تعقيدات التحول من النفط والغاز إلى موارد الطاقة المتجددة
الجمعة / 19 / جمادى الأولى / 1443 هـ - 18:22 - الجمعة 24 ديسمبر 2021 18:22
دانييل يرجين- مجلة آتلانتك
ترجمة- قاسم مكي
لتقدير مدى التعقيدات التي تكتنف التعارض بين مطالب العمل على حماية المناخ واستمرار الحاجة إلى الطاقة دعونا نستعرض حكاية جائزة لم يرغب متلقيها في الحصول عليها ولم يحفَل باستلامها.
بدأت الحكاية عندما طلبت 'انوفيكس داونهول سوليوشن'، وهي شركة مقرها ولاية تكساس الأمريكية وتقدم خدمات فنية لصناعة النفط والغاز، من شركة 'نورث فيس' تزويدها بحوالي 400 رداء جاكيت (سترة) مع طباعة شعارها عليها. تصف نورث فيس نفسها بأنها شركة ' مستنيرة سياسيا' ولن تقتسم شعارها التجاري مع شركات تنشط في صناعات (مستهجنة) مثل التبغ وأمثالها.
في نظر نورث فيس تنتمي صناعة النفط والغاز إلي هذه الفئة من الأنشطة. وتزويد شركة تعمل في هذا المجال بشعار الشركة سيكون عملا مخالفا للقيم التي تؤمن بها. فمثل هذه المبيعات مناقض 'لأهدافها وتعهداتها حول الإستدامة وحماية المناخ 'والتي تشمل فيما تشمل خطة لإستخدام كميات متزايدة من المواد القابلة للتدوير والمتجددة في صناعة ملبوساتها في السنوات القادمة.'
لكن وكما اتضح، يعتمد نشاط 'فيس نورث' ليس فقط على الناس الذين يحبون ملبوساتها ولكن أيضا على النفط والغاز. فحوالى 90% على الأقل من المواد التي تستخدمها في ستراتها مصنوعة من بتروكيماويات مستخلصة من النفط والغاز الطبيعي.
إضافة إلى ذلك، العديد من ستراتها والمواد المستخدمة فيها تصنع في بلدان مثل الصين وفيتنام ثم تشحن إلى الولايات المتحدة في سفن تدار محركاتها بالنفط.
ولزيادة الطين بلة، قبل فترة ليست بالطويلة من رفض نورث فيس الطلب المذكور، شيّد مالكها حظيرة جديدة في مطار 'دينفر' لطائرات شركاتها التي تستخدم وقود المحركات النفاثة.
يسلط الضوء على هذا التناقض الواضح منحُ رابطةِ كولورادو للنفط والغاز شركة نورث فيس أول 'جائزة تقدير عميل' تقدمها.
تلك هي الجائزة التي امتنعت الشركة 'تأففا' عن قبولها.
يستنبط مختلف الناس نتائج مختلفة من هذه الحكاية.
فيما في الأثناء يشغل الإنتقال من الوقود الكربوني إلى الموارد المتجددة والهيدروجين والمعزز باحتجاز الكربون جزءا مركزيا من الإستجابة للتغير المناخي. اتضح ذلك في مؤتمر المناخ بجلاسجو في اسكتلندا والذي أكد على الحاجة إلى سرعة التحرك وعلى طموح أكبر لمواجهة التغير المناخي بدعمٍ من مبادرات كثيرة ومهمة بما في ذلك فكرة أسواق الكربون وتعهدات البلدان بتحييد الكربون (إنهاء كل الإنبعاثات الكربونية الإضافية ) بحلول عام 2050 أو بعد عقدين أو عقدين من ذلك التاريخ.
حكاية شركة نورث فيس، على أية حال، تذكير قاس لنا بأن الإنتقال من الوقود الأحفوري إلى الموارد المتجددة أكثر تعقيدا،وبقدر كبير، مما يمكن تصوره.
أزمة طاقة جديدة
وكأنما لتذكيرنا بهذه التعقيدات، ظهر أكثر الضيوف غير المُرحَّب بهم عند بابَ مؤتمر جلاسجو للتغير المناخي. تمثل هذا 'الضيف الثقيل' في أزمة الطاقة التي أحكمت قبضتها على أوروبا وآسيا.
أزمات الطاقة تقليديا تبدأ بالنفط. لكن الأزمة الأخيرة حرَّكتها أوضاع النقص في إمدادات الفحم الحجري والغاز الطبيعي. هذا الشح دفع بالأسعار إلى أعلى وأحدث خللا في إمدادات الكهرباء في الصين. وهذا ما قاد إلى ترشيد الكهرباء هناك وإغلاق المصانع مما أدى إلى المزيد من الاختلالات في سلاسل التوريد التي ترسل السلع إلى أمريكا.
في أوروبا فاقمت السرعات المتدنية لهبوب الرياح في بحر الشمال من سوء أوضاع نقص الطاقة والتي أحيانا قللت بشدة من كمية الكهرباء المنتجة من توربينات الرياح البحرية ببريطانيا وأوروبا الشمالية.
ارتفعت أسعار الغاز والفحم الحجري والكهرباء (بحوالي سبعة أضعاف في حالة الغاز الطبيعي المسال). وأوقفت المصانع الإنتاج لعدم قدرتها على مقابلة الإرتفاع الفجائي في تكاليف الطاقة. ومن بينها المصانع التي تنتج المخصبات في بريطانيا وأوروبا والمطلوبة للموسم الزراعي في الربيع القادم.
أعقبها النفط التي وصلت اسعاره إلى تخوم 80 دولارا للبرميل. ومع تقلص التفاوت بين العرض والطلب حذر البعض من احتمال تجاوز سعر النفط 100 دولار ا للبرميل. ووصلت أسعار وقود السيارات إلى مستويات في الولايات المتحدة أخافت الساسة الذين يعرفون أن مثل هذه الزيادات سيئة لمن هم في سدَّة الحكم. ذلك هو السبب إلى جانب اشتداد وتيرة التضخم في أن تطلب إدارة بايدن من السعودية وروسيا ضخ المزيد من النفط في السوق ولكن دون استجابة منهما.
ثم أعلنت الإدارة الأمريكية عشية عيد الشكر عن أكبر ضخ على الإطلاق للنفط من الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة بالتنسيق مع بلدان أخرى لخفض الأسعار.
هل صدمة الطاقة هذه تحدث لمرة واحدة فقط وناتجة عن اقتران ظروف فريدة؟ أم هي الأولى من بين عدة أزمات ستنشأ عن تعجُّل بلوغ أهداف مكافحة التغير المناخي لعام 2050 مع ما ينطوي عليه ذلك من وقف الاستثمار في المواد الهيدروكربونية قبل الأوان وبالتالي إطلاق صدمات في المستقبل؟
إذا كانت هذه الصدمة حادثة فريدة سيتخطاها العالم خلال شهور قليلة. لكن إذا تلاها المزيد من أوضاع الشح في موارد الطاقة قد تضطر الحكومات إلى إعادة التفكير في توقيت ومقاربة أهدافها الخاصة بالتغير المناخي.
قدمت الصدمة الحالية بالضبط مثالا واحدا لذلك. فعلى الرغم من دعوة بريطانيا إلى إنهاء استخدام الفحم الحجري إلا أنها اضطرت إلى إعادة تشغيل محطة تستخدم الفحم لتوليد الكهرباء سبق وقف العمل بها. فعلت ذلك للمساهمة في سد النقص في الإمداد الكهربائي.
جان بيساني – فيري، الاقتصادي الفرنسي والذي عمل لبعض الوقت مستشارا للرئيس إيمانويل ماكرون، من بين الأصوات البارزة التي تشير إلى العواقب التي يمكن أن تنتج عن محاولة التعجل في بلوغ أهداف مكافحة التغير المناخي.
في أغسطس وقبل بداية أزمة الطاقة الحالية، حذر الرجل من أن السرعة الزائدة عن الحد للانتقال من الوقود الأحفوري إلى الموارد المتجددة قد تفضي إلى صدمات اقتصادية كبرى شبيهة بأزمات النفط التي هزت اقتصاد العالم في أعوام السبعينات. كتب بيساني- فيري 'على واضعي السياسات الاستعداد لاتخاذ قرارات قاسية.'
انتقالٌ مختلف إلى الموارد الجديدة
مصطلح التحول إلى موارد الطاقة المتجددة يوحي نوعا ما بأن هذا الانتقال مثل انزلاق سلس من واقع إلى واقع آخر. لكنه في الحقيقة سيكون أكثر تعقيدا إلى حد بعيد. فعلى مدار التاريخ كان التحول من استخدام مورد للطاقة إلى مورد أخر عملية صعبة. وسيكون الانتقال الحالي أشد صعوبة من أي تحول سابق.
في كتابي ' الخارطة الجديدة' أرّخت أول تحول إلى مورد جديد للطاقة في يناير 1709 عندما توصل عامل معادن انجليزي اسمه آبراهام داربي إلى أن في إمكانه صنع حديد أفضل باستخدام الفحم الحجري بدلا عن الحطب لتوليد الحرارة. لكن ذلك الانتقال كان بالكاد سريعا.
يُعرف القرن التاسع عشر بأنه ' قرن الفحم الحجري'. لكن، وكما أشار عالم التقنية فاكلاف سميل، لم يتفوق الفحم على الحطب كمورد أول للطاقة في العالم إلا بعد بداية القرن العشرين.
إلى ذلك، عمليات الإنتقال إلى موارد جديدة للطاقة التي حدثت في الماضي كانت عبارة عن 'إضافة مورد جديد إلى مورد آخر'. فالنفط الذي اكتشف ( كمورد للطاقة) في عام 1859 لم يتفوق على الفحم الحجري كمصدر أول للطاقة في العالم حتى أعوام الستينات. لكن إلى وقتنا هذا يستخدم العالم ما يقرب من ثلاثة أضعاف الفحم الحجري الذي كان يستخدمه في الستينات.
التحول القادم يُقصد به أن يكون مختلفا تماما؟ فبدلا من أن يضيف مواردا جديدة لموارد الطاقة الموجودة أصلا يفترض به أن يكون انتقالا كاملا تقريبا من قاعدة الطاقة التى يرتكز عليها اقتصاد العالم بقيمته المقدرة بحوالى 86 تريليون دولار والذي يحصل على 80 من احتياجاته من الموارد الهيدروكربونية ( الوقود الأحفوري). والقصد أن يحل محله نظام طاقة لا يطلق انبعاثات إضافية ويحتجز الكربون لتشغيل اقتصاد بقيمة 185 تريليون دولار في عام 2050.
تحقيق ذلك في أقل من 30 عاما وإنجاز الكثير في الأعوام التسعة القادمة مهمة شاقة. وهنا تتضح تعقيدات التحول إلى الموارد المتجددة للطاقة.
فيما وراء ما يظهر للعيان، كثيرا ما لا يُفهم مدى اعتماد العالم على النفط والغاز. فالمسألة ليست فقط التحول من السيارات التي تدار بالوقود السائل إلى السيارات الكهربائية والتي، بالمناسبة، يشكل البلاستيك 20% من المواد المصنوعة منها. إنها تتعلق بالتحول عن كل الطرق التي نستخدم بها البلاستيك ومشتقات النفط والغاز الأخرى.
تستخدم المواد البلاستيكية في أبراج الرياح وألواح خلايا الطاقة الشمسية. والنفط ضروري لتزييت توربينات الرياح. كما أن غطاء هاتفك النقال مصنوع من البلاستيك. وكذلك إطار نظارتك إلى جانب العديد من الأدوات في حجرات الجراحة بالمشافي.
أيضا يُصنع كامل هيكل طائرات بوينج787 وأيرباص أيه 350 والطائرات النفاثة المقاتلة 'جوينت سترايك إف-5 ' من ألياف كربونية فائقة المتانة ومستخلصة من المواد البترولية. ومن المتوقع أن تتضاعف أعداد طائرات الركاب في العقدين القادمين ويستبعد أن تستخدم طاقة البطاريات الكهربائية لتشغيل محركاتها.
أيضا كانت المنتجات النفطية بالغة الأهمية في التعامل مع الجائحة من أردية الوقاية لأفراد الطوارئ الصحية وإلى الدهون التي هي جزء من لقاحات فايزر وموديرنا.
هل تشكو من صداع؟ ستجد أن دواء آسيتامينوفين (بما في ذلك العلامات التجارية مثل تايلينول وبنادول) مُنتج مستخلص من المواد البترولية. بكلمات أخرى منتجات النفط والغاز الطبيعي متغلغلة بعمق في كل جوانب الحياة الحديثة.
انقسام جديد بين الشمال والجنوب؟
هناك تعقيد آخر فيما وراء التحدي الفني دعونا نطلق عليه اسم ' الانقسام الجنوبي الشمالي'. ظهر الانقسام الأصلي كصراع اقتصادي في أعوام السبعينات بين البلدان المتقدمة في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية والبلدان النامية (المستعمرات السابقة) في الجزء الجنوبي منها.
كان ذلك هو العقد الذي شهد اقتحام منظمة أوبك للمشهد الدولي مع تموضع سعر النفط في قلب المعركة. خفَّت البغضاء التي نشأت عن ذلك الانقسام بمرور الوقت مع تقدم العولمة وظهور بلدان الاقتصادات الصاعدة وتزايد التكامل الاقتصادي.
وبدأ انقسام مختلف في التشكل اليوم حول منظورات مختلفة بشأن كيفية معالجة التغير المناخي. مرة أخرى وضع هذا الانقسام بلدان العالم المتقدم في مواجهة مع البلدان النامية. لكن تضاريس هذه المواجهة مختلفة.
بالنسبة للعالم المتقدم، وكما أثبتت قمة جلاسجو، المناخ موضوع لازم وطاغ في أهميته وكثيرا ما يوصف من قبل القادة السياسيين بأنه سؤال وجودي (قضية حياة أو موت- المترجم).
وفي حين تشعر البلدان النامية بقلق عميق أيضا إزاء مشكلة المناخ إلا أنها تواجه أسئلة وجودية أخرى أيضا. فبالإضافة إلى المناخ، تصارع هذه البلدان للتعافي من كوفيد-19 وخفض الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الصحة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
بالنسبة للهند المسألة تتعلق 'بتحولات الطاقة' بصيغة الجمع، والتي تعكس حقيقة أن دخل الفرد بها يساوي واحد على عشرة من دخل الفرد في الولايات المتحدة.
أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن أهداف طموحة جدا لتوليد الطاقة من الرياح وأشعة الشمس والهيدروجين وتحقيق هدف 'صافي صفر كربون' بحلول عام 2070. لكن الهند ذكرت في ذات الوقت أنها ستواصل استخدام المواد الهيدروكربونية لتحقيق أولوياتها الفورية. وكما أوردت الحكومة في تقرير رسمي ' الطاقة هي الركيزة الأساسية لعملية التنمية في كل بلد.'
وأخبرني دارميندرا برادان، الذي كان حتى وقت قريب وزير الموارد البترولية والغاز الطبيعي والآن وزير التعليم، أن 'الهند ستسعى إلى الإنتقال لموارد الطاقة المتجددة بطريقتها الخاصة.'
لذلك، فيما يدور الجدل في الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كان هنالك أي دور ملائم للغاز الطبيعي في برنامج الإتحاد الخاص بموارد الطاقة في المستقبل، تشيِّد الهند بنية تحتية للغاز الطبيعي بتكلفة 60 بليون دولار لتقليل اعتمادها على الفحم الحجري وبالتالي خفض التلوث الخانق لسكان مدنها وتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. كما تقوم بتوصيل غاز البروبين إلى القرويين حتى يكفوا عن استخدام حطب الوقود والمخلفات ومعاناة الأمراض التي تنجم عن ذلك والموت المبكر من تلوث الهواء داخل البيوت.
نقطة شبيهة أثارها يمي أوسينباجو، نائب رئيس وزراء نيجيريا عندما تحدثت إليه هذا العام. بدأ ذلك بقوله ' مصطلح الانتقال الى الموارد المتجددة للطاقة في حد ذاته مثير للفضول. نحن أحيانا نميل إلى التركيز على عنصر واحد لهذا الإنتقال. لكنه في الحقيقة متعدد الأبعاد.'
فنحن علينا، حسب المسئول النيجيري، ' أن نضع في اعتبارنا الحقائق المتنوعة لمختلف اقتصادات البلدان ونقبل بالطرق المتعددة للوصول إلى صافي صفر كربون.'
وأوسينباجو قلق على نحو خاص من 'حظر' البنوك الأوروبية ومؤسسات التمويل الدولية تمويل تطوير انتاج المواد الهايدروكربونية خصوصا الغاز على أساس مخاوف مناخية.
يقول 'إنهاء تطوير مشروعات الغاز يشكل تحديات كبيرة للبلدان الإفريقية في حين أن تأثيرها غير مهم على الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون'. ويضيف أن الغاز الطبيعي وسوائل الغاز الطبيعي تشرع في الحلول محل كميات كبيرة من مواقد فحم الحطب والكيروسين التي تستخدم على نطاق واسع لأغراض الطبخ وبالتالي في إنقاذ أرواح الملايين التي بدون ذلك يمكن أن تفقد سنويا بسبب تلوث الهواء المنزلي.
من جانبها، تطرح آيساتو صوفي غلاديما، وزيرة الطاقة السنغالية، هذه المسألة على نحو أكثر بلاغة حين تقول إنها 'مثل إزاحة السلَّم ومطالبتنا بأن نقفز أو نطير.'
إلى ذلك يعتمد عدد من البلدان النامية المنتجة للنفط على صادرات النفط والغاز لتمويل الموازنات الحكومية والإنفاق الاجتماعي. وليس واضحا ما الذي سيحل محل تلك الإيرادات.
في أكتوبر حذر أحد كبار مسئولي حكومة الولايات المتحدة الشركات الأمريكية من أنه سيتم اتخاذ إجراءات تنظيمية ضدها أو عقوبات محتملة أخرى إذا باشرت استثمارات جديدة في موارد النفط والغاز الإفريقية. لكن ليس هنالك بديل جاهز لنيجيريا التي يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة ويساوى دخل الفرد بها 'واحد على أثني عشر'من دخل الفرد في الولايات المتحدة وتعتمد على صادرات النفط والغاز في 70% من موازنتها الحكومية و40% من ناتجها المحلي الإجمالي.
يقول حكيم بيلو أوزاجي، وهو محاضر أول بمدرسة هارفارد للأعمال ومهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد في القارة الإفريقية، أن إفريقيا ' لم تتسبب في التغير المناخي ودورها في انبعاثات الكربون ضئيل جدا.'
ويضيف قائلا ' كوفيد-19 خرَّب موازنات العديد من البلدان الأفريقية ولا يمكن توقع خفض البلدان الإفريقية انتاجَها من الوقود الأحفوري لأهميته في تمويل إنفاق حكوماتها.'
هل سيقود الانقسام بين الجنوب والشمال إلى تشظي في السياسات الدولية؟ للحصول على مؤشر مبكر لذلك يجب النظر إلى ما سيحدث خلال العامين القادمين في التجارة الدولية.
لقد فَعَل نمو التجارة والفرص التي أتاحها للبلدان النامية الكثيرَ للتخفيف من حدة الإنقسام الأصلي. لكن مؤشرات التوترات الجديدة موجودة بالتأكيد. فأوروبا تتحرك لتأسيس 'آلية' هي في جوهرها ' رسم جمركي على الكربون' . ويتم وضعها بناءا على 'كثافة الكربون.' أي كمية الكربون المستهلك في صناعة المنتج.
تنظر اوروبا إلى هذه الرسوم الجمركية كوسيلة لضمان تبني سياساتها وقِيمها حول المناخ على الصعيد الدولي وفي ذات الوقت توفير الحماية للصناعات الأوروبية التي تواجه تكاليف أعلى بسبب تسعير الكربون.
سيبدأ الإتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على عدد محدود من السلع لكن من المتوقع أن يوسع القائمة.
كما تفكر إدارة بايدن أيضا في فرض رسوم كربون. لكن البلدان النامية تعتبر هذه التحركات تمييزية ومسعي من جانب أوروبا لفرض سياساتها عليها.
أسِّس مؤتمر باريس للمناخ في عام 2015 'ماهيّة َ' هدف حيادية الكربون. ونتجت عن مؤتمر جلاسجو خطوات كبيرة إلى الأمام حول ' كيفية' تحقيق ذلك الهدف.
لكن عندما يتعلق الأمر بالإنتقال إلى الموارد المتجددة نفسه، ربما لايزال لدينا الكثير لنتعلمه عن التعقيدات التي ستواجهنا في المستقبل.
