أفكار وآراء

عن الجانب الآخر من السياج.. الذي يبدو أكثر اخضرارا

إن من محامد تأثرنا بجوانب من الثقافات الأجنبية الاستفادة التي يمكن أن تتحقق من الأمثلة والمفاهيم التي تولد في تلك الثقافات. إن ذلك ليس بشيء خارج عن المألوف؛ حيث غالبا ما نتداول الأمثال والحكم العالمية بل وننسبها في كثير من الأحيان إلى أصولها الثقافية. ولأن هذا المقال يهدف إلى مناقشة مفهوم المقارنات بين الدول وخصوصا عبر ممارسات ووسائل التواصل والإعلام، فإنه سيكون من المفيد استحضار المثل الأجنبي الذي يقول بأن 'العشب دائما ما يبدو أكثر اخضرارا في الجانب الآخر من السياج'. توثق بعض المصادر اللغوية بدايات ظهور هذا المثل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة منذ القرن التاسع عشر عبر مقتطفات من مقابلات صحفية؛ حيث نشرت مقابلة في صحيفة ذا بابليك بريس الصادرة في ولاية بينسيلفانيا الأمريكية في العام 1897 ورد فيها بأن 'مناجم الذهب في منطقة كلوندايك رائعة في الواقع، ولكنها لا تظهر بتلك الروعة عندما نتحدث عنها، وكما تعلمون فإن العشب يبدو أكثر اخضرارا في الأمكنة البعيدة'. بينما أوردت صحيفة ذا كانساس فارمر في العام 1917 المثل في السياق الآتي: 'إن بعض الناس لا يرضون إطلاقا عن كل شيء. العشب دائما ما يبدو أكثر اخضرارا في الجانب الآخر من السياج'.

يميل الناس بطبيعتهم عموما إلى اللجوء للمقارنات من أجل تحقيق فهم أفضل لواقعهم؛ حيث تتكون عبر المقارنات صورة أوضح لطبيعة ما يوجد أو يحدث حولهم إذا ما وضع إلى جانب ما يشابهه في بيئات أخرى. وربما تأتي المقارنات في سياق تطلع الناس حسب الطبيعة البشرية إلى الحصول على الأفضل، وربما في قليل من الأحيان رغبة في الشعور بالتقدير والامتنان تجاه ما يمتلكونه - في حال كانت المقارنة مع جهة - شخصا أو مؤسسة أو دولة - أقل حظا. ومواكبة للمستويات المتزايدة من المشاركة والتفاعل والمحتوى المتداول عبر وسائل التواصل والإعلام، فقد تزايدت - كنتيجة طبيعية - وتيرة المقارنة بين واقع المجتمعات وما يدور في المجتمعات الأخرى من حولها. وإضافة إلى ما ورد أعلاه من دوافع أساسها الطبيعة البشرية للمجتمعات في لجوئها إلى المقارنات؛ فإنه يمكن القول بأن وسائل التواصل والإعلام قد أتاحت للمجتمعات إجراء المقارنات ونشرها وتداولها إما لغرض المقارنة بشكل بحت، أو بغرض تشكيل الضغط الإيجابي على المؤسسات للسعي نحو تقديم الأفضل، أو في بعض الأحيان كنوع من التعبير عن التذمر من الواقع الذي قد يراه البعض دون مستويات الرضا - سواء تم اعتبار ذلك جانبا من النقد ضمن حق المجتمع في حرية التعبير أو امتدادا للنبرة السلبية التي قد تشيع بين مستخدمي منصات التواصل.

إن من الفوائد التي يمكن أن تتحقق عبر انتشار وتداول المقارنات تسريع وتيرة عمل المؤسسات نتيجة الضغط الإيجابي الذي يمارسه المجتمع تجاهها، بالإضافة إلى تعزيز معرفة المؤسسات عموما بما يدور فعليا في الجانب الآخر من السياج وخصوصا في خضم التسابق المحموم بين الدول لرفع تنافسيتها الاقتصادية، وتعزيز هوياتها، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وغيرها من ميادين التسابق. إلا أن من المهم أن تتم المقارنات بما يستوفي بعض الأسس العلمية من أجل تحقيق الاستفادة منها؛ ولعل من أبرز تلك الأسس المبادئ الاقتصادية التي يمكن تطبيقها على الأمثلة المتعلقة بأحجام المشروعات التنموية في بلدان مختلفة؛ حيث ينص مفهوم 'اقتصاديات الحجم' Economies of Scale الذي وضعه الفيلسوف والاقتصادي آدم سميث على أن تكاليف أي مشروع أو منتج تتقلص مع وجود الأعداد الكافية من المستهدفين من ذلك المشروع أو المنتج. ويمكن تبسيط هذا المفهوم عبر جدوى الكلفة التي يمكن تنفق على مشروعات ضخمة في مجتمعات ذات تعداد سكاني عال مقارنة بمجتمعات لا يتجاوز تعدادها بضعة ملايين. وقد يمثل امتدادا لذلك المفهوم الفيزيائي - الذي تحول لاحقا إلى مفهوم اقتصادي كذلك - والمسمى 'الكتلة الحرجة' Critical Mass والذي ينص في أصله على ضرورة وجود كم معين من عنصر قابل للانشطار النووي من أجل بدء عملية مستمرة للانشطار النووي Nuclear Chain Reaction. وينص هذا المبدأ في السياق الاقتصادي - وسياق المقارنات كذلك - على أهمية وجود حد أدنى من عدد المستهدفين - أو التعداد - من أجل أن يحقق مشروع ما عائدات تضمن استدامته، وهو ما قد تتمتع به مجتمعات ما ولا يتوفر بالضرورة في مجتمعات أخرى.

ورغم الأسس والمبادئ العلمية التي ينبغي أن لا نفترض وجودها لدى عموم المجتمع، فإن ما ينبغي أن يوضع في اعتبار المعنيين الكيفية التي يبني بها المجتمع تصوراته عن المجتمعات الأخرى ما ينتج عنها وجود المقارنات التي قد تزعج أحيانا بعض المعنيين. حيث أن قوة الدعاية والترويج التي تتبناها المجتمعات الأخرى لما يتم تخطيطه أو تنفيذه تصل في معظم الأحيان لحد معين بحيث يفيض ما تستهدف به المؤسسات جمهورها الداخلي ليغطي الجماهير خارج إطارها الجغرافي بسبب مدى انتشار تغطية الوسائل الإعلامية التي تمتلكها تلك المجتمعات، والرسائل المصاغة بعناية فائقة، والمحتوى المخرج بطريقة تستميل الجماهير عموما، وطبيعة حضور تلك المجتمعات رسميا وشعبيا عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء كان ذلك الانتشار خارج النطاق الجغرافي ناتج عن تخطيط مسبق أم لا. لذا فإن من المهم أن تتم مواجهة ذلك المد بالنشاط الترويجي والإعلامي الذي يضمن وضوح الصورة ويدعم نجاح الرؤى والخطط والمبادرات والمشروعات.

إن ما قد يلمسه المتابع توجه بعض المؤسسات والقائمين عليها في الاستفادة من بعض التجارب من الجانب الآخر من السياج عبر استنساخ بعض الممارسات وخصوصا في مبادرات الترويج والتواصل والهوية. لكن من المهم التنبه إلى أن ما لا يضمن تحقق نجاح التجربة فعليا عدم تمكين ذلك سواء ماديا أو من حيث ثقافة العمل المترسخة أو هيمنة بعض السمات السائدة محليا كعدم تفضيل الظهور المبالغ فيه ونكران الذات أو حتى التخوف مما قد يتولد من تبعات القيام بذلك،. وربما يجدر الاستشهاد ختاما بمقولة بيتر دراكر - أحد مؤسسي علم الإدارة الحديث - بأن 'الثقافة تلتهم الاستراتيجية كوجبة إفطار'.

* مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية