الاقتصادية

تقييد الائتمان في الولايات المتحدة وتباطؤ الصين ومتغير أوميكرون.. ثلاثة مهددات للنمو في بلدان الاقتصادات الصاعدة

 
الإيكونومست- ترجمة قاسم مكي

الأمور ليست طيبة مع اقتراب الذكرى الثانية لتفشي الجائحة. فظهور متغيِّر جديد لكوفيد-19 تحت مسمى 'أوميكرون' أطلق موجةَ بيعٍ في الأسواق المالية خوفا، كما يبدو، من أن تدفع هذه السلالة الجديدة والشديدة الانتشار لفيروس كورونا إلى انتكاس أوضاع التعافي الاقتصادي حول العالم.

مع بعض الحظ، قد يتضح أن أوميكرون يمكن السيطرة عليه. لكن استمرار الاضطرابات التي تنشأ عن مختلف متغيرات كوفيد-19 تمثل فقط واحدة من ثلاث قوى عاتية ستضغط على أسواق بلدان الاقتصادات الصاعدة في عام 2022. القوتان الأُخرَيان هما تحول السياسة النقدية الأمريكية نحو خفض عرض النقود وتباطؤ النمو في الصين. (حسب موسوعة انفستوبيديا، اقتصاد السوق الصاعدة هو اقتصاد بلد نامٍ يتحول إلى المزيد من الارتباط بالأسواق العالمية. والمهم هنا أن اقتصاد السوق الصاعدة ينتقل من اقتصاد الدخل المنخفض والنموِّ الأقل والسابق للمرحلة الصناعية في الغالب إلى الاقتصاد الصناعي الحديث مع مستوى معيشي أرقي – المترجم.)

السياسة النقدية الأمريكية

لنبدأ بالسياسة الأمريكية. فالأسواق التي أربكها أوميكرون شهدت المزيد من التراجع يوم 30 نوفمبر بعد أن أشار جيروم بأول، رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي، إلى أن البنك المركزي الأمريكي قد يعجِّل بتطبيق خطته الخاصة بالخفض التدريجي لمشترياته من الأصول المالية.

بفضل الدور الحاسم للدولار وسندات الخزانة الأمريكية في النظام المالي العالمي كثيرا ما يتم ربط تشديد السياسة النقدية للبنك (خفض عرض النقود أو تقييد الائتمان) بتراجع الشهية العالمية للمخاطرة. فالتدفقات الرأسمالية نحو البلدان الصاعدة تميل إلى الانحسار والدولار يقوَى (في مقابل العملات الأخرى) مما يقلل من تدفقات التجارة بسبب دور العملة الأمريكية في الفَوْتَرة (حساب قيمة السلعة أو الخدمة في التجارة العالمية- المترجم).

من أجل تحديد البلدان التي ستكون أكثر تأثرا بتشديد السياسة النقدية لبنك الاحتياط الأمريكي، جمعت مجلة الإيكونومست بيانات عن عدد قليل من المتغيرات الرئيسية الخاصة بالاقتصاد الكلي لحوالي 40 بلدا صاعدا. فعجوزات الحساب الجاري الكبيرة والمستويات المرتفعة للديون (وتلك المستحقة للأجانب خصوصا) وتفشِّي التضخم وعدم كفاية احتياطيات النقد الأجنبي كلها مؤشرات يمكن أن تسبب متاعبَ للبلدان التي تواجه تدفقات مالية متقلبة (غير منتظمة) مع تحول السياسة النقدية الأمريكية إلى تقييد الائتمان.

تجميعُ أداء البلدان بناء على هذه المعايير يُنتِج 'مؤشرَ ضعف' يعني تسجيل أرقام أعلى فيه هشاشةً أكبر. بعض هذه البلدان يتعرض أصلا إلى متاعب خطيرة. فالأرجنتين التي تقف في رأس القائمة تواجه معدل تضخم يزيد عن 50% وأزمة اقتصادية تزداد عمقا. وتبدو أساسيات اقتصاد تركيا أفضل قليلا. (بحسب موسوعة انفيستوبيديا تمثل الأساسيات الخصائص الأولية والبيانات المالية الضرورية لتحديد استقرار وصحة اقتصاد ما- المترجم.)

لكن متاعب تركيا تزداد ضراوة لتشبث حكومتها بخفض معدلات الفائدة في وجه تصاعد الأسعار. فالليرة فقدت 45% من قيمتها مقابل الدولار في العام الحالي مما قلل من القوة الشرائية لأجور ورواتب تقاعد الأتراك.

تباطؤ النمو في الصين

عنصر الخطر الثاني ينشأ عن تباطؤ اقتصاد الصين. عندما تتعثر الصين يشعر المصدرون حول العالم بالألم. فهي أكبر مستهلك في العالم، وبهامش كبير، للألمنيوم والفحم الحجري والقطن وفول الصويا من بين سلع أخرى. وهي مستورد رئيسي لسلع تتراوح من المعدات الرأسمالية إلى الجعة.

تصنيف نفس هذه البلدان الأربعين على أساس صادراتها للصين كحصَّةٍ من ناتجها المحلي الإجمالي ينتج مؤشر ضعفٍ للبلد المعني إزاء الصين. العديد من أكبر البلدان المصدرة للصين مثل فيتنام تشكل حلقاتٍ بالغة الأهمية في سلاسل التوريد الصناعية. ويلزَم ألا تتأثر، مع تباطؤ الاقتصاد المحلي للصين، طالما ظل الأمريكيون يتسوقون وطالما ظلت العلاقات التجارية الصينية الأمريكية مستقرة.

الخطر الأعظم يواجه بلدان تصدير السلع الأكثر فقرا والتي ساعدت على إطعام سكان الصين وساهمت في ازدهار أعمال البناء.

هذا المقياس لحجم الضعف أمام الصين يمكن مقارنته بعد ذلك بمقياسنا (مقياس مجلة الإيكونومست- المترجم) الخاص لقابلية تأثر البلدان بتحول أمريكا إلى تقييد سياستها الائتمانية. مصائر بعض هذه البلدان أكثر ارتباطا بإحدى العملاقتين (أمريكا أو الصين) من الأخرى. وهنالك مجموعة غير محظوظة، تضم بلدانا مثل البرازيل وشيلي، غالبا ما ستعاني كما يبدو من ضربتين. فعلى الرغم من المستويات المرتفعة للدَّين وتصاعد التضخم اقتصر ارتفاع أسعار السلع على تمكين البرازيل فقط من المحافظة على ثقة المستثمرين. ومن الممكن أن يحرم تباطؤ اقتصاد الصين البرازيل من تلك الفائدة مما سيقود إلى انهيار عملتها وإلى مستوى أعلى للتضخم واحتمال نشوب أزمة اقتصادية بها.

واجه العالم من قبل ضغوطات سياسة الحد من الائتمان الأمريكية وتعثر الصين في وقت متزامن. ففي أواسط العشرية الثانية تأثرت الأسواق الصاعدة والهشة بارتفاع الدولار مع سحب بنك الاحتياط الفيدرالي الدعم النقدي الذي قدمه في اثناء الأزمة المالية العالمية. ومن جانب آخر أدى سوء إدارة جولة من جولات تحرير السوق المالية وتقييد الائتمان إلى تدهورٍ في الصين. وتراجع النمو في البلدان الصاعدة باستثناء الصين من 5.3% في عام 2011 إلى 3.2% فقط في عام 2015.

من المؤكد تقريبا أن يكون الضغط على الأسواق هذا العام أسوأ. ويعود ذلك جزئيا إلى توقع تقييد بنك الاحتياط الفيدرالي سياسته الائتمانية بسرعة أكبر مما فعل في العشرية الثانية عندما أجبره التعافي الضعيف واستمرار انخفاض التضخم على التحرك ببطء.

ثم مرت أكثر من سنتين ونصف بين إعلان بنك الاحتياط عن نيته خفض مشترياته من الأصول المالية وأول ارتفاع في معدل سعر الفائدة.

هذه المرة، بالمقارنة، يُرجَّح أن تشمل فترة العام التي تعقب الإعلان عن خطته بالتقليل التدريجي من مشترياته في نوفمبر وقفا تاما لشراء السندات، ورفعا لمعدل الفائدة مرتين على الأقل (حسب أسعار السوق).

من جانبها، تبدو الصين أيضا عرضة بقدر أكبر لخطر تراجعٍ لافت للنمو المتسارع اليوم قياسا بوضعها قبل نصف عقد.

هذا ويعتقد معظم خبراء الاقتصاد أن هذا النمو سيتباطأ إلى ما بين 4.5% و5.5% حتى قبل ظهور أوميكرون. ذلك سيكون، باستثناء عام 2020، أقل معدل نموِّ منذ عام 1990.

متغيِّر أوميكرون

سبب آخر للعَنَت والمشقة هذه المرة وهو إضافة خطر ثالث لبلدان الاقتصادات الصاعدة. إنه انتشار أوميكرون وخطر نشوء متغيرات جديدة للفيروس في المستقبل.

لا يُعرَف الكثير حتى الآن عن الخطر الذي يشكله أوميكرون. لكن العالم الصاعد يظل خصوصا عرضة لتفشي هذا المتغير.

ومعدلات التطعيم في البلدان الأكثر فقرا، مع استثناءات قليلة، تتخلف عن معدلاته في البلدان الغنية. فحوالي 10% فقط من سكان إفريقيا حصلوا ولو حتى على جرعة واحدة. وهذا الرقم أقل من نسبة الأمريكيين الذين حصلوا على جرعة ثالثة.

ومن بين مجموعة الأربعين بلدا التي رصدناها وجدنا أن معدلات التطعيم منخفضة على نحو خاص في مصر وباكستان. وهما بلدان معرَّضان أيضا للتأثر على نحو خاص بتقييد السياسة النقدية الأمريكية.

انتشار متغير جديد قد لا تكون اللقاحات الموجودة فعالة ضده ربما يتضح أنه 'قاصم الظهر' للبلدان التي تعتمد اقتصاداتها على السياحة. والموازنات الحكومة في العالم الصاعد على نحو أعم ليست في وضع ملائم يتيح لها تمويل تمديد أو تجديد برامج مساعدات تخفف من آثار الجائحة.

يصعب فهم الكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها هذه المهددات الثلاثة فيما بينها. لكن من الممكن أن يقود اقترانها إلى المزيد من المعاناة الاقتصادية للبلدان الأكثر فقرا.

وقد تترك أسواق رأس المال التي لا ترحم، مع تشديد بنك الاحتياط الفيدرالي سياسته النقدية، حكوماتِ بلدان الأسواق الصاعدة بلا حول ولا قوة أمام الانتشار الجديد للجائحة.

من المحتمل أن توجه الإغلاقات المحلية في الصين بسبب أوميكرون ضربة أخرى لمصدري الأسواق الصاعدة. وفي الغالب ستظل البلدان التي تعتمد على السياحة في جنوب شرق آسيا، وكانت في وقت ما مقاصدا مرغوبة، مهجورة لفترة أطول.

بات حتميا أن تكون السنة الثالثة للجائحة صعبة لبلدان الاقتصادات الصاعدة والعالقة بين تقييد الائتمان في الولايات المتحدة وتباطؤ اقتصاد الصين. ويمكن أن يجعل ظهور متغيرات جديدة لفيروس كورونا رحلتها أكثر خطورة.