كيف نجعل الانتخابات الليبية المقبلة جديرة بالاعتبار
السبت / 13 / جمادى الأولى / 1443 هـ - 21:49 - السبت 18 ديسمبر 2021 21:49
بلعباس بنكريددا -
في الرابع والعشرين من ديسمبر، من المقرر أن يتوجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي استغرق الإعداد لها سنوات. يأتي التصويت بعد عقود من الدكتاتورية، والحرب الأهلية، وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، فترة من عدم اليقين المثير للسخط. ولكن لكي تُـقـبَـل النتائج على نطاق واسع، يجب أن يكون الناخبون قادرين على اتخاذ قرار مستنير عند صناديق الاقتراع.
من المؤسف أن هذا قد لا يحدث. الواقع أن جدول الانتخابات الزمني المضغوط لا يقدم لليبيين سوى القليل من الوقت للتعرف على أكثر من سبعين مرشحا. تقرر تقليص فترة الحملة الانتخابية إلى أسبوعين، نظرا لوجود قوات أجنبية في البلاد والخوف من تجدد الصراع. علاوة على ذلك، تعمل البيئة الإعلامية المنقسمة في ليبيا على الحد من توافر المعلومات الدقيقة حول المرشحين. وفي غياب أي فرصة لإدارة مناظرات عامة قوية، ستعكس نتائج الانتخابات الانقسامات الغالبة على البلاد ــ وقد تؤدي إلى تفاقمها. على الرغم من رغبة أغلب الليبيين الواضحة في السلام والاستقرار، فقد تُـفـضي الانتخابات إلى مزيد من العنف. في أعقاب نهاية الحرب الأهلية الليبية الثانية في أكتوبر 2020، أسفرت عملية السلام التي تمت بوساطة من الأمم المتحدة عن تشكيل ثامن حكومة انتقالية في البلاد منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011. كان أحد الأهداف الأساسية لهذه الحكومة تنظيم أول تصويت شعبي على الإطلاق في ليبيا لانتخاب رئيس. لدعم هذه العملية، أمضيت أنا وزملائي القسم الأعظم من العام الفائت في التخطيط للمناظرات الرئاسية الافتتاحية هناك. عملنا لعدة أشهر لإقناع القادة من مختلف أنحاء العالم بأن هذه الانتخابات لن تنجح إلا إذا تمكن الناخبون من المقارنة بين المرشحين وأفكارهم ورؤاهم. لقد أنفق المجتمع الدولي ملايين الدولارات على مدى سنوات عديدة في محاولات فاشلة لتعزيز تحول ليبيا إلى دولة أكثر استقرارا وديمقراطية. كان دعم مثل هذه المناظرات ليشكل نقطة انطلاق للمجتمع الدولي لتهيئة الظروف لديمقراطية دائمة في ليبيا. على أية حال، لا تجلب الانتخابات في حد ذاتها الديمقراطية بطريقة سحرية. بل يتطلب الأمر بذل جهود هائلة لدعم الصحافة المستقلة المتضائلة في ليبيا، وتنظيم مجالها العامر بخطاب الكراهية، وتمكين المجتمع المدني في ليبيا في الدعوة إلى إجراء المحادثات البَـنّـاءة التي تحتاج إليها ليبيا بشدة. لكن جهودنا لم تجتذب سوى قدر ضئيل من الاهتمام. يجب أن تتبدل هذه الحال. لقد تحرر الليبيون من وهم السياسة التي أصبحت مرتبطة على نطاق واسع بالفساد. وبعد عقود من الفوضى السياسية والانتخابات المؤجلة، أصبحوا يشكون في أن الانتخابات المقبلة قد تغير أي شيء. في عام 2014، شارَكَ أقل من خُـمس الناخبين المؤهلين في الانتخابات البرلمانية، وانزلقت ليبيا إلى الحرب الأهلية بعد فترة وجيزة. والآن يخشى كثيرون أن تؤدي الانتخابات الرئاسية إلى ذات النتيجة.
الحق أن هذا القلق مبرر. ففي غياب أي مساحة للمناقشة بين القوى المتنافسة، خضع المرشحون لأعلى منصب في ليبيا إلى أقل القليل من التدقيق. إن وسائل الإعلام في ليبيا تعج بالمعلومات المضللة. وتبث العشرات من القنوات التلفزيونية ــ وكثير منها ممول من قِـبَـل قوى إقليمية متنافسة ــ نسخا شديدة التباين من حتى الحقائق الأكثر أساسية. يظهر المرشحون على قنوات حزبية ودية ولا يواجهون حتى أسئلة بسيطة حول رؤيتهم لمستقبل البلد وكيف يخططون لحكمه.
لكن هذه ليست الحال في انتخابات المجالس المحلية. فعلى عكس المستوى الوطني، تعتبر السياسة على مستوى المحليات في ليبيا قصة نجاح. منذ عام 2011، انتشرت منتديات الحوار في كل المناطق، وقد نظمت الحوارات بين المعسكرات السياسية. في العقد الفائت، جرى انتخاب أكثر من 100 مجلس بلدي بشكل سلمي. وفي حين يتسبب نفوذ الميليشيات في تقويض المؤسسات الوطنية، كانت المنظمات الشبابية وشيوخ المجتمع الذين يحظون بالاحترام قادرين على خلق منصات للمناقشة. وتبني مناظراتنا الرئاسية المقترحة على هذا التقدم. في التخطيط للمناظرات، بذلت أنا وزملائي جهودا مضنية لجعلها مصدرا للمعلومات جديرا بثقة الناخبين. قمنا بدراسة مناظرات مماثلة حول العالم ــ من بيلاروس إلى كولومبيا إلى جامايكا ــ في سعينا إلى وضع خطة مناسبة لليبيا. كان أحد القرارات التي اتخذناها يتلخص في عقد المناقشات عن بُـعـد، درءا للاتهامات بالمحاباة والتي كانت لتنشأ حتما بعد اختيار أي موقع لإقامة الحدث بحضور المشاركين بشخوصهم. تُـعَـد المناظرة السياسية الحقيقية غير المقيدة بين المرشحين للرئاسة خطوة بالغة الأهمية نحو نزع قوة الفصائل المسلحة والنخب السياسية التي تتنافس حاليا على الهيمنة. سيكون استمرار الصراع أمرا لا مفر منه، بصرف النظر عن المجموعة التي تتولى السلطة فعليا، إلى أن يثق المواطنون في العملية السياسية ويدعمونها، ويدرك الساسة أن النتائج الانتخابية يجب أن تُــحـتَـرَم. تتيح المناظرات الرئاسية لكل المرشحين الفرصة لتقديم إجابات حقيقية للمواطنين ــ وهذا خروج حاد وضروري عن الصفقات السرية والصراعات الجانبية التي ميزت السياسة الليبية. كما تشكل المناظرات فرصة للحد من مخاطر خواء الشرعية بعد التصويت. ونحن نعتزم، كجزء من المحادثة، أن نسأل كل مرشح ما إذا كان ليقبل نتائج الانتخابات. الحق أن مجرد إجراء انتخابات هو علامة واعدة في بلد لا يزال يكافح للتعافي من عشر سنوات من الانقسام السياسي والحرب الأهلية. لكن الانتخابات وحدها لا تكفي. كانت الانتخابات الليبية حتى هذه اللحظة تتسم بضعف إقبال الناخبين، والنتائج المتنازع عليها، والعنف الحزبي. تستلزم الديمقراطية الحقيقية الفاعلة إجراء مناظرة نابضة بالحياة وغير خاضعة للرقابة، وكفالة الفرصة المتكافئة لكل مرشح لكي يتحدث ويكون صوته مسموعا، وفي المقام الأول من الأهمية توفر ثقافة الثقة بين المواطنين والسياسيين الذين يمثلونهم. المناظرات الرئاسية هي خطوة أولى نحو خلق هذه الظروف في ليبيا. وهي تستحق ما لا يقل عن الدعم الكامل من جانب المجتمع الدولي.
• حائز على جائزة الديمقراطية لعام 2013 من المعهد الديمقراطي الوطني ومؤسس مبادرة موناثارا وزميل غروبر في العدالة العالمية في كلية الحقوق بجامعة ييل.
** خدمة بروجيكت سنديكيت
في الرابع والعشرين من ديسمبر، من المقرر أن يتوجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي استغرق الإعداد لها سنوات. يأتي التصويت بعد عقود من الدكتاتورية، والحرب الأهلية، وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، فترة من عدم اليقين المثير للسخط. ولكن لكي تُـقـبَـل النتائج على نطاق واسع، يجب أن يكون الناخبون قادرين على اتخاذ قرار مستنير عند صناديق الاقتراع.
من المؤسف أن هذا قد لا يحدث. الواقع أن جدول الانتخابات الزمني المضغوط لا يقدم لليبيين سوى القليل من الوقت للتعرف على أكثر من سبعين مرشحا. تقرر تقليص فترة الحملة الانتخابية إلى أسبوعين، نظرا لوجود قوات أجنبية في البلاد والخوف من تجدد الصراع. علاوة على ذلك، تعمل البيئة الإعلامية المنقسمة في ليبيا على الحد من توافر المعلومات الدقيقة حول المرشحين. وفي غياب أي فرصة لإدارة مناظرات عامة قوية، ستعكس نتائج الانتخابات الانقسامات الغالبة على البلاد ــ وقد تؤدي إلى تفاقمها. على الرغم من رغبة أغلب الليبيين الواضحة في السلام والاستقرار، فقد تُـفـضي الانتخابات إلى مزيد من العنف. في أعقاب نهاية الحرب الأهلية الليبية الثانية في أكتوبر 2020، أسفرت عملية السلام التي تمت بوساطة من الأمم المتحدة عن تشكيل ثامن حكومة انتقالية في البلاد منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011. كان أحد الأهداف الأساسية لهذه الحكومة تنظيم أول تصويت شعبي على الإطلاق في ليبيا لانتخاب رئيس. لدعم هذه العملية، أمضيت أنا وزملائي القسم الأعظم من العام الفائت في التخطيط للمناظرات الرئاسية الافتتاحية هناك. عملنا لعدة أشهر لإقناع القادة من مختلف أنحاء العالم بأن هذه الانتخابات لن تنجح إلا إذا تمكن الناخبون من المقارنة بين المرشحين وأفكارهم ورؤاهم. لقد أنفق المجتمع الدولي ملايين الدولارات على مدى سنوات عديدة في محاولات فاشلة لتعزيز تحول ليبيا إلى دولة أكثر استقرارا وديمقراطية. كان دعم مثل هذه المناظرات ليشكل نقطة انطلاق للمجتمع الدولي لتهيئة الظروف لديمقراطية دائمة في ليبيا. على أية حال، لا تجلب الانتخابات في حد ذاتها الديمقراطية بطريقة سحرية. بل يتطلب الأمر بذل جهود هائلة لدعم الصحافة المستقلة المتضائلة في ليبيا، وتنظيم مجالها العامر بخطاب الكراهية، وتمكين المجتمع المدني في ليبيا في الدعوة إلى إجراء المحادثات البَـنّـاءة التي تحتاج إليها ليبيا بشدة. لكن جهودنا لم تجتذب سوى قدر ضئيل من الاهتمام. يجب أن تتبدل هذه الحال. لقد تحرر الليبيون من وهم السياسة التي أصبحت مرتبطة على نطاق واسع بالفساد. وبعد عقود من الفوضى السياسية والانتخابات المؤجلة، أصبحوا يشكون في أن الانتخابات المقبلة قد تغير أي شيء. في عام 2014، شارَكَ أقل من خُـمس الناخبين المؤهلين في الانتخابات البرلمانية، وانزلقت ليبيا إلى الحرب الأهلية بعد فترة وجيزة. والآن يخشى كثيرون أن تؤدي الانتخابات الرئاسية إلى ذات النتيجة.
الحق أن هذا القلق مبرر. ففي غياب أي مساحة للمناقشة بين القوى المتنافسة، خضع المرشحون لأعلى منصب في ليبيا إلى أقل القليل من التدقيق. إن وسائل الإعلام في ليبيا تعج بالمعلومات المضللة. وتبث العشرات من القنوات التلفزيونية ــ وكثير منها ممول من قِـبَـل قوى إقليمية متنافسة ــ نسخا شديدة التباين من حتى الحقائق الأكثر أساسية. يظهر المرشحون على قنوات حزبية ودية ولا يواجهون حتى أسئلة بسيطة حول رؤيتهم لمستقبل البلد وكيف يخططون لحكمه.
لكن هذه ليست الحال في انتخابات المجالس المحلية. فعلى عكس المستوى الوطني، تعتبر السياسة على مستوى المحليات في ليبيا قصة نجاح. منذ عام 2011، انتشرت منتديات الحوار في كل المناطق، وقد نظمت الحوارات بين المعسكرات السياسية. في العقد الفائت، جرى انتخاب أكثر من 100 مجلس بلدي بشكل سلمي. وفي حين يتسبب نفوذ الميليشيات في تقويض المؤسسات الوطنية، كانت المنظمات الشبابية وشيوخ المجتمع الذين يحظون بالاحترام قادرين على خلق منصات للمناقشة. وتبني مناظراتنا الرئاسية المقترحة على هذا التقدم. في التخطيط للمناظرات، بذلت أنا وزملائي جهودا مضنية لجعلها مصدرا للمعلومات جديرا بثقة الناخبين. قمنا بدراسة مناظرات مماثلة حول العالم ــ من بيلاروس إلى كولومبيا إلى جامايكا ــ في سعينا إلى وضع خطة مناسبة لليبيا. كان أحد القرارات التي اتخذناها يتلخص في عقد المناقشات عن بُـعـد، درءا للاتهامات بالمحاباة والتي كانت لتنشأ حتما بعد اختيار أي موقع لإقامة الحدث بحضور المشاركين بشخوصهم. تُـعَـد المناظرة السياسية الحقيقية غير المقيدة بين المرشحين للرئاسة خطوة بالغة الأهمية نحو نزع قوة الفصائل المسلحة والنخب السياسية التي تتنافس حاليا على الهيمنة. سيكون استمرار الصراع أمرا لا مفر منه، بصرف النظر عن المجموعة التي تتولى السلطة فعليا، إلى أن يثق المواطنون في العملية السياسية ويدعمونها، ويدرك الساسة أن النتائج الانتخابية يجب أن تُــحـتَـرَم. تتيح المناظرات الرئاسية لكل المرشحين الفرصة لتقديم إجابات حقيقية للمواطنين ــ وهذا خروج حاد وضروري عن الصفقات السرية والصراعات الجانبية التي ميزت السياسة الليبية. كما تشكل المناظرات فرصة للحد من مخاطر خواء الشرعية بعد التصويت. ونحن نعتزم، كجزء من المحادثة، أن نسأل كل مرشح ما إذا كان ليقبل نتائج الانتخابات. الحق أن مجرد إجراء انتخابات هو علامة واعدة في بلد لا يزال يكافح للتعافي من عشر سنوات من الانقسام السياسي والحرب الأهلية. لكن الانتخابات وحدها لا تكفي. كانت الانتخابات الليبية حتى هذه اللحظة تتسم بضعف إقبال الناخبين، والنتائج المتنازع عليها، والعنف الحزبي. تستلزم الديمقراطية الحقيقية الفاعلة إجراء مناظرة نابضة بالحياة وغير خاضعة للرقابة، وكفالة الفرصة المتكافئة لكل مرشح لكي يتحدث ويكون صوته مسموعا، وفي المقام الأول من الأهمية توفر ثقافة الثقة بين المواطنين والسياسيين الذين يمثلونهم. المناظرات الرئاسية هي خطوة أولى نحو خلق هذه الظروف في ليبيا. وهي تستحق ما لا يقل عن الدعم الكامل من جانب المجتمع الدولي.
• حائز على جائزة الديمقراطية لعام 2013 من المعهد الديمقراطي الوطني ومؤسس مبادرة موناثارا وزميل غروبر في العدالة العالمية في كلية الحقوق بجامعة ييل.
** خدمة بروجيكت سنديكيت