أضاميم .. من أدب التصوف العماني: قصيدة "التائية النورانية في المناهج السُّلوكية" لراشد اللمكي
السبت / 6 / جمادى الأولى / 1443 هـ - 18:34 - السبت 11 ديسمبر 2021 18:34
منزل الشيخ راشد اللمكي في حارة قصرى بالرستاق
هذه محاولة لإماطة اللثام عن واحدة من روائع قصائد السُّلوك العُمانية المجهولة، والتي ظلت إضمامة الأيام وخبيئة السنين، منذ الفراغ من نسخها عام 1324هـ/ 1905م، وحتى كتابتي عنها في هذه المساحة الصَّغيرة، وقد مرَّ عليها من الزمان أكثر من قرن، لكن الجواهر لا تبلى، وعسى أن يمنَّ الله فيأتي من يشرحها ويحققها، ويخرجها مطبوعة بما يليق بها، فهي دُرَّة من درر شعر السُّلوك العُماني، وإن جهلتها أقلام النقاد، كحال الكثير من نفائس أدبيَّاتنا شعراً ونثراً، الضائعة في بطون الكتب.
لقد عرف الشعر العربي أكثر من قصيدة تائية في شعر التصُّوف، أو السلوك الصُّوفي، أشهرها التائية الصغرى (103 أبيات)، لعمر بن الفارض (ت: 632هـ/ 1291م)، ذات المطلع العليل المُضَمَّخ برائحة الزَّهر العَاطِر:
نَعَمْ بالصَّبَا قلبي صَبَا لأحِبَّتِي
فيَا حَبَّذا ذاكَ الشَّذا حِينَ هَبَّتِ
وأتبعها بالتائية الكبرى الشهيرة (759 بيتا)، بمطلعها الذائب سُكرا بخَمْرَة الحُب:
سَقتني حُمَيَّا الحُبِّ رَاحَةُ مُقلَتِي
وَقلبِي مُحَيَّا مَنْ عَنِ الحُسْنِ جَلَّتِ
وهاتان القصيدتان شغلتا أقلام الشرَّاح، وأخذتا بألباب المهتمين بأدب التصوف، وتعشَّقها الشعراء السلوكيون، باعتبارهما نفيستين لم يعرف الشعر العربي لهما مثيلاً، تتالى على تبيينهما الشرَّاح، من بينهم الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي (ت: 1263هـ/ 1847م)، في شرحه المُلهِم والمُلهَم: «إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك».
وفي التجربة الشعرية العُمانية السلوكية، ظهرت قصيدتان تائيتان كذلك، الأولى: تائية طويلة لأبي مسلم البهلاني (ت: 1920م)، عنوانها: «الوادِي المُقدَّس»، تتصدَّر ديوانه «النَّفَسُ الرَّحماني»، إذ يبلغ عدد أبياتها: 1597بيتاً، ومطلعها:
هُوَ اللهُ باسْمِ اللهِ تَسْبيحُ فِطرَتِي
وللهِ إخلاصِي وفي اللهِ نَزْعَتِي
والثانية هذه القصيدة والتي أسماها مؤلفها: «التائية النورانية في المناهج السلوكية» للفقيه الشاعر: راشد بن سيف بن سالم اللمكي الرستاقي (ت: 1333هـ/ 1915م)، وبحسب علمي أنها لم تُطبَع، كما لم أقرأ عنها ذكراً في الأدبيات الشعرية للسُّلوك الصُّوفي لدى العُمانيين، ومن أجل التعرُّف عليها، حاولت البحث عنها في المظان التي أتوقع أن أجد لها ذكراً وتعريفاً، وكانت «الموسوعة العُمانية» في متناول يدي، فبحثت في المدخل الخاص بالسُّلوك، فلم أجد لها فيه ذكراً، ثم بحثت في المدخل الخاص بمؤلفها راشد بن سيف اللمكي، وعلى ما يبدو فإن كاتبه لم يكن على علم بها، لذلك لم يُرِدْ لها ذكر، ولا في المراجع التي تتوفر في مكتبتي، عن الشعراء والفقهاء العُمانيين.
هذه القصيدة تختلف عن غيرها من القصائد، أنها نَظمَت التجربة السُّلوكية في أحدَ عشرَ نهْجاً، جاءت بمثابة مفاتيح لعالم القصيدة النوراني، فهي ليست في التغني بالعِشق الإلهي، ككثير من القصائد الصُّوفية، بل في ضبط النهج الذي ينبغي أن يسير عليه كل من يريد أن يدخل باب السُّلوك، وتعكس القصيدة انشغال الشيخ راشد بن سيف اللمكي بالسُّلوك الصوفي كعِلْم، واشتغاله به كمُعَلِّم، يَعِي قواعدَه وطرائقه، فللسلوك طرائق، غرضها التقرُّب إلى الله، ومجاهدة هوى النفس، للوصول بها إلى يقين الاطمئنان، حتى تشرق فيها شمس محبة الله.
تقع التائية النورانية اللمكية في 238 بيتاً، وتسير تفاعيلها على عباب بحر الطويل، وقافية التاء المكسورة، إمعاناً في كسر جموح النفس، بالتذلل والخضوع، قرأتها مكتوبة بخط الناسخ: علي بن خميس بن راشد بن سعيد القصَّابي، كتبها بمداد أسود وأحمر في 19 صفحة، بتاريخ 14 ربيع الثاني 1324هـ/ 1905م، نقلاً من خط يد المؤلف، وحين ذاك الوقت كان الشيخ راشد اللمكي على قيد الحياة، وهذا مطلع القصيدة:
سُلوكِي بعِلمِ الدِّين شَرْعُ المَحَبَّةِ
ونيلُ الرِّضا يُحظى بأقوَمِ شِرعَةِ
كتب الشيخ اللمكي تقديماً لقصيدته، بلغة سامقة من النثر الرَّفيع، تتسامى كلماته في فضاء الخيال، يشي به مفتتح التقديم: (بحَمدك اللهم ألهَجُ لأبتهجَ بلوعة الغرام، وأنتهجُ بزمرة المَجذوبين إلى أسمى مقام، واندرجُ بحضرة من تيَّمَهُم الجَوى، فظلوا نشاوى بكؤوس المَدام، وأنزعجُ بارتياح بليل الهوى، انزعاج من قادته يد العناية إلى خير مأوى بسَلام، وأندمجُ إلى حكم فِتية فضَّل عليهم قاضي الحُب بسلب الأرواح وفناء الأجسام، وأعرُجُ إلى منعرج من يصبُّ عليهم من صِرْفِ الصَّبابة بحَضرةِ قدسِهم، ونظرة أُنْسِهم على الدوام).
ثم يقول متحدثاً عن القصيدة: (هذه المنظومة النورانية، في المناهج السُّلوكية، والمدارج القُرْبية، والمَعارج الوَصْلية، والجَذَبات الإلهية، والحضرات الاتحادية، والنهَلات الشمولية، والنفثات الروعية، والدَّهشات الجلالية، والبهجات الجمالية، والولاءات الكمالية، والفُجَاءات البوادهية، والمحوات الوجودية، والغيبات الشهودية، والسعادات الأبدية، أسرد جواهرها بسلك النظام .. الخ).
ويكشف فهرسة القصيدة، عن المنهج النظمي الفريد، الذي سار عليه اللمكي، تستوعبه قصيدته التائية بحمولتها الشعرية، بما يزيد عن مائتي بيت، بدءاً بمقدمتها والتي سماها: «الدخول في السلوك»، أعقبها عشرة مناهج وفصول، تنتظم في قالب القصيدة، ففي النهج الأول يفصِّل الحديث عن «الشرعة الإسلامية»، و«الشرعة الإيمانية»، و«الشرعة الإحسانية»:
فشِرْعَةُ إسْلامِي عُقودُ شَهادَتِي
بتوْحِيدِيَ القُدُّوسَ عَنْ كلِّ شِرْعَةِ
وَشِرْعَةُ إيمَانِي عَقائِدُ باطِنِي
حَقيقتُها تصْدِيقُ قيُّومُ نشأتِي
وشِرْعَةُ إحْسَانِي أدَائِي عِبَادَتِي
كَأنِّي أرَاهُ إذ يَرَانِي بحَضْرَتِي
ويتناول في النهج الثاني تجريد النفس، وتقديسها من كل رجس:
وتجْريدُ نفسِي مِنْ هَوَى الغَيِّ قاهِراً
لها بزِمَامِ الشَّرْعِ فرْضِي وسُنَّتِي
وَتَخليصُها تَمْحِيصُها مِنْ قواطِعِ
الحُظُوظِ بها فوْقَ الحَضِيضِ اسْتقَرَّتِ
وَتوْطِيدُها تقيِيدُها عَنْ وُلوْجِها
بِصَبْوَتِها تَلْقَ السَّجَايا الدَّنِيَّةِ
وَتهْذيبُها تدْرِيجُها عَنْ رُسُوبِها
بمَركَزِها في الشَّهْوةِ المُسْتَكِنَّةِ وَتقدِيسُها ترْكيسُها عَنْ تَلوُّنٍ
بتَمَكينِها حَالَ انقباضٍ وَبَسْطةِ
ففِي قَتْلِها إحْياؤُها وَافتِقارُها
غِنَاها كمَا بالذُلِّ دَاعِي المَعَزَّةِ
وفي نهج «مقام المجذوب بعناية المحبوب»، يقول:
وفي مَعْرَجٍ بالجَذْبِ أنْ قد شَهدْتهُ
لدَى حَضرَةِ التنزيهِ عن كلِّ شِركةِ
به تعْرفُ الأكوانُ أنَّ له بها
شواهِدَ حَقٍ مُشرِقٌ بالأشِعَّةِ
تدليتُ بالعِرْفانِ في كلِّ مَظهَرٍ
لتشْهَدَ بالبُرهان كلُّ عَجيبةِ
وتحفل القصيدة بمعان غامضة، لا يقطع مياهها الباهرة إلا من اعتاد خوض نهر النور، وستظل معانيها مغلقة على القارئ، حتى يأتي من يشرحها، ويستخلص منها الدُّرر، فاللغة عميقة، لا تكفيها قراءة واحدة، وإنما بحاجة إلى معايشة ومجاهدة، للتحليق في عالمها الشعري الفسيح، كهذا المقطع:
شُهودِي بُعْدِي عنه عَيْنُ تقرُّبي
وحُكمُ الهَوَى يَقضِي بخَفضِي ورِفعَتِي
وذُلِّيَ عِزِّي وهو لِي خَيرُ مَقصَدٍ
لِمَعْرَجِ عِزٍ وَصْلُهُ بمَذلَّتِي
فقُمْ في رِضَى المَحْبُوبِ بَذْلاً لِكُلِّمَا
يُرَادُ مِنَ المَطلوبِ فِي كُلِّ خِصْلَةِ
وقُلْ هذِهِ رُوْحِي إذا ما تقَلَّبَتْ
لَكَ الشَّرَفُ العَالِي عَلى كُلِّ رُتبَةِ
وَبَاذِلِ رُوْحٍ في الهَوَى باخِلٌ إذا
حُظِى بِوِصَالٍ جَلَّ وَصْفَاً بِهَيئَةِ
وبلا شك فإن القصيدة تنير السائر في درب السلوك، بهديها وبصيرتها، وتأخذه إلى ضفاف آمنة، وبعد أن يصل يأخذه وَلَهُ الشوق، أن يستظل تحت دوحاته الظليلة، ليترنم مع راشد اللمكي في قصيدته الذهبية، بهذه الشذور الأخيرة، حين يصل بالجذب إلى مقام الحق، خاتماً بها رائعته:
فيا ناهِلَ الأحْبابِ كاسَاتِ حُبِّهِ
لِدَى القُرْبِ أنْهِلنِي بكأسٍ رَوِيَّةِ
أدِرْها دِهاقاً شُرْبَ صَرْفٍ وَعلَّها
عليَّ فذاكَ الرَّاحُ رُوحِي وبَهْجتِي
ويا مالِكي أمِّنْ سَبيلَ مسَالِكِي
بتحقيقِ جَذْبٍ في وِصَالٍ وقُرْبَتِي
فهَذا مَقامُ الحَقِّ قُمْ فيهِ واسْتقِمْ
وقلْ أنتَ رَبِّي أنتَ حَسْبي وَعُدَّتِي
ومع هذا الإبداع الشعري الفذ، إلا أن مؤلفات الشيخ راشد بن سيف اللمكي ما تزال ضميمة الخزائن، وما زلنا نسمع عنه ولم نقرأ له، إلا ما نُشِر له على سبيل التذكير به فقط، إذ نسمع أنه الشيخ الأول للإمام نورالدين السالمي، وبالقدر الذي ملأت مؤلفات الشيخ السالمي الدنيا، وتستحقها بجدارة، إلا أن مؤلفات الشيخ راشد اللمكي ما تزال مجهولة!
أليست قصائده السلوكية كهذه القصيدة التائية جديرة بالشرح والتحقيق، لتنشر في مجموع شعري واحد؟، وقد فات على الباحثين في أدب السُّلوك الصُّوفي دراسة هذا النص المُبْهر، لشيخ فضَّل أن يتوارى في مقصورته «سَبَأ» بحَارَة «قَصْرى» الرُّستاقية، فتوارت معه قصائده، وكل إبداعه الفقهي والأدبي، ولولا الناسخ علي بن خميس القصَّابي، ونسخه للقصيدة بخطه الجميل، لضاع هذا النص الشعري النفيس.
ختاما:
1 - النص الأصلي للقصيدة كاملة، بيد الباحث المُتحَفي: جمال بن محمد الكندي، صاحب مُتحف «بيت قَرَش» بنزوى.
لقد عرف الشعر العربي أكثر من قصيدة تائية في شعر التصُّوف، أو السلوك الصُّوفي، أشهرها التائية الصغرى (103 أبيات)، لعمر بن الفارض (ت: 632هـ/ 1291م)، ذات المطلع العليل المُضَمَّخ برائحة الزَّهر العَاطِر:
نَعَمْ بالصَّبَا قلبي صَبَا لأحِبَّتِي
فيَا حَبَّذا ذاكَ الشَّذا حِينَ هَبَّتِ
وأتبعها بالتائية الكبرى الشهيرة (759 بيتا)، بمطلعها الذائب سُكرا بخَمْرَة الحُب:
سَقتني حُمَيَّا الحُبِّ رَاحَةُ مُقلَتِي
وَقلبِي مُحَيَّا مَنْ عَنِ الحُسْنِ جَلَّتِ
وهاتان القصيدتان شغلتا أقلام الشرَّاح، وأخذتا بألباب المهتمين بأدب التصوف، وتعشَّقها الشعراء السلوكيون، باعتبارهما نفيستين لم يعرف الشعر العربي لهما مثيلاً، تتالى على تبيينهما الشرَّاح، من بينهم الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي (ت: 1263هـ/ 1847م)، في شرحه المُلهِم والمُلهَم: «إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك».
وفي التجربة الشعرية العُمانية السلوكية، ظهرت قصيدتان تائيتان كذلك، الأولى: تائية طويلة لأبي مسلم البهلاني (ت: 1920م)، عنوانها: «الوادِي المُقدَّس»، تتصدَّر ديوانه «النَّفَسُ الرَّحماني»، إذ يبلغ عدد أبياتها: 1597بيتاً، ومطلعها:
هُوَ اللهُ باسْمِ اللهِ تَسْبيحُ فِطرَتِي
وللهِ إخلاصِي وفي اللهِ نَزْعَتِي
والثانية هذه القصيدة والتي أسماها مؤلفها: «التائية النورانية في المناهج السلوكية» للفقيه الشاعر: راشد بن سيف بن سالم اللمكي الرستاقي (ت: 1333هـ/ 1915م)، وبحسب علمي أنها لم تُطبَع، كما لم أقرأ عنها ذكراً في الأدبيات الشعرية للسُّلوك الصُّوفي لدى العُمانيين، ومن أجل التعرُّف عليها، حاولت البحث عنها في المظان التي أتوقع أن أجد لها ذكراً وتعريفاً، وكانت «الموسوعة العُمانية» في متناول يدي، فبحثت في المدخل الخاص بالسُّلوك، فلم أجد لها فيه ذكراً، ثم بحثت في المدخل الخاص بمؤلفها راشد بن سيف اللمكي، وعلى ما يبدو فإن كاتبه لم يكن على علم بها، لذلك لم يُرِدْ لها ذكر، ولا في المراجع التي تتوفر في مكتبتي، عن الشعراء والفقهاء العُمانيين.
هذه القصيدة تختلف عن غيرها من القصائد، أنها نَظمَت التجربة السُّلوكية في أحدَ عشرَ نهْجاً، جاءت بمثابة مفاتيح لعالم القصيدة النوراني، فهي ليست في التغني بالعِشق الإلهي، ككثير من القصائد الصُّوفية، بل في ضبط النهج الذي ينبغي أن يسير عليه كل من يريد أن يدخل باب السُّلوك، وتعكس القصيدة انشغال الشيخ راشد بن سيف اللمكي بالسُّلوك الصوفي كعِلْم، واشتغاله به كمُعَلِّم، يَعِي قواعدَه وطرائقه، فللسلوك طرائق، غرضها التقرُّب إلى الله، ومجاهدة هوى النفس، للوصول بها إلى يقين الاطمئنان، حتى تشرق فيها شمس محبة الله.
تقع التائية النورانية اللمكية في 238 بيتاً، وتسير تفاعيلها على عباب بحر الطويل، وقافية التاء المكسورة، إمعاناً في كسر جموح النفس، بالتذلل والخضوع، قرأتها مكتوبة بخط الناسخ: علي بن خميس بن راشد بن سعيد القصَّابي، كتبها بمداد أسود وأحمر في 19 صفحة، بتاريخ 14 ربيع الثاني 1324هـ/ 1905م، نقلاً من خط يد المؤلف، وحين ذاك الوقت كان الشيخ راشد اللمكي على قيد الحياة، وهذا مطلع القصيدة:
سُلوكِي بعِلمِ الدِّين شَرْعُ المَحَبَّةِ
ونيلُ الرِّضا يُحظى بأقوَمِ شِرعَةِ
كتب الشيخ اللمكي تقديماً لقصيدته، بلغة سامقة من النثر الرَّفيع، تتسامى كلماته في فضاء الخيال، يشي به مفتتح التقديم: (بحَمدك اللهم ألهَجُ لأبتهجَ بلوعة الغرام، وأنتهجُ بزمرة المَجذوبين إلى أسمى مقام، واندرجُ بحضرة من تيَّمَهُم الجَوى، فظلوا نشاوى بكؤوس المَدام، وأنزعجُ بارتياح بليل الهوى، انزعاج من قادته يد العناية إلى خير مأوى بسَلام، وأندمجُ إلى حكم فِتية فضَّل عليهم قاضي الحُب بسلب الأرواح وفناء الأجسام، وأعرُجُ إلى منعرج من يصبُّ عليهم من صِرْفِ الصَّبابة بحَضرةِ قدسِهم، ونظرة أُنْسِهم على الدوام).
ثم يقول متحدثاً عن القصيدة: (هذه المنظومة النورانية، في المناهج السُّلوكية، والمدارج القُرْبية، والمَعارج الوَصْلية، والجَذَبات الإلهية، والحضرات الاتحادية، والنهَلات الشمولية، والنفثات الروعية، والدَّهشات الجلالية، والبهجات الجمالية، والولاءات الكمالية، والفُجَاءات البوادهية، والمحوات الوجودية، والغيبات الشهودية، والسعادات الأبدية، أسرد جواهرها بسلك النظام .. الخ).
ويكشف فهرسة القصيدة، عن المنهج النظمي الفريد، الذي سار عليه اللمكي، تستوعبه قصيدته التائية بحمولتها الشعرية، بما يزيد عن مائتي بيت، بدءاً بمقدمتها والتي سماها: «الدخول في السلوك»، أعقبها عشرة مناهج وفصول، تنتظم في قالب القصيدة، ففي النهج الأول يفصِّل الحديث عن «الشرعة الإسلامية»، و«الشرعة الإيمانية»، و«الشرعة الإحسانية»:
فشِرْعَةُ إسْلامِي عُقودُ شَهادَتِي
بتوْحِيدِيَ القُدُّوسَ عَنْ كلِّ شِرْعَةِ
وَشِرْعَةُ إيمَانِي عَقائِدُ باطِنِي
حَقيقتُها تصْدِيقُ قيُّومُ نشأتِي
وشِرْعَةُ إحْسَانِي أدَائِي عِبَادَتِي
كَأنِّي أرَاهُ إذ يَرَانِي بحَضْرَتِي
ويتناول في النهج الثاني تجريد النفس، وتقديسها من كل رجس:
وتجْريدُ نفسِي مِنْ هَوَى الغَيِّ قاهِراً
لها بزِمَامِ الشَّرْعِ فرْضِي وسُنَّتِي
وَتَخليصُها تَمْحِيصُها مِنْ قواطِعِ
الحُظُوظِ بها فوْقَ الحَضِيضِ اسْتقَرَّتِ
وَتوْطِيدُها تقيِيدُها عَنْ وُلوْجِها
بِصَبْوَتِها تَلْقَ السَّجَايا الدَّنِيَّةِ
وَتهْذيبُها تدْرِيجُها عَنْ رُسُوبِها
بمَركَزِها في الشَّهْوةِ المُسْتَكِنَّةِ وَتقدِيسُها ترْكيسُها عَنْ تَلوُّنٍ
بتَمَكينِها حَالَ انقباضٍ وَبَسْطةِ
ففِي قَتْلِها إحْياؤُها وَافتِقارُها
غِنَاها كمَا بالذُلِّ دَاعِي المَعَزَّةِ
وفي نهج «مقام المجذوب بعناية المحبوب»، يقول:
وفي مَعْرَجٍ بالجَذْبِ أنْ قد شَهدْتهُ
لدَى حَضرَةِ التنزيهِ عن كلِّ شِركةِ
به تعْرفُ الأكوانُ أنَّ له بها
شواهِدَ حَقٍ مُشرِقٌ بالأشِعَّةِ
تدليتُ بالعِرْفانِ في كلِّ مَظهَرٍ
لتشْهَدَ بالبُرهان كلُّ عَجيبةِ
وتحفل القصيدة بمعان غامضة، لا يقطع مياهها الباهرة إلا من اعتاد خوض نهر النور، وستظل معانيها مغلقة على القارئ، حتى يأتي من يشرحها، ويستخلص منها الدُّرر، فاللغة عميقة، لا تكفيها قراءة واحدة، وإنما بحاجة إلى معايشة ومجاهدة، للتحليق في عالمها الشعري الفسيح، كهذا المقطع:
شُهودِي بُعْدِي عنه عَيْنُ تقرُّبي
وحُكمُ الهَوَى يَقضِي بخَفضِي ورِفعَتِي
وذُلِّيَ عِزِّي وهو لِي خَيرُ مَقصَدٍ
لِمَعْرَجِ عِزٍ وَصْلُهُ بمَذلَّتِي
فقُمْ في رِضَى المَحْبُوبِ بَذْلاً لِكُلِّمَا
يُرَادُ مِنَ المَطلوبِ فِي كُلِّ خِصْلَةِ
وقُلْ هذِهِ رُوْحِي إذا ما تقَلَّبَتْ
لَكَ الشَّرَفُ العَالِي عَلى كُلِّ رُتبَةِ
وَبَاذِلِ رُوْحٍ في الهَوَى باخِلٌ إذا
حُظِى بِوِصَالٍ جَلَّ وَصْفَاً بِهَيئَةِ
وبلا شك فإن القصيدة تنير السائر في درب السلوك، بهديها وبصيرتها، وتأخذه إلى ضفاف آمنة، وبعد أن يصل يأخذه وَلَهُ الشوق، أن يستظل تحت دوحاته الظليلة، ليترنم مع راشد اللمكي في قصيدته الذهبية، بهذه الشذور الأخيرة، حين يصل بالجذب إلى مقام الحق، خاتماً بها رائعته:
فيا ناهِلَ الأحْبابِ كاسَاتِ حُبِّهِ
لِدَى القُرْبِ أنْهِلنِي بكأسٍ رَوِيَّةِ
أدِرْها دِهاقاً شُرْبَ صَرْفٍ وَعلَّها
عليَّ فذاكَ الرَّاحُ رُوحِي وبَهْجتِي
ويا مالِكي أمِّنْ سَبيلَ مسَالِكِي
بتحقيقِ جَذْبٍ في وِصَالٍ وقُرْبَتِي
فهَذا مَقامُ الحَقِّ قُمْ فيهِ واسْتقِمْ
وقلْ أنتَ رَبِّي أنتَ حَسْبي وَعُدَّتِي
ومع هذا الإبداع الشعري الفذ، إلا أن مؤلفات الشيخ راشد بن سيف اللمكي ما تزال ضميمة الخزائن، وما زلنا نسمع عنه ولم نقرأ له، إلا ما نُشِر له على سبيل التذكير به فقط، إذ نسمع أنه الشيخ الأول للإمام نورالدين السالمي، وبالقدر الذي ملأت مؤلفات الشيخ السالمي الدنيا، وتستحقها بجدارة، إلا أن مؤلفات الشيخ راشد اللمكي ما تزال مجهولة!
أليست قصائده السلوكية كهذه القصيدة التائية جديرة بالشرح والتحقيق، لتنشر في مجموع شعري واحد؟، وقد فات على الباحثين في أدب السُّلوك الصُّوفي دراسة هذا النص المُبْهر، لشيخ فضَّل أن يتوارى في مقصورته «سَبَأ» بحَارَة «قَصْرى» الرُّستاقية، فتوارت معه قصائده، وكل إبداعه الفقهي والأدبي، ولولا الناسخ علي بن خميس القصَّابي، ونسخه للقصيدة بخطه الجميل، لضاع هذا النص الشعري النفيس.
ختاما:
1 - النص الأصلي للقصيدة كاملة، بيد الباحث المُتحَفي: جمال بن محمد الكندي، صاحب مُتحف «بيت قَرَش» بنزوى.
2 – صدر عن الناسخ كتاباً أعده القاضي: بدر بن سيف بن راشد الراجحي، بعنوان (علي بن خميس بن راشد القصَّاب، سيرته ومذكرة حياته، ت: جمادى الأولى 1337هـ/ فبراير 1919م)، وذلك عن مركز ذاكرة عمان، مسقط، 2019م، يقع الكتاب في 304صفحة، من الحجم المتوسط.