• الكاتب نائب رئيس مجلس إدارة شركة آي إتش إس ماركت ومؤلف ' الخارطة الجديدة: الطاقة والمناخ وصدام الأمم' وكتب أخرى عديدة حول النفط
ترجمة- قاسم مكي
لتقدير مدى التعقيدات التي تكتنف التعارض بين مطالب العمل على حماية المناخ واستمرار الحاجة إلى الطاقة دعونا نستعرض حكاية جائزة لم يرغب متلقيها في الحصول عليها ولم يحفَل باستلامها.
بدأت الحكاية عندما طلبت 'انوفيكس داونهول سوليوشن'، وهي شركة مقرها ولاية تكساس الأمريكية وتقدم خدمات فنية لصناعة النفط والغاز، من شركة 'نورث فيس' تزويدها بحوالي 400 رداء جاكيت (سترة) مع طباعة شعارها عليها. تصف نورث فيس نفسها بأنها شركة ' مستنيرة سياسيا' ولن تقتسم شعارها التجاري مع شركات تنشط في صناعات (مستهجنة) مثل التبغ وأمثالها.
في نظر نورث فيس تنتمي صناعة النفط والغاز إلي هذه الفئة من الأنشطة. وتزويد شركة تعمل في هذا المجال بشعار الشركة سيكون عملا مخالفا للقيم التي تؤمن بها. فمثل هذه المبيعات مناقض 'لأهدافها وتعهداتها حول الإستدامة وحماية المناخ 'والتي تشمل فيما تشمل خطة لإستخدام كميات متزايدة من المواد القابلة للتدوير والمتجددة في صناعة ملبوساتها في السنوات القادمة.'
لكن وكما اتضح، يعتمد نشاط 'فيس نورث' ليس فقط على الناس الذين يحبون ملبوساتها ولكن أيضا على النفط والغاز. فحوالى 90% على الأقل من المواد التي تستخدمها في ستراتها مصنوعة من بتروكيماويات مستخلصة من النفط والغاز الطبيعي.
إضافة إلى ذلك، العديد من ستراتها والمواد المستخدمة فيها تصنع في بلدان مثل الصين وفيتنام ثم تشحن إلى الولايات المتحدة في سفن تدار محركاتها بالنفط.
ولزيادة الطين بلة، قبل فترة ليست بالطويلة من رفض نورث فيس الطلب المذكور، شيّد مالكها حظيرة جديدة في مطار 'دينفر' لطائرات شركاتها التي تستخدم وقود المحركات النفاثة.
يسلط الضوء على هذا التناقض الواضح منحُ رابطةِ كولورادو للنفط والغاز شركة نورث فيس أول 'جائزة تقدير عميل' تقدمها.
تلك هي الجائزة التي امتنعت الشركة 'تأففا' عن قبولها.
يستنبط مختلف الناس نتائج مختلفة من هذه الحكاية.
فيما في الأثناء يشغل الإنتقال من الوقود الكربوني إلى الموارد المتجددة والهيدروجين والمعزز باحتجاز الكربون جزءا مركزيا من الإستجابة للتغير المناخي. اتضح ذلك في مؤتمر المناخ بجلاسجو في اسكتلندا والذي أكد على الحاجة إلى سرعة التحرك وعلى طموح أكبر لمواجهة التغير المناخي بدعمٍ من مبادرات كثيرة ومهمة بما في ذلك فكرة أسواق الكربون وتعهدات البلدان بتحييد الكربون (إنهاء كل الإنبعاثات الكربونية الإضافية ) بحلول عام 2050 أو بعد عقدين أو عقدين من ذلك التاريخ.
حكاية شركة نورث فيس، على أية حال، تذكير قاس لنا بأن الإنتقال من الوقود الأحفوري إلى الموارد المتجددة أكثر تعقيدا،وبقدر كبير، مما يمكن تصوره.
أزمة طاقة جديدة
وكأنما لتذكيرنا بهذه التعقيدات، ظهر أكثر الضيوف غير المُرحَّب بهم عند بابَ مؤتمر جلاسجو للتغير المناخي. تمثل هذا 'الضيف الثقيل' في أزمة الطاقة التي أحكمت قبضتها على أوروبا وآسيا.
أزمات الطاقة تقليديا تبدأ بالنفط. لكن الأزمة الأخيرة حرَّكتها أوضاع النقص في إمدادات الفحم الحجري والغاز الطبيعي. هذا الشح دفع بالأسعار إلى أعلى وأحدث خللا في إمدادات الكهرباء في الصين. وهذا ما قاد إلى ترشيد الكهرباء هناك وإغلاق المصانع مما أدى إلى المزيد من الاختلالات في سلاسل التوريد التي ترسل السلع إلى أمريكا.
في أوروبا فاقمت السرعات المتدنية لهبوب الرياح في بحر الشمال من سوء أوضاع نقص الطاقة والتي أحيانا قللت بشدة من كمية الكهرباء المنتجة من توربينات الرياح البحرية ببريطانيا وأوروبا الشمالية.
ارتفعت أسعار الغاز والفحم الحجري والكهرباء (بحوالي سبعة أضعاف في حالة الغاز الطبيعي المسال). وأوقفت المصانع الإنتاج لعدم قدرتها على مقابلة الإرتفاع الفجائي في تكاليف الطاقة. ومن بينها المصانع التي تنتج المخصبات في بريطانيا وأوروبا والمطلوبة للموسم الزراعي في الربيع القادم.
أعقبها النفط التي وصلت اسعاره إلى تخوم 80 دولارا للبرميل. ومع تقلص التفاوت بين العرض والطلب حذر البعض من احتمال تجاوز سعر النفط 100 دولار ا للبرميل. ووصلت أسعار وقود السيارات إلى مستويات في الولايات المتحدة أخافت الساسة الذين يعرفون أن مثل هذه الزيادات سيئة لمن هم في سدَّة الحكم. ذلك هو السبب إلى جانب اشتداد وتيرة التضخم في أن تطلب إدارة بايدن من السعودية وروسيا ضخ المزيد من النفط في السوق ولكن دون استجابة منهما.
ثم أعلنت الإدارة الأمريكية عشية عيد الشكر عن أكبر ضخ على الإطلاق للنفط من الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة بالتنسيق مع بلدان أخرى لخفض الأسعار.
هل صدمة الطاقة هذه تحدث لمرة واحدة فقط وناتجة عن اقتران ظروف فريدة؟ أم هي الأولى من بين عدة أزمات ستنشأ عن تعجُّل بلوغ أهداف مكافحة التغير المناخي لعام 2050 مع ما ينطوي عليه ذلك من وقف الاستثمار في المواد الهيدروكربونية قبل الأوان وبالتالي إطلاق صدمات في المستقبل؟
إذا كانت هذه الصدمة حادثة فريدة سيتخطاها العالم خلال شهور قليلة. لكن إذا تلاها المزيد من أوضاع الشح في موارد الطاقة قد تضطر الحكومات إلى إعادة التفكير في توقيت ومقاربة أهدافها الخاصة بالتغير المناخي.
قدمت الصدمة الحالية بالضبط مثالا واحدا لذلك. فعلى الرغم من دعوة بريطانيا إلى إنهاء استخدام الفحم الحجري إلا أنها اضطرت إلى إعادة تشغيل محطة تستخدم الفحم لتوليد الكهرباء سبق وقف العمل بها. فعلت ذلك للمساهمة في سد النقص في الإمداد الكهربائي.
جان بيساني – فيري، الاقتصادي الفرنسي والذي عمل لبعض الوقت مستشارا للرئيس إيمانويل ماكرون، من بين الأصوات البارزة التي تشير إلى العواقب التي يمكن أن تنتج عن محاولة التعجل في بلوغ أهداف مكافحة التغير المناخي.
في أغسطس وقبل بداية أزمة الطاقة الحالية، حذر الرجل من أن السرعة الزائدة عن الحد للانتقال من الوقود الأحفوري إلى الموارد المتجددة قد تفضي إلى صدمات اقتصادية كبرى شبيهة بأزمات النفط التي هزت اقتصاد العالم في أعوام السبعينات. كتب بيساني- فيري 'على واضعي السياسات الاستعداد لاتخاذ قرارات قاسية.'
انتقالٌ مختلف إلى الموارد الجديدة
مصطلح التحول إلى موارد الطاقة المتجددة يوحي نوعا ما بأن هذا الانتقال مثل انزلاق سلس من واقع إلى واقع آخر. لكنه في الحقيقة سيكون أكثر تعقيدا إلى حد بعيد. فعلى مدار التاريخ كان التحول من استخدام مورد للطاقة إلى مورد أخر عملية صعبة. وسيكون الانتقال الحالي أشد صعوبة من أي تحول سابق.
في كتابي ' الخارطة الجديدة' أرّخت أول تحول إلى مورد جديد للطاقة في يناير 1709 عندما توصل عامل معادن انجليزي اسمه آبراهام داربي إلى أن في إمكانه صنع حديد أفضل باستخدام الفحم الحجري بدلا عن الحطب لتوليد الحرارة. لكن ذلك الانتقال كان بالكاد سريعا.
يُعرف القرن التاسع عشر بأنه ' قرن الفحم الحجري'. لكن، وكما أشار عالم التقنية فاكلاف سميل، لم يتفوق الفحم على الحطب كمورد أول للطاقة في العالم إلا بعد بداية القرن العشرين.
إلى ذلك، عمليات الإنتقال إلى موارد جديدة للطاقة التي حدثت في الماضي كانت عبارة عن 'إضافة مورد جديد إلى مورد آخر'. فالنفط الذي اكتشف ( كمورد للطاقة) في عام 1859 لم يتفوق على الفحم الحجري كمصدر أول للطاقة في العالم حتى أعوام الستينات. لكن إلى وقتنا هذا يستخدم العالم ما يقرب من ثلاثة أضعاف الفحم الحجري الذي كان يستخدمه في الستينات.
التحول القادم يُقصد به أن يكون مختلفا تماما؟ فبدلا من أن يضيف مواردا جديدة لموارد الطاقة الموجودة أصلا يفترض به أن يكون انتقالا كاملا تقريبا من قاعدة الطاقة التى يرتكز عليها اقتصاد العالم بقيمته المقدرة بحوالى 86 تريليون دولار والذي يحصل على 80 من احتياجاته من الموارد الهيدروكربونية ( الوقود الأحفوري). والقصد أن يحل محله نظام طاقة لا يطلق انبعاثات إضافية ويحتجز الكربون لتشغيل اقتصاد بقيمة 185 تريليون دولار في عام 2050.
تحقيق ذلك في أقل من 30 عاما وإنجاز الكثير في الأعوام التسعة القادمة مهمة شاقة. وهنا تتضح تعقيدات التحول إلى الموارد المتجددة للطاقة.
فيما وراء ما يظهر للعيان، كثيرا ما لا يُفهم مدى اعتماد العالم على النفط والغاز. فالمسألة ليست فقط التحول من السيارات التي تدار بالوقود السائل إلى السيارات الكهربائية والتي، بالمناسبة، يشكل البلاستيك 20% من المواد المصنوعة منها. إنها تتعلق بالتحول عن كل الطرق التي نستخدم بها البلاستيك ومشتقات النفط والغاز الأخرى.
تستخدم المواد البلاستيكية في أبراج الرياح وألواح خلايا الطاقة الشمسية. والنفط ضروري لتزييت توربينات الرياح. كما أن غطاء هاتفك النقال مصنوع من البلاستيك. وكذلك إطار نظارتك إلى جانب العديد من الأدوات في حجرات الجراحة بالمشافي.
أيضا يُصنع كامل هيكل طائرات بوينج787 وأيرباص أيه 350 والطائرات النفاثة المقاتلة 'جوينت سترايك إف-5 ' من ألياف كربونية فائقة المتانة ومستخلصة من المواد البترولية. ومن المتوقع أن تتضاعف أعداد طائرات الركاب في العقدين القادمين ويستبعد أن تستخدم طاقة البطاريات الكهربائية لتشغيل محركاتها.
أيضا كانت المنتجات النفطية بالغة الأهمية في التعامل مع الجائحة من أردية الوقاية لأفراد الطوارئ الصحية وإلى الدهون التي هي جزء من لقاحات فايزر وموديرنا.
هل تشكو من صداع؟ ستجد أن دواء آسيتامينوفين (بما في ذلك العلامات التجارية مثل تايلينول وبنادول) مُنتج مستخلص من المواد البترولية. بكلمات أخرى منتجات النفط والغاز الطبيعي متغلغلة بعمق في كل جوانب الحياة الحديثة.
انقسام جديد بين الشمال والجنوب؟
هناك تعقيد آخر فيما وراء التحدي الفني دعونا نطلق عليه اسم ' الانقسام الجنوبي الشمالي'. ظهر الانقسام الأصلي كصراع اقتصادي في أعوام السبعينات بين البلدان المتقدمة في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية والبلدان النامية (المستعمرات السابقة) في الجزء الجنوبي منها.
كان ذلك هو العقد الذي شهد اقتحام منظمة أوبك للمشهد الدولي مع تموضع سعر النفط في قلب المعركة. خفَّت البغضاء التي نشأت عن ذلك الانقسام بمرور الوقت مع تقدم العولمة وظهور بلدان الاقتصادات الصاعدة وتزايد التكامل الاقتصادي.
وبدأ انقسام مختلف في التشكل اليوم حول منظورات مختلفة بشأن كيفية معالجة التغير المناخي. مرة أخرى وضع هذا الانقسام بلدان العالم المتقدم في مواجهة مع البلدان النامية. لكن تضاريس هذه المواجهة مختلفة.
بالنسبة للعالم المتقدم، وكما أثبتت قمة جلاسجو، المناخ موضوع لازم وطاغ في أهميته وكثيرا ما يوصف من قبل القادة السياسيين بأنه سؤال وجودي (قضية حياة أو موت- المترجم).
وفي حين تشعر البلدان النامية بقلق عميق أيضا إزاء مشكلة المناخ إلا أنها تواجه أسئلة وجودية أخرى أيضا. فبالإضافة إلى المناخ، تصارع هذه البلدان للتعافي من كوفيد-19 وخفض الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الصحة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
بالنسبة للهند المسألة تتعلق 'بتحولات الطاقة' بصيغة الجمع، والتي تعكس حقيقة أن دخل الفرد بها يساوي واحد على عشرة من دخل الفرد في الولايات المتحدة.
أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن أهداف طموحة جدا لتوليد الطاقة من الرياح وأشعة الشمس والهيدروجين وتحقيق هدف 'صافي صفر كربون' بحلول عام 2070. لكن الهند ذكرت في ذات الوقت أنها ستواصل استخدام المواد الهيدروكربونية لتحقيق أولوياتها الفورية. وكما أوردت الحكومة في تقرير رسمي ' الطاقة هي الركيزة الأساسية لعملية التنمية في كل بلد.'
وأخبرني دارميندرا برادان، الذي كان حتى وقت قريب وزير الموارد البترولية والغاز الطبيعي والآن وزير التعليم، أن 'الهند ستسعى إلى الإنتقال لموارد الطاقة المتجددة بطريقتها الخاصة.'
لذلك، فيما يدور الجدل في الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كان هنالك أي دور ملائم للغاز الطبيعي في برنامج الإتحاد الخاص بموارد الطاقة في المستقبل، تشيِّد الهند بنية تحتية للغاز الطبيعي بتكلفة 60 بليون دولار لتقليل اعتمادها على الفحم الحجري وبالتالي خفض التلوث الخانق لسكان مدنها وتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. كما تقوم بتوصيل غاز البروبين إلى القرويين حتى يكفوا عن استخدام حطب الوقود والمخلفات ومعاناة الأمراض التي تنجم عن ذلك والموت المبكر من تلوث الهواء داخل البيوت.
نقطة شبيهة أثارها يمي أوسينباجو، نائب رئيس وزراء نيجيريا عندما تحدثت إليه هذا العام. بدأ ذلك بقوله ' مصطلح الانتقال الى الموارد المتجددة للطاقة في حد ذاته مثير للفضول. نحن أحيانا نميل إلى التركيز على عنصر واحد لهذا الإنتقال. لكنه في الحقيقة متعدد الأبعاد.'
فنحن علينا، حسب المسئول النيجيري، ' أن نضع في اعتبارنا الحقائق المتنوعة لمختلف اقتصادات البلدان ونقبل بالطرق المتعددة للوصول إلى صافي صفر كربون.'
وأوسينباجو قلق على نحو خاص من 'حظر' البنوك الأوروبية ومؤسسات التمويل الدولية تمويل تطوير انتاج المواد الهايدروكربونية خصوصا الغاز على أساس مخاوف مناخية.
يقول 'إنهاء تطوير مشروعات الغاز يشكل تحديات كبيرة للبلدان الإفريقية في حين أن تأثيرها غير مهم على الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون'. ويضيف أن الغاز الطبيعي وسوائل الغاز الطبيعي تشرع في الحلول محل كميات كبيرة من مواقد فحم الحطب والكيروسين التي تستخدم على نطاق واسع لأغراض الطبخ وبالتالي في إنقاذ أرواح الملايين التي بدون ذلك يمكن أن تفقد سنويا بسبب تلوث الهواء المنزلي.
من جانبها، تطرح آيساتو صوفي غلاديما، وزيرة الطاقة السنغالية، هذه المسألة على نحو أكثر بلاغة حين تقول إنها 'مثل إزاحة السلَّم ومطالبتنا بأن نقفز أو نطير.'
إلى ذلك يعتمد عدد من البلدان النامية المنتجة للنفط على صادرات النفط والغاز لتمويل الموازنات الحكومية والإنفاق الاجتماعي. وليس واضحا ما الذي سيحل محل تلك الإيرادات.
في أكتوبر حذر أحد كبار مسئولي حكومة الولايات المتحدة الشركات الأمريكية من أنه سيتم اتخاذ إجراءات تنظيمية ضدها أو عقوبات محتملة أخرى إذا باشرت استثمارات جديدة في موارد النفط والغاز الإفريقية. لكن ليس هنالك بديل جاهز لنيجيريا التي يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمة ويساوى دخل الفرد بها 'واحد على أثني عشر'من دخل الفرد في الولايات المتحدة وتعتمد على صادرات النفط والغاز في 70% من موازنتها الحكومية و40% من ناتجها المحلي الإجمالي.
يقول حكيم بيلو أوزاجي، وهو محاضر أول بمدرسة هارفارد للأعمال ومهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد في القارة الإفريقية، أن إفريقيا ' لم تتسبب في التغير المناخي ودورها في انبعاثات الكربون ضئيل جدا.'
ويضيف قائلا ' كوفيد-19 خرَّب موازنات العديد من البلدان الأفريقية ولا يمكن توقع خفض البلدان الإفريقية انتاجَها من الوقود الأحفوري لأهميته في تمويل إنفاق حكوماتها.'
هل سيقود الانقسام بين الجنوب والشمال إلى تشظي في السياسات الدولية؟ للحصول على مؤشر مبكر لذلك يجب النظر إلى ما سيحدث خلال العامين القادمين في التجارة الدولية.
لقد فَعَل نمو التجارة والفرص التي أتاحها للبلدان النامية الكثيرَ للتخفيف من حدة الإنقسام الأصلي. لكن مؤشرات التوترات الجديدة موجودة بالتأكيد. فأوروبا تتحرك لتأسيس 'آلية' هي في جوهرها ' رسم جمركي على الكربون' . ويتم وضعها بناءا على 'كثافة الكربون.' أي كمية الكربون المستهلك في صناعة المنتج.
تنظر اوروبا إلى هذه الرسوم الجمركية كوسيلة لضمان تبني سياساتها وقِيمها حول المناخ على الصعيد الدولي وفي ذات الوقت توفير الحماية للصناعات الأوروبية التي تواجه تكاليف أعلى بسبب تسعير الكربون.
سيبدأ الإتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على عدد محدود من السلع لكن من المتوقع أن يوسع القائمة.
كما تفكر إدارة بايدن أيضا في فرض رسوم كربون. لكن البلدان النامية تعتبر هذه التحركات تمييزية ومسعي من جانب أوروبا لفرض سياساتها عليها.
أسِّس مؤتمر باريس للمناخ في عام 2015 'ماهيّة َ' هدف حيادية الكربون. ونتجت عن مؤتمر جلاسجو خطوات كبيرة إلى الأمام حول ' كيفية' تحقيق ذلك الهدف.
لكن عندما يتعلق الأمر بالإنتقال إلى الموارد المتجددة نفسه، ربما لايزال لدينا الكثير لنتعلمه عن التعقيدات التي ستواجهنا في المستقبل.
• الكاتب نائب رئيس مجلس إدارة شركة آي إتش إس ماركت ومؤلف ' الخارطة الجديدة: الطاقة والمناخ وصدام الأمم' وكتب أخرى عديدة حول النفط