي. هذا يجدد الاهتمام بالتصنيع في أمريكا الشمالية حيث أعلنت مؤخرا شركتا فورد وإس كيه إنوفيشن الكورية عن خطة لإنشاء مصنع إنتاج بطاريات الليثيوم-آيون في كنتاكي وأيضا في أوروبا القارِّية حيث وعدت شركة 'إنتل' بإنفاق 20 بليون دولار في تصنيع شبه الموصلات.

يقول سيمون فريكلي، الرئيس التنفيذي لشركة آليكس بارتنرز، ' لقد تأرجح البندول في الاتجاه المعاكس. لا أعتقد أنه سيعود مرة أخرى بشكل كامل.' حتى الصين لن تكون المركز الصناعي المنخفض التكلفة الذي كان في السابق. ' ويقول أيضا ' هذا يعني فعلا أن أماكن مثل تكساس وكنتاكي تصبح أكثر جاذبية لأنها تملك الميزة الإضافية المتمثلة في التوريد عند الحاجة والتوريد الاحتياطي.'

شركة الصيدلة الحيوية 'ريزيليانس' التي تتخذ مقرها في سان دييغو إحدى الشركات المستفيدة من هذا التوجُّه. فهي متخصصة في صناعة التقنية الرفيعة المحلية. حصلت الشركة على استثمار مباشر من الحكومة الكندية بقيمة 164 مليون دولار لمشروعها في أونتاريو. وفازت بعقود من موديرنا وشركات أخرى طورت لقاحات وأدوية لإنتاجها في أمريكا الشمالية. ولديها 4 مرافق إنتاجية عاملة وتخطط لتشييد 6 أخرى.

يقول راهول سينغفي، الشريك المؤسس لريزيليانس ورئيسها التنفيذي والذي عمل في السابق لمجموعة الأدوية اليابانية (تاكيدا)، ' القول بأن التكلفة تعتمد على الجغرافيا غير صحيح. كانت لدينا تقنيات التصنيع التي يمكننا استخدامها لخفض التكلفة حتى في اليابان. وكانت أرخص من بعض الأسواق الهندية والصينية.'

اقتسام المسئولية والمخاطر

سعت شركتا فولكس واجن وبي إم دبليو إلى محاولة التوحيد القياسي لمكوناتها عبر كل واحدة من موديلاتها وعلاماتها التجارية المختلفة بحيث يتوافر للموردين الحجم الكافي لتصنيعها اقليميا.

يقول آرنو أنتليتز، كبير المسئولين الماليين بشركة فولكس واجن، أن منصة تصميم سيارات البنزين والديزل بالشركة مرنة جدا بحيث إذا قل الحجم يمكننا جمع مختلف موديلات سيارات الاحتراق الداخلي في مصنع واحد وإعادة تصميم الأخرى. نحن نقلل بشدة من التعقيدات لأن علينا أن نفعل ذلك.'

وفي حين أن جزءا كبيرا من التركيز على التوريد المحلي وراءه مسائل لوجستية، يرى مسؤولو الشركات اتساقا لهذا الاتجاه أيضا مع جهودهم لمواجهة احترار الكوكب والاستفادة من السياسات الحكومية المتغيرة.

تقليل عدد المكوِّنات والمنتجات التي تشحن بحرا حول العالم طريقة سهلة لتحسين إجمالي انبعاثات الكربون التي تطلقها الشركة. كما تنقل بعض الشركات عملياتها التصنيعية إلى أماكن تتوافر فيها موارد الطاقة المتجددة وتوجد بها أسواق كبيرة لمنتجاتها مثل إقليم يونان في الصين حيث ساهمت الطاقة الكهرومائية في تحويله إلى مركز لإنتاج الألمنيوم.

في ذات الوقت، الحوافز المالية المتعلقة بالمكان الذي يقام فيه المصنع تتغير. فالحكومات تسارع لتعزيز التصنيع المحلي. ليس ذلك فقط، بل ميزات الإنتاج في البلدان المنخفضة الضرائب تتقلص.

الاتفاق العالمي غير المسبوق بشأن ضرائب الشركات والذي أبرم في أكتوبر يدعوها إلى سداد معدل ضريبة فعلي بنسبة 15% وإعلان أرباحها ودفع المزيد من الضرائب في البلدان التي تمارس فيها أعمالها.

تقول كيت بيرتون، المسئولة بشركة إيرنست آند يونغ، أن ذلك سيزيل الحوافز التي تدفع الشركات إلى تجنب تواجدها المادي في بلدان الضرائب المرتفعة والتي تكون لديها فيها كثير من المبيعات بحيث يمكنها نقل الإيرادات والأرباح إلى بلد آخر.

تذهب التحسينات التي تجرى لسلاسل التوريد إلى أبعد من مجرد نقلها المادي ( من بلد إلى آخر ). فشركات عديدة توظف التقنية للتعرف بسرعة على حالات التأخير في سلسلة التوريد. وزادت شركة بي إم دبليو من استخدام أجهزة التعقب الرقمي لتتبع مكوناتها عبر أوروبا والحصول على تنبيهات في الوقت الحقيقي في حال تأخر شاحنة.

يعني التكدس الحالي في الموانئ الرئيسية أن توقيتات النقل البحري أكثر تفاوتا. لذلك تعمل 'بي ام دبليو' مع شركتين ناشئتين تحاولان تطوير لوغريثمات تنبؤية. لكن المعلومات من الموردين المباشرين محدودة.

يقول بلوم، المسئول بشركة بي إم دبليو، ' إذا كانت لديك معلومات جيدة عن سلسلة التوريد ستحتاج إلى مخزونات أقل .' ويضيف 'أنت ستحتاج إلى حل للتوحيد القياسي للاتصالات من أجل تمكين المشاركين في سلسلة التوريد من فهمها بقدر أعمق.'

ذلك هو السبب في تكوين شركات السيارات الألمانية الرئيسية وأكبر مورديها ( بوش وسيمنز وشافلير) تحالف ( كاتينا- إكس) في الربيع الماضي لوضع معايير اقتسام المعلومات والبيانات فيما بينها وتيسير متابعتها لما يدور ليس فقط عند مورديها المباشرين ولكن أيضا عند مئات الآلاف من الشركات الصغيرة التي تعتمد عليها.

في ذات الوقت يستكشف تجار التجزئة والمصنعون الذين يعتمدون على منتدى السلع الاستهلاكية سبل تعاونهم لبناء المرونة، ربما بالاستثمار في منشآت احتياطية ستكون مطلوبة في الحالات الطارئة.

يمكن أن تشمل هذه المنشآت موانئ بديلة ومستودعات إضافية وشاحنات. وسيتطلب هذا في الغالب تصديقا من الجهات التنظيمية بسبب مخاوف تتعلق بالاحتكار. لكن توجد سوابق. فقد سمحت الحكومة البريطانية لأصحاب البقالات والموردين بالعمل معا لتحويل الإمدادات من المطاعم إلى متاجر السوبرماركت في الأيام الأولى للجائحة